أولى

«مركب الموت» في لبنان: عِبر واستغلال…

 العميد د. أمين محمد حطيط*

من الكوارث الوطنية أن يجد المواطن نفسه أمام خيارين أحدهما الموت على أرض وطنه جوعاً وفاقة أو الموت في رحلة البحث عن مكان يجد فيه لقمة العيش أو فرصة العمل لتأمين هذه اللقمة، ونحن في لبنان وصلنا وللأسف الشديد الى مواجهة هذه المعادلة ذات الخيارات بين الموت والموت مع تمايز بطريقة الموت ووسيلته.

أما الأسوأ في القضية فهو أن تجد مَن ينبري لاستغلال المآسي والكوارث من أجل تحقيق مصلحة له في تراب القبور أو يستثمر قبور الضحايا لدفن مصالح خصومه وأحلامهم. وهذا أيضاً ما نجده في لبنان وللأسف في ما نسمع ونقرأ من مواقف هذه الجهة السياسية او تلك التي لا يهمّها معالجة المصيبة بل تسعى لإحداث ضرر تنزله بخصم او منافس.

ففي فاجعة الزورق الذي استقام التوصيف له بأنه «مركب الموت» فإنّ هناك رزمة من الأخطاء التي تضافرت حتى أنتجت الكارثة، أخطاء يصل بعضها الى مصاف الخطايا الجسيمة والأفعال الجرمية الجنائية، حيث تبدأ تلك الخطايا بسلوك الدولة والنافذين فيها حيال المجتمع الذي يشكل شعبها ما يحرم هذا الشعب بأفراده من لقمة العيش والقدرة على الاستشفاء او تأمين مقعد دراسي او حتى كوخ يؤوي العائلة، تقصير يسقط العنوان الأساس للدولة المتمثل بالقول بأنها «الدولة الرحمن» التي تسهر على شعبها وراحته، ونجد انّ العكس هو ما يحصل حيث انّ الدولة القائمة ومنذ عقود، امتهن من تولى المسؤولية فيها سرقة الشعب وعاث في الأرض فساداً سرق أو هدر عبره خيرات الوطن وطاقته ومنع أصحاب الحقوق من الوصول الى حقوقهم بأيّ قدر ونزر.

وإلى فشل من تولى الأحكام في لبنان في إقامة «الدولة الرحمن» نجد أيضاً فشلاً يواكبه في إقامة «الدولة الشرطي» او «الدولة الحارس» التي إذا انتفت فعاليتها انقلب المجتمع الى غاب لا يأمن الفرد على نفسه فيه ولا يجد أيضاً ما يشده اليه او يغريه بالبقاء فيه. وهذا وللأسف حال اللبناني الذي بات لا يجد في وطنه ما يحفزه على البقاء، ما جعل اللبنانيين يتقاطرون الى مراكز الأمن العام لتنظيم جواز سفر والى سفارات الدول الأجنبية للحصول على تأشيرة سفر الى بلدانها، حركة شكلت ضغطاً الى الحدّ الذي استحال على الأمن العام تلبية كلّ طلبات كالمعتاد ورفضت السفارات منح تأشيرات للقسم الأكبر من طالبيها، ما عرقل الهجرة الشرعية وأجبر أصحاب الإلحاح والأوضاع المعيشية الصعبة على التفكير بالهجرة غير الشرعية.

وفي الهجرة غير الشرعية تكمن عناصر إنتاج المأساة الأخيرة التي نزلت بلبنان وأدّت إلى موت أكثر من عشرين من الأفراد بين طفل ورجل وامرأة ضاقت بهم سبل العيش فلجأوا الى عصابات تهريب الأشخاص والهجرة غير القانونية لنقلهم من البر اللبنانيّ، حيث لا أمل بالحياة الى برّ أجنبي يطمع في أن يمنحهم مثل هذا الأمل، اما الوسيلة فقد تمّ اختيارها وللأسف من بين المراكب القديمة المتهالكة التي لا يشكل فقدانها أو غرقها خسارة فادحة لمالكها في أمواله، اما أرواح البشر ومصيرهم في الرحلة وما بعدها فإنها لا تعنيه حيث الهمّ لدى عصابات التهريب تلك ما يجمعون من أموال مقابل خدمة التهريب غير المشروع ذاك.

وفي هذا الموضوع بالذات تبدأ فئة أخرى من رزمة مسؤوليات «الدولة الشرطي»، حيث عليها ملاحقة مثل هذه العصابات وشبكات التهريب ومنعها من استدراج الناس الى قوارب الموت، ثم يكون عليها مراقبة شواطئها حتى لا تُستعمل في تنفيذ خطط التهريب غير المشروع ذاك، وعليها أن تراقب مياهها الإقليمية حتى لا تعبر فيها مراكب الموت تلك. نعم هي سلسلة من الأفعال والمهام يقتضي القيام بها لمنع تشكل عناصر المأساة من قبيل ما حصل على شاطئ لبنان الشمالي في ٢٣ نيسان الحالي حيث ارتطم المركب الذي يبحر بشكل غير قانوني وغير نظامي وعلى متنه ما يزيد عن ٧٠ شخصاً بمركب للجيش اللبناني كان يقوم بحراسة الشاطئ لمنع الحركة غير القانونية منه وإليه، ارتطام أدّى الى غرق المركب غير النظامي بمن فيه، وكاد الأمر يتسبّب بموت جميع من كان فيه لولا سرعة تدخل الجيش وتقديمه وسائل الإنقاذ، حيث تمكن من إنقاذ ما يصل الى ٤٧ من الركاب.

ومن أسف شديد، وكما هي العادة في لبنان، بدأت عملية الاستغلال في الحادث الجلل وراح المزايدون ينشرون اتهاماتهم وأقاويلهم يمنة ويسرى للنيل من خصومهم، ونسوا أنهم في فترات توليهم المسؤولية في الحكم ساهموا بشكل او بآخر في إنتاج المأساة وأسبابها وبيئتها. وتوجّه كلّ فريق الى من يراه خصماً له او منافساً او مزاحماً له في مسعى او مسار من أجل تحميله المسؤولية وإزاحته من طريقه.

والأسوأ في كلّ ما سمعنا هو محاولة البعض لاتهام الجيش اللبناني بالتقصير او تحميله بعضاً من مسؤولية الكارثة، سلوك لا يمكن ان يقبله مواطن شريف، ومع هذا التجرّؤ على الجيش ومع حرصنا على حقوق مَن كان على متن المركب ومن أجل الحق والحقيقة نجد انه من الواجب وبشكل فوري الإسراع من غير تسرعّ بإجراء تحقيق قضائي شفاف وموضوعي لكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات والمسؤولين عن الكارثة لمنع أيّة نزعة أو ميل يرمي للاستغلال الرخيص للحادث، اما العلاج الأساسيّ فينبغي أن يكون متوجّهاً لمعالجة أصل المشكلة والقيام بإصلاحات تنقذ الدولة من فساد الحكام وتعيد الأموال المسروقة الى المواطنين.

بيد أننا نخشى وبكلّ جدية أن يتخذ ما حصل وما استتبعه من ردود فعل شعبية بريئة أو مخططة، ذريعة للإطاحة بالانتخابات النيابية المقرّرة بعد أقلّ من ٣ أسابيع، نعم اننا نخشى أن يجد من بات متأكداً من خسارة الانتخابات تلك وبات خائفاً من تسفيه أحلامه في الحصول على مواقع متقدمة فيها او أكثريات معتبرة بنتيجتها، أن يقدم هو ومن وراءه للسعي بـ «فورة شعبية» تؤدي الى الإخلال بالأمن وفقدان سيطرة الدولة على الأرض ما يبرّر صرف النظر عن إجراء الانتخابات في موعدها وإدخال لبنان في المجهول.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى