كيف أصبح الإعلام الصهيوني شرطاً لقيام الكيان ٣

في هذا العدد يلقي المؤلف الضوء على الموضوعات الأساسية في الدعاية الصهيونية، التي تقوم على سياسة التحريض وتزوير الوقائع وتبرير عمليات الاغتيال كأنها استباق لعدوان فلسطيني بقصد إعطائها صفة الدفاع عن النفس، إضافة إلى التركيز على «حق» اليهود في فلسطين التاريخية على قاعدة أن العرب هم المحتلون.

يعود المؤلف ليفسر أسباب نجاح الدعاية الصهيونية ويعزوها إلى ثلاثة عناصر:

المنظمات الدعائية وتنوّعها.

توظيف الجماعات اليهودية المنتشرة.

غياب الدعاية العربية.

وفي بداية الفصل الثاني من الكتاب يعرض الكاتب تركيز هرتزل في المؤتمر الصهيوني على موضوع الإعلام كعنصر مصاحب لقيام دولة «إسرائيل» وتقديمها كواحة للديمقراطية في عالم عربي «متخلّف».

الدور الدعائي للإعلام «الإسرائيلي»

إذن للدعاية والإعلام دور مهم في تكوين الرأي العام، لذلك يعتمد السياسيون على الإعلام في تهيئة الرأي العام لتقبٌل السلوك السياسي، وقد عملت الحركة الصهيونية منذ البدء على إقامة كيان صهيوني لليهود، لذلك كانت دعايتهم تقوم على كل السبل التي تؤدي إلى هذا الهدف، وقد ظل هذا الهدف محور الدعاية الصهيونية، تحيط به الأهداف الأخرى مكملة له، وصار هدف الدعاية الصهيونية الأساسي العمل على إقامة الكيان الصهيوني ودعمه سياسياً وعسكرياً واجتماعياً وثقافياً، ولذلك نظمت الدعاية الصهيونية أساليب مدروسة لتناسب عقليات وعواطف الجماعات المختلفة التي وجهت إليها رسالتها الإعلامية، سواء أكان هذا المتلقي يهودياً أو فلسطينياً أو عربياً أو مواطناً في المجتمع العالمي، لقد تفهم الصهاينة تأثير الرأي العام في البلدان الليبرالية وتأثيره في القرار السياسي في هذه البلدان ولهذا فقد جعلوا من الرأي العام شغلهم الشاغل، حيث أغرقوه بالمعلومات التي تبشر بآرائهم وأفكارهم السياسية، حتى أصبحت تلك البلدان حكراً عليهم ومغلقة أمام خصومهم.

وهذا جعل الدعاية الصهيونية من أنجح الدعايات الإعلامية التي تقوم بأكبر عملية غسل أدمغة على المستوى العالمي، يساعدها في ذلك امتلاك اليهود للإمكانيات الاقتصادية والمالية، إضافة إلى معرفة اليهود لأنسب الطرق لمخاطبة العقل الغربي، حيث سهلت عليهم جذورهم الأوروبية أن يحققوا أكبر عملية غسل دماغ بشرية في التاريخ لمصلحة قضيتهم التي عملوا من أجلها، ألا وهي تهويد فلسطين وتغيير معالمها.

لذلك وكما ذكرنا يحتل الجانب الدعائي حيزا مهماً في النشاط الصهيوني الإعلامي الموجه من خلال أجهزة ووسائل الإعلام «الإسرائيلية» ولهذا تجهد الماكينة الصهيونية لبث روح الدعاية وإحيائها في المجتمع «الإسرائيلي» أو التوجه إلى الخارج من خلال امتلاك أكبر عدد ممكن من المؤسسات الإعلامية ووكالات الأنباء الوطنية والعالمية.

ولهذا يتم التركيز على ما يلي:

1 – تخطيط دعائي منظم من جانب وزارة الخارجية «الإسرائيلية»، أعد سابقاً بناء على أسس علمية منظمة، ومن ثم يتم تنفيذها.

2 – استغلال الأقلية التي تربطه بالمجتمع اليهودي «التقاليد التاريخية».

3 – وجود خلفية تاريخية، في المواقف المتميزة ضد البلاد العربية وعدم وجود دعاية عربية مضادة أو «عكسية»، وإذا وجدت فهي ليست على المستوى المطلوب للمواجهة، لأن الوضع العربي الراهن يفتقر إلى استراتيجية موحدة من التماسك الإعلامي والسياسي.

وهكذا فالتوجه السياسي العام للإعلام «الإسرائيلي»، الذي له دوائره الحكومية المختصة ينطلق من مسألتين مهمتين:

الأولى: من خلال النشاط الرسمي المتمثل بوزارة الخارجية حيث تجمع «إسرائيل» في إحدى أقسامها، مهمات وزارة الإعلام.

والثانية في كيفية سيطرة أجهزة الأمن «الإسرائيلية» على الإعلام حيث تشرف إدارة الحرب النفسية بوزارة الدفاع على الإعلام الموجه للمنطقة العربية، وإلى سكان الأراضي الفلسطينية، وعرب 1948 بهدف زرع اليأس في نفس الإنسان العربي وزعزعة ثقته بنفسه وأمته وتاريخه وحاضره ومستقبله، فضلاً عن شن الحرب النفسية المتواصلة ضد العرب، لتحقيق سياسة «إسرائيل» الهدامة في المنطقة.

ببساطة فإن ترتيب الأخبار يتم من خلال فبركة الحقائق وتزييف المعلومات واللعب على الألفاظ لبعض الجمل والعبارات التي تغير المعنى الجوهري للمضمون، لأن الدولة العبرية أصبحت اليوم ذات خبرة عالية وقدرة كافية لها في إدارة المعارك الإعلامية الموجهة.

وإذا رصدنا الوسائل الإعلامية العبرية الموجهة، التي تبثها الدعاية والإعلام «الإسرائيلية» اليوم على قنوات التلفزيون، وعبر أثير الإذاعات، والمواقع الإلكترونية المختلفة، وصفحات الجرائد اليومية، بلغاتها الـ16 التي يتوجه الإعلام العبري به إلى مواطنيه، بالرغم من التركيز الأساسي على اللغات الثلاثة الأساسية: العبرية، والعربية والروسية إضافة إلى الإنكليزية التي تعتمدها إسرائيل كلغة دبلوماسية خارجية في مخاطبة الرأي العام الأميركي والأوروبي والعالمي، أما العربية التي تعتبر الثانية والمتداولة في «إسرائيل» بسبب وجود الأقلية العربية التي تشكل حوالى 20 في المئة من إجمال سكان الدولة العبرية، الموجودة في دولتها المصطنعة، والتي من خلالها تعمد الدعاية «الإسرائيلية» لمخاطبة العالم العربي والإسلامي عموماً والشعب الفلسطيني خصوصاً، كان في الداخل أو مناطق الشتات المختلفة مستغلة بعض العرب العاملين في أجهزتها الإعلامية، إن «إسرائيل» استخدمت البث الموجه بالعربي على الموجة الثانية في التلفزيون «الإسرائيلي ـ العربي» وأثير الإذاعة العربية ـ «الإسرائيلية» الرسمية على الموجة الطويلة وتتحكم بهما أجهزة المخابرات العبرية في بث الإشاعات وفبركة الأخبار، ناهيك عن الدوريات والنشرات اليومية والصحافة المكتوبة والمدونات على الانترنت لتشويه صورة الفلسطيني والعربي بالإمكانيات والمجالات كافة المتاح لهذا الإعلام استخدامها.

سياسة التحريض وتزوير الوقائع

واصلت «إسرائيل» سياسة التحريض وتزوير الحقائق وقلبها منذ تأسيسها، وكانت تشتد الحملات التحريضية مع كل عدوان على الفلسطينيين، ففي اجتياح لبنان عام 1982، نفذت «إسرائيل» حملة تحريضية شعواء، فتناقلت التصريحات العنصرية مثلما نشرت تصريح رئيس الوزراء «الإسرائيلي» آنذاك بيغن حين قال: «إن الفلسطينيين مجرد حيوانات تسير على قدمين».

كما قال رئيس أركانه رفائيل ايتان: «إن الفلسطينيين صراصير مخدرة في قنينة».

كما تناقلت التصريحات العدوانية والعنصرية للمسؤولين إبان انتفاضة الحجارة وانتفاضة الأقصى.

فقد نشرت إحدى الصحف مقالاً لطبيب «إسرائيلي» يدعى موشية روزنبلت، تضمن الدعوة إلى استخدام قنابل ضخمة ضد المدن الفلسطينية التي يخرج منها «المخربون»، لأن من حق «إسرائيل» قصف المدن الفلسطينية، تماماً مثلما فعلت دول الحلفاء ضد ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية.

في المقابل، تظهر في وسائل الإعلام «الإسرائيلية» بين الحين والآخر مصطلحات وتعبيرات، تشير إلى خوف اليهود على مستقبلهم من خلال تشبيه عمليات المقاومة عليهم بما حصل لهم في الماضي في ألمانيا وذلك لربط صورة المقاومة الفلسطينية المشروعة، بالإرهاب النازي المجرم المنبوذ وذلك لإيهام العالم أن ما يتعرض له اليهود «الإسرائيليون» من عمليات إنما هو امتداد لحملة التحريض ضدهم فغالباً ما تقتصر صور الفلسطينيين التي تبث في وسائل الإعلام «الإسرائيلية» المرئية على أولئك الشبان الذين يعدون الزجاجات الحارقة، وآخرين يرشقون الحجارة على جنود «إسرائيليين»، وآخرين يحملون الأعلام العراقية ورايات حزب الله، ويحرقون العلمين «الإسرائيلي» والأميركي.

الدفاع عن سياسة «الاغتيال الإسرائيلي»

بعد أن شرّعت المحكمة العليا «الإسرائيلية» في أكثر من مرة، سياسة اغتيال نشطاء فلسطينيين انبرى الإعلام «الإسرائيلي» للدفاع عن هذه السياسة، من خلال استخدام مصطلحات ملطفة للتمويه على بشاعة الحدث، مثل: القتل المستهدف، الدفاع الإيجابي، التصفية الموضعية، ضربات مختارة وهاجمت وسائل الإعلام «الإسرائيلية» والخارجية «الإسرائيلية» الإعلام الغربي لاستخدامه مصطلح «اغتيال فلسطينيين»، وطالبت إسرائيل وبشدة الإعلام الغربي مثل «بي بي سي» بعدم استخدام هذا المصطلح، بحجة أن هدف هذه الاغتيالات هو منع أعمال عسكرية ضد «الإسرائيليين». كما عمدت إلى الدفاع عن الاغتيالات بإلصاق التهم كافة بالفلسطيني الذي تم اغتياله، وبالادعاء بأن الاغتيال كان حماية لأرواح مئات «الإسرائيليين»! فعند اغتيال الشهيد هاني أبو بكرة عام 2000 بخان يونس بررت الرواية «الإسرائيلية» ذلك مدعية أن جيش الاحتلال أطلق النار على سيارة أجرة فلسطينية بعد أن حاول مواطن إشهار مسدسه وعند اغتيال الشهيد ثابت ثابت كانت الرواية كما يأتي: «وقع اشتباك مع فلسطينيين مسلحين نتج منه مقتل أحدهم».

وتم التسويق لعمليات الاغتيال على الصعيد الداخلي «الإسرائيلي»، بتصويرها وكأنها عمليات بطولية يخاطر فيها جنود الاحتلال بحياتهم من أجل منع الإرهاب وعمليات قتل أطفال «الإسرائيليين».

وهناك أكثر من شاهد، على حذف الرواية الفلسطينية للأحداث، وفق سياسة منهجية للإعلام «الإسرائيلي» تتطابق والاعتبارات الأمنية العنصرية مثل:

– بعد أن يهاجم المستوطنون الفلسطينيين ومحلاتهم وبيوتهم في الخليل تبرر السياسة الإعلامية الحدث كالآتي: «وقوع مشادات واحتجاجات بين المستوطنين والفلسطينيين»، من دون الإشارة إلى سبب رد فعل الفلسطينيين، فهو دائماً بسبب اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم.

– وفي أعياد الميلاد المجيدة عام 2000، صور الإعلام «الإسرائيلي» المحلات وهي إما مغلقة أو خالية من السياح، بإشارة غير مباشرة إلى أن سبب ذلك هو أعمال الفلسطينيين العدوانية.

– وتورد وسائل الإعلام مثلاً خبر أن سلطات الاحتلال منحت تصاريح الدخول للآلاف من العرب والأجانب لدخول المدينة من دون الإشارة إلى الطوق الأمني والحواجز العسكرية التي كانت تمنع هؤلاء من دخول المدينة المقدسة.

– وفي موضوع إلقاء المسؤولية على الضحية، حين يقوم الاحتلال بأعمال غاية في الوحشية فقد أجرت المذيعة «الإسرائيلية» جيئولا ايفن، لقاء مع أمين سر حركة فتح بالضفة حسين الشيخ، وعرضت عليه صورة لزوجة مستوطن قتله الفلسطينيون، وسألته: ماذا تتحدث عن هذا المشهد؟ وهي بهذا تريد أن تحول حسين الشيخ الضحية إلى مجرم مسؤول عن مأساة المرأة والعائلة!

– كما أصدر مدير عام سلطة البث قراراً باستخدام مصطلح «قواتنا» بالإشارة إلى جنود الاحتلال العاملين في الضفة وغزة مثل: «لم يصب أحد من قواتنا اليوم»، أو «قواتنا أطلقت النار على المتظاهرين في جنين».

وفي الانتفاضة الثانية، عبر الإعلاميون «الإسرائيليون» عن عدائهم الصارخ للفلسطينيين وانسجامهم مع فكرهم الصهيوني العنصري، حيث كان من تصريحاتهم: «هذا ما حذرناكم منه… العرب لا يفهمون إلا لغة القوة». وقد ظهر العداء واضحاً حين دعا المحلل العسكري رون بن يشاي – بعاطفة جياشة- الجيش «الإسرائيلي» للقيام بهجمات واستخدام مختلف أنواع الأسلحة ضد الفلسطينيين وقال: «يجب أن نفهم عرفات ونظامه أنهم أعداؤنا، وأننا سنضربهم بشكل منتظم ودقيق حتى يطلبوا وقف إطلاق النار».

الدعاية الصهيونية وتوجهاتها

تقوم إحدى دعامات الدعاية الصهيونية على فكرة أن «إسرائيل» نشأت من رحم حركة تحرر ضد الاستعمار البريطاني باستعمال النضال السلمي أولاً ثم باتباع الكفاح المسلح. ومن حركة في خدمة المصالح الاستعمارية تحولت الصهيونية فجأة إلى حركة تحرر للشعب اليهودي من العسف الاستعماري البريطاني، ورمزاً لكفاح «الشعوب المحبة للحرية». في خضم حركة التحرر من الاستعمار كان بيع هذه الصورة عملية مربحة ومضمونة، وقرار التقسيم كان بمنطق الصهيونية مناقضاً لمبدأ «حق الشعوب في تقرير مصيرها».

وهناك فكرة شديدة الرسوخ في منظومة الدعاية الصهيونية، وهي أنه لا يمكن أحياناً تلافي «الخسائر» التي يوقعها «جيش الدفاع» بأعداء «إسرائيل»، وأنه يجب التعود على القبول بهذه الخسائر. يتفهم الغرب كثيراً ذلك، وهو ما يفسر إلى حد ما أن آلة الدعاية الإسرائيلية لا تقوم بجهد كبير لإخفاء الخسائر التي يوقعها «جيش يهوه» بخصومه، بل تستعمل تلك الخسائر لتأكيد «سمو الهدف» الذي تسعى لتحقيقه إسرائيل، وترسخ فكرة اللعنة التي تحيق دائماً بمن يتصدى لها، وباستمرار، كان الأعداء يعطون المبررات لتلك الحروب، لذلك فإنهم هم من يتحمل أخلاقياً وزر مآسيهم، أما «إسرائيل»، فهي لا تملك سوى أن تدافع. لذلك فإن جيشها هو الوحيد في العالم الذي يحمل اسم «جيش الدفاع»، مع ذلك فإن العرب كانوا يعطون المبرر الكافي لـ«إسرائيل» كي تحقق بالقوة، وبالاستناد إلى تعاطف لا يكل من جانب الرأي العام الدولي وخصوصاً الغربي، ما كانت تحتاج إليه لإقامة مشروعها وتوسيع نطاقه، في 1948 ثم في 1967.

أسباب نجاح الدعاية الصهيونية

ويرجع بعض الكتاب نجاح الدعاية الصهيونية لا سيما في الغرب إلى عناصر عدة هي:

1 – تعدد المنظمات الدعائية وتنوعها وضخامة عددها واعتمادها التخطيط العلمي.

2 – تقوم الدعاية الصهيونية بتوظيف أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب، فهم يشكلون جزءاً عضوياً داخل الجسد الغربي على رغم استقلاله النسبي. ومن ثم تبدو الدعاية الصهيونية كما لو أنها ليست وجهة نظر دولة أجنبية وإنما تعبير عن مصالح أقلية قومية.

3 – غياب الدعاية العربية وفجاجتها في كثير من الأحيان.

ولكن السبب الحقيقي والأول لنجاح هذه الدعاية هو التركيز على أن «إسرائيل» دولة وظيفية أسسها التشكيل الحضاري والإمبريالي الغربي لتقوم على خدمته، ولذا فهي تحظى بكثير من التعاطف لأن بقاءها كقاعدة للاستعمار الغربي جزء من الاستراتيجية العسكرية والسياسية والحضارية للعالم الغربي.

ويرى بعض الباحثين أن الدعاية الصهيونية سعت منذ بداية القرن الحالي إلى احتلال بعض النواحي المهمة في مجالات الفنون التشكيلية فسيطرت العناصر الصهيونية على أهم دور النشر والمطبوعات الفنية الأوروبية والأميركية. وأخذت تؤلف في تاريخ الفن لتقوم الفنون عموماً على أسس تخدم القضية الصهيونية فيما يشبه الأسلوب الفلسفي أو العلمي في سرد وتفهم الأسس التي قامت عليها الحركات الفنية. بل ربما حرفت بعض مفاهيم الفن لخدمة أغراضها.

وتعمل أجهزة وأدوات الإعلام «الإسرائيلي» الداخلية والخارجية في تنسيق يكاد يكون كاملاً نتيجة وضوح استراتيجية هذا الإعلام.

لكن ورغم ضخامة المجهود الإعلامي «الإسرائيلي» بصورة لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، ورغم أنه يعد من أكثر الأنواع دهاء ومكراً وذكاء… برغم هذا كله فإن «إسرائيل» دولة صهيونية وقاعدة الإعلام الصهيونية هي من الدول القليلة في العالم التي لا توجد فيها وزارة إعلام، ولكن عدم وجود وزارة إعلام «إسرائيلية» لا يعني أن الأمور تجري بشكل عشوائي فهناك بيت اغرون وهي دائرة إعلام حكومية، وكذلك رابطة الصحافيين وهي احدى حلقات تنظيم العلاقة بين الصحف والسلطة، كما أن لكل وزارة ودائرة ناطقاً رسمياً له أوصافه ومهامه، وله مساعدون عدة لصياغة ردود الفعل.

وقد قام الباحث سليمان خير الله بدراسة تناولت «سمات الإعلام الموجه باللغة العربية وفلسفته وأغراضه» بعد أن استمع الباحث لفترات إلى إذاعة «إسرائيل» لتحليل المادة المذاعة وقد سعى الباحث إلى دراسة ثلاثة عناصر أساسية في موضوعه هي:

طبيعة الأخبار الصهيونية، الجمهور المستهدف بالأخبار الصهيونية والسبل الممكنة لمواجهة هذه الأخبار، ويقول سليمان خير الله في بحثه هذا: «لقد نجحت إذاعة «إسرائيل» مع الأسف من خلال الطريقة «الانتقائية» التي تعرض بها أخبارها العربية عما يجري داخل «إسرائيل» إلى أن تبني لنفسها هالة ليست من المصداقية وأرخت للمستمع العربي العنان لكي يصبغ هذه الصفة على كل ما يذاع منها من أخبار أو تعليقات على الشعب العربي».

من هنا نجد أن عملية الدمج الكلي للإعلام بالسياسة الخارجية والعسكرية للكيان الصهيوني في ظل الدعم الغربي إعلامياً وسياسياً ومادياً وعسكرياً تحاول أن تبث في نفوس العرب اليأس والإحباط للتخلي عن المقاومة التي هي الطريق الوحيدة لاستعادة الحقوق المغتصبة وهذا ما قاله رئيس الوزراء «الإسرائيلي» الأسبق إسحاق رابين: «إن السياسة الإعلامية والدبلوماسية «الإسرائيلية» يجب أن تنطلق من أن «إسرائيل» قد أصبحت حقيقة ثابتة في المنطقة العربية وأن مهمتها تتجسد في مواجهة العرب بتلك الحقيقة على الصعيد العالمي، وتوضيح مقدار عجز العرب عن تغيير هذه الحقيقة المؤكدة التي يجب أن يقروا بها ويتصرفوا على ضوئها».

الإعلام والدعاية في الاستراتيجية الصهيونية

يشكل الإعلام حجر الزاوية في الاستراتيجية الصهيونية منذ قيام الحركة الصهيونية على يد الصحافي اليهودي «تيودور هرتزل» الذي استطاع عقد المؤتمر الصهيوني الأول في 1897 في مدينة بال بسويسرا حيث جاء في البند الثالث من مقرراته: ضرورة العمل على نشر الروح والوعي بين يهود العالم وتعزيزهما لديهم من أجل دفعهم للهجرة إلى فلسطين . حيث قال هرتزل في افتتاحية العدد الأول من أسبوعية الحركة الصهيونية: «دي وولت»، بتاريخ 3/6/1897: «يجب على هذه الصحيفة أن تكون درعاً للشعب اليهودي، وسلاحاً ضد أعداء الشعب».

وكانت المسؤولية الأولى لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي تقع على عاتق الإعلام الذي قدم خدمات كبيرة للغاية للمشروع الصهيوني وهدفه في إقامة «إسرائيل»، ومنذ ذلك الوقت والإعلام يشكل حجر الزاوية في الاستراتيجية الصهيونية التي أخذت بعداً آخر بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948، حينما اندمج الإعلام بشكل كامل ومطلق بالسياسة الخارجية «الإسرائيلية» التي كان هدفها الرئيسي توسيع الكيان الصهيوني على حساب العرب، وتكريسه حقيقة واقعة في ظل الإمكانات الضخمة لرعايتها من قبل الغرب، وفي مقدمه الولايات المتحدة الأميركية.

ويدرك الكيان الصهيوني أن مصيره يتوقف بدرجة كبيرة على دعم العالم الغربي له، ولما كان الاعتراف الدولي وحده لا يضمن وجوده في الخارج، فقد أخذ يبحث عن ضمان آخر، وانتهى به البحث إلى ضرورة خلق إحساس لدى الرأي العام الغربي بأن مصالحه آمنة وتقدمه يرتبط بحد كبير ببقاء الكيان الصهيوني والمحافظة عليه، من خلال الإعلام وقد نجح الكيان الصهيوني في مسعاه هذا كثيراً عندما تمكن من خلق هذا الانطباع لدى الغرب مستغلاً الإمكانيات الهائلة التي بين يديه، متمكناً خلالها من تحقيق أهداف السيطرة والهيمنة وفرضها على العقل الأوروبي، وتأتي في مقدمة تلك الإمكانيات وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة المملوكة من قبل إمبراطوريات إعلامية مترامية الأطراف ذات انتشار واسع، ولهذا الكيان نفوذ كبير عليها عمل على استغلاله خير استغلال لكي تقوم بتقديم الصورة المطلوبة عنه وتقلب الحقائق بما يتساوق مع توجهاته وأهدافه، حيث يتم تصوير ممارسات القوات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل إلا من إرادة المقاومة على أنها تندرج تحت إطار الدفاع عن النفس لا تحت إطار العدوان.

لقد تمكن الإعلام الصهيوني ولفترة طويلة من الزمن من لعب دور أساسي في عملية تحشيد الرأي العام، وخصوصاً في الغرب، خلف المخططات الصهيونية، عن طريق تزييف الحقائق بالادعاء أن «إسرائيل» تشكل واحة للديمقراطية في المنطقة، ولذلك فإن ضمان تفوقها مسؤولية غربية لأنها هي القادرة على الدفاع عن المصالح الغربية، وهذا ما كان هرتزل قد أكده عندما قال: «إن الدولة اليهودية ستكون حائطاً يحمي أوروبا في آسيا وسوف يكون حصناً منيعاً للحضارة في وجه الهمجية»، ويقول حاييم وايزمان أول رئيس للكيان الصهيوني: «إن القضية الصهيونية هي قتال الحضارة ضد الصحراء وكفاح التقدم والفاعلية والصحة والتعليم ضد الجمود الفكري».

لقد عمل قادة الحركة الصهيونية قبيل تأسيس «إسرائيل» عام 1948، وعلى المستويات كافة التي تمكنهم من القيام بوظيفة الدولة، وكان الإعلام أحد أهم هذه المستويات. وفي هذا المجال يقول بن غوريون: «لقد أقام الإعلام دولتنا واستطاع أن يتحرك للحصول على مشروعيتها الدولية…».

وقد نشطت خلال تلك الفترة «إذاعة إسرائيل»، وأربع عشرة صحيفة صهيونية منها أربع صحف ناطقة بالعربية، وموجهة للفلسطينيين والغرب لتخدم أغراضا صهيونية، ومن أشهر هذه الصحف صحيفة «هآرتس» و»يديعوت أحرونوت» و«معاريف» و«دافار» أما الصحف الناطقة بالعربية فهي: «بريد السلام»، و»صحيفة السلام»، و»اتحاد العمال»، و»حقيقة الأمر». وكانت أهداف كل تلك الوسائل في الدعاية والإعلام هي تثبيت أقدام الصهاينة وترويع وتخويف العرب الفلسطينيين كذلك الدعاية من أجل الترويج للهجرة الصهيونية إلى فلسطين. يسعى الإعلام «الإسرائيلي»، منذ اغتصاب فلسطين العربية إلى توظيف كل وسائله المقروءة والمسموعة والمرئية، وتسخيرها لخدمة أهداف المشروع الصهيوني، بتأكيد أن فلسطين أرض يهودية محررة، وليست أرضاً فلسطينية محتلة، وأن «إسرائيل» الحالية هي تكرار لـ«إسرائيل» القديمة، وأن تاريخ فلسطين يبدأ بمملكة داود، في القرن العاشر قبل الميلاد، وينتهي بـ«إسرائيل» الجديدة التي تمثل بعثاً لـ«إسرائيل» القديمة، وإحياء لها.

وعمل الإعلام الصهيوني على ترسيخ مقولة رئيسية مفادها أنه ليس للغرب في هذه المنطقة أفضل من الغرب نفسه، كما يتمثل ذلك في «إسرائيل» التي اعتمدت منذ البداية على الدول الغربية الاستعمارية والدفاع عن مصالحها وهذا ما أكده الأكاديمي جورج رودر حيث قال: «إن بقاء «إسرائيل» كقوة غربية رادعة يعتبر مسألة بالغة الأهمية للدفاع عن أوروبا وعلى المدى الطويل عن أمن الولايات المتحدة الأميركية وهي مستعدة وراغبة في مشاركتنا أهدافنا الدفاعية والغرب مطالب بالدفاع عنها في وجه التهديدات التي تأتيها من الدول العربية التي تستهدفها وتحاول القضاء عليها.

وقد سيطرت الأجهزة الأمنية «الإسرائيلية» على السياسة الإعلامية، كون «إسرائيل» بمكوناتها كافة كانت وما زالت تنظر للعلاقة مع الفلسطينيين والعرب عموماً من منظار أمني بحت، وقد ثبت أن «إسرائيل» تدير أمورها عبر ثلاثة آفاق: عسكري وسياسي وإعلامي.

يقول الباحث الفرنسي دونيس سيفير في كتابه «الحرب الإعلامية «الإسرائيلية» الجديدة»: في الحرب، يجب أن يكون ثمة إعلام كامل يؤدي الدور ذاته الذي تؤديه البندقية والطائرة النفاثة والقنابل التي تسقط آلياً على الضحايا، لأن الحرب سوف تكون مخططاً مدروساً يجب التحكم من خلاله والذي يرتبط في ما بعد بالعامل النفسي للصهاينة ومن ثم المجتمع الدولي الذي لا يجب أن يرى الحرب كما هي حقيقة بل كما يبثها له الإعلام الصهيوني فقط أي حرب «نظيفة» لا يموت فيها سوى الإرهابيين».

ويوضح سيفير الدور الخبيث لهذا الإعلام وكيف أنه يعتمد على مبدأ «اكذب حتى يصدقوك» والذي بكل أسف ـ كما يقول الكاتب ـ انحازت إليه دوائر إعلامية غربية كثيرة صدقت الخبث الصهيوني القائل إنه يدافع عن نفسه من الإرهاب والذي أيدته في حربه هذه كل الوسائل الإعلامية وغير الإعلامية الأميركية التي بدورها تخوض اللعبة القذرة نفسها في كل من العراق وأفغانستان وأصبح الإعلام الجديد يدافع عن المجرمين على حساب الضحايا متناسياً أن صورة الضحايا أخطر وأكبر.

ويقول البرفسور الأميركي هودين في كتابه «سياسة التحكم»: «إن التحكم بعقول الناس هو خداعهم بشكل منظم جيداً». ويضيف: «كلما زاد اطلاع الناس، كلما صعب التحكم في وعيهم، لذلك يبثون ما هو بديل من الأخبار الفعلية كالأخبار الناقصة غير الموثقة والمحرفة، عبر مثلاً شهود العيان والمراسلين الخاصين، والمدونين وغيرهم، وبقدر غياب الحقيقة يمكن التحايل على الوعي. ويلجؤون إلى الغش ـ وفبركة الوثائق لتصبح مزورة ويتم استخدام المونتاج في الصورة حيث يدخل عليها عنصر التزوير، وكذلك التركيز على أحداث هامشية مثيرة لتحويل الاهتمام عما هو رئيسي في الحدث، وأحياناً يتم افتعال أحداث ليست ذات قيمة وتصويرها وكأنها فائقة الأهمية».

فالإعلام الصهيوني يحوّل الضحية إلى جلاد والعكس صحيح، وثمة أسلوب خطير وهو تضخيم الحدث والأرقام أكثر بكثير مما هو واقع، المهم البحث عن صياغة للخبر ليصبح جذاباً ومثيراً، ولو كان ملفقاً حتى يتفق مع واضعي السياسة الإعلامية مسبقاً.

يقول أحد المفكرين: «في مجال الظواهر الاجتماعية والأحداث الكبرى، لا يوجد مثال أكثر انتشاراً وأكثر نفاقاً من إبراز بعض جوانب الواقع وإخفاء الجوانب الأخرى، هذا لعب في الأمثلة من الضروري ليس انتقاء بعض الحقائق بل جميع جوانب الظاهرة وربطها مع بعضها البعض، ومن دون ذلك سيظهر حتماً الشك في المصداقية، والانتقاء المتعمد لبعض الجوانب هدفه تشويه الحقيقة».

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق