أخيرةثقافة وفنون

ملامح الشعريّة في نماذج من قصيدة الومضة

} إلهام مسيوغة صفّارة

الصورة الشعريّة من مميّزات قصيدة الومضة. وسنحاول مقاربة بعض الومضات لمعرفة مدى تساوقها مع المبادئ التنظيريّة في حقل الأدب الوجيز. تخيّرتُ ثلاث ومضات من أجمل ما قرأت في شعر الومضة للشاعر التونسي لطفي تياهي:  

الومضة 1

 

الومضة 2

 

الومضة 3

 

يبدو غريباًفي الخزانة معطفي

دون رصيف

 

في غيابكِصارت القهوة مرّة أدركت متأخّرا أنّ التفكير فيكِ لا يحرّك السّكّر..

 

أمام شرفتكعدّني طفل يعدّ أعمدة الطريق.

 

اعتماد الصورة الشعريّة

على الرّمز

اعتماد الصورة الشعريّة على الانزياح

 

اعتماد الصورة الشعريّة على الرؤيا

 

 

 قصر الحجم:

يتراوح عدد الكلمات في هذه الومضات بين سبع كلمات وثلاث عشرة كلمة وهو أمر ينسجم انسجامًا تامًا مع الدعوة إلى حصر عدد كلمات الومضة بين ثلاث كلمات وإحدى وعشرين كلمة. بتعبير آخر، جاءت الومضات المذكورة لتراعي شرط الإيجاز. لكن هل راعت الشروط الأخرى التي لا مناص من توافرها لكي تكتمل شعريّة الومضة؟

الصورة الشعريّة:

تحضر الذات في وضعيات مختلفة. هذه الأنا ضمير محيّر. هل فيها يعيّن ذاته أم هو ضمير يتمّ تعريفه بالعموم extention؟ أم أنّ «الأنا» شكل فارغ على قول بنفنيست ويمكن لكلّ قارئ أن يملأ فيه ذاته؟ العمليّة ذكيّة جدّاً لا تخلو من مراوغة. تعتقد أنّك تلاحق ذات الشاعر في حين أنّك لا تلاحق إلّا ذاتك أو خيالك.

في الومضة الأولى الصورة مكثفة تعتمد الرّمز وتتضمن حالة مفارقة شعرية إدهاشية، فالفكرة الشعرية الواحدة هي المسيطرة على الومضة تحقّق الدهشة من الكثافة الشعرية. للمفردة طاقة خارقة رغم بساطتها. حاول أن تفكّ شيفرة هذه الصور. رمزيّة المعطف الدّال على الخروج والسّفر بما فيه من حيويّة وتغيير، ورمزية الرصيف الموحي بالانتظار أو بلوغ الغايات. هذه الأنا الغريبة التي تعاني من الجمود والرتابة في الحياة ولا تملك هدفاً ولا غاية ولا حلماً تنشد التجديد والتغيير والامتلاء بالحلم. قوّة الصورة الشعريّة لا تكمن في غريب الكلام وهجينه بل في الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة والمهمّشة، ورصد دقائق الأشياء المحيطة بنا. أمّا في الومضة الثانية فالصّورة الشعرية اكتسبت جمالها من العمل داخل اللغة بإحداث علاقات جديدة بين المفردات، كما في ومضة «المئذنة» لأدونيس «بكت المئذنةحين جاء الغريب اشتراهابنى فوقها مدخنة». على غرار أدونيس انتهج التياهي النّهج نفسه وأحدث علاقة جديدة بين المفردات في ختام القصيدة (بين التفكير فيها وتحريك السكر) حقّقت انزياحاً فجّر لحظة وعي متأخّرة لدى الشاعر أحدثت توتّراً شعريّاً وبالتالي إحداث تأثير جماليّ وإدهاش ومتعة لدى المتلقّي فتدخله إلى عالم الشاعر الفنّي الذي لا يخلو من تهكّم صبغ أيضاً الومضة الثالثة. فيُظهر سطح العبارة الاستسلام واليأس، ويُضمر روح التحدّي، وتُظهِر الذات المبدعة بوعيها الحادّ انفصالها المؤقت وانتفاضها.

والومضة الثالثة لا تقوم على شعرية الجملة الواحدة بل على شعرية الرؤيا في إطارها البنيويّ «أمام شرفتكعدّني طفل يعدّ أعمدة الطريق.. « فيرتقي الشاعر باللغة مشكلًّا كلمات يرتفع مستواها الدلالي، وحين يتمكّن المتلقي من القبض على جوهر النص تحدث المتعة الفنّيّة.

إنّ الشاعر التياهي يسعى إلى البحث عن فضاء خاص، ومدار للحب، معتمدًا على طرافة التشبيه بين عناصر الصورة (الوقوف المطوّل للعاشق كانتصاب عمود الطّريق أمام شرفة الحبيبة.) فيبدو للمتلقّي أن طرفي الصورة متضادان من جهة الطبيعة ومتشابهان من جهة العمل (الوقوف). يولّد الحيويّة، وقد ركّز الشاعر على العناصر الشعورية والنفسية لهذا التضاد (تحوّل الحيّ إلى شيء معدود لحظة عبث طفوليّ) ليعبّر عن توتّره النفسي الحادّ وليظهِر نقائض الذات في جدلها مع الواقع والحلم، إلى حدّ إثارة الشفقة لدى المتلقّي. لقطة سينمائيّة دراميّة تهتم بتصوير صراع بين نزعتين إنسانيّتين: نزعة الألم والشكوى من قسوة الواقع وشدّة المعاناة من طول الوقوف وانتظار الحبيبة + ونزعة الحلم والرؤيا فلو كان لديه شيء يتمنّاه لتمنّى أن يكون عموداً من أعمدة الطريق حتّى لا يبرح مكانه أمام شرفة الحبيبة: يشكو من كونه كعمود منتصب ينتظر الحبيبة ويتمنّى أن يكون عموداً حتّى لا يكلّ من انتظارها.

فتتخذ الومضة صورتين متقابلتين متضادّتين بين رؤية الواقع ورؤيا الخيال، بين الحرية والقيد، بين البقاء والرحيل. وحين تدرك الذات واقعَها يغمرها شعور بالانفصال والاغتراب.

ومن السمات البارزة في القصيدة الحديثة أنها لا تعبر تعبيرًا مباشرًا عن مضمون محدّد واضح، وإنما تقدّم مضمونها الشعريّ بطريقة إيحائيّة توحي بالمشاعر والأحاسيس والأفكار ولا تحدّدها أو تسميها، ونتيجة هذا، فإنّ القصيدة الحديثة لا تحمل معنى واحدًا متفقًا عليه، ومن الخطأ أن نطلب من كل قصيدة أن يكون لها معنى واقعي وحيد، لأن الشاعر لو كانت لديه فكرة محدّدة واضحة المعالم يريد إيصالها إلى القارئ لما لجأ إلى الشعر أسلوبًا لنقلها، ولآثر عليه النثر الذي هو أكثر قدرة على تحديد المعاني والأفكار وتوضيحها.

ويكون دور المتلقّي فكّ شفرات ذلك. وحين يكتفي الشاعر بالإشارة ليتيح للقارئ العبارة نتحول من الفهم الواحد إلى الفهم المتعدّد ونطيح بديكتاتورية المؤلّف لنؤصل ديمقراطية المتلقي الذي لا يملك من المعاول للتفجير سوى ثقافته وذكائه وذوقه. وتلك هي ميزة الأدب الوجيز. وحال الشاعر الوامض في كتابة الومضة كحال من يحاول إخراج شظايا كبيرة من ثقب صغير. عملية تلزمها مرونة وتدبّر وصبر كبير.

 

* رئيسة صالون الأدب الوجيز في سوسة/ التوأمة مع ملتقى الأدب الوجيز في لبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق