أولى

ما السبيل إلى كسر حلقة مناورات الترسيم البحريّ المفرغة؟

العميد د. أمين محمد حطيط*

كما كنا نردّد دائماً نكرّر اليوم بأنّ ترسيم الحدود البحرية للمنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة شكل ملفاً قلّ نظيره من حيث ما حفل به من أخطاء وتخبّط وارتباك على الصعيد اللبناني، سلوك كان الأسوأ فيه انتقال لبنان في تداول هذا الملف من دائرة الحقّ الذي يحدّده القانون وتحميه القوة القانونية والميدانية المتنوعة، الى دائرة المصلحة المظنونة التي ترسم أطرها السياسة والعلاقات مع أميركا وذهنية الممكن.

وبين الحق المتخلّى عن أسسه، والمصلحة المظنونة المتمسك بخيوط أوهامها سجل سيل من التنازلات من قبل المفاوض اللبناني في مقابل مزيد من التشدّد والابتزاز من قبل «إسرائيل»، تنازل وتشدّد، تنازل لحظ في المرسوم ٦٤٣٣ / ٢٠١١ الذي اعتمدته حكومة نجيب ميقاتي دون أيّ حجة او مسوغ قانوني يستند إليه ثم كان خلو اتفاق الإطار الذي توصل اليه الرئيس نبيه بري مع الوسيط اللبناني، خلوّه من أيّ إشارة الي قانون البحار واتفاقية «بوليه نيوكمب» التي ترسم الحدود بين لبنان وفلسطين، واتفاقية الهدنة التي تؤكد على خط الحدود المكرّس بهذه الاتفاقية، ثم كان الإذعان اللبناني للسلوك الأميركي «الإسرائيلي» عندما انسحب الطرفان من مفاوضات الناقورة غير المباشرة، وأطاحا باتفاقية الإطار التي افتتحت المفاوضات غير المباشرة في الناقورة على أساسها فأذعن لبنان لانسحابهم وارتضى بديلاً تفاوضياً يتمثل بالوساطة المكوكية التي يقوم بها الأميركي بين لبنان و»إسرائيل»، وساطة احتاط الأميركي و»الإسرائيلي» لها فامتنعا عن تقديم أيّ عرض او جواب خطي فيها واقتصر الأمر على عروض وإجابات وردود شفهية ملتبسة لا يمكن ان تشكل موقفاً حاسماً يُبنى عليه.

لقد تمكنت «إسرائيل» حتى الآن من حصاد الكثير من المكاسب التي تحقق لها مصالح لا يتيحها القانون بأيّ حال وفي المقابل خسر لبنان الكثير من أوراق قوّته التي كان استعمالها سيفضي بكلّ تأكيد إلى تحديد حقوقه وصيانتها بما يضمنه القانون والأعراف والاجتهاد القضائي الدولي، وفي هذا المجال خسر لبنان فرصة التمسك بالخط ٢٩، وفاوض على الخط ٢٣ ومنح «إسرائيل» فرصة ذهبية بإخراج حقل كاريش وكامل المنطقة بين خط ٢٣ و٢٩، إخراجهما من دائرة النزاع وأسقط لبنان بذلك عملياً مفاعيل الرسالة الهامة جداً التي أودعها الأمم المتحدة وعمّمت بتاريخ 2/2/2022، واعتبر فيها حقل كاريش وكامل المنطقة شمال الخط ٢٩ منطقة نزاع لا يحق لأيّ من الطرفين العمل فيها قبل بتّ النزاع حولها، تنازلات تضاف الى ما أشرنا اليه من خلو اتفاقية الإطار من الإشارة الى المرجعيات القانونية والحقوقية التي يجب ان يستند الترسيم إليها.

ورغم هذا السيل من التنازل تستمرّ «إسرائيل» على عادتها بعملية القضم وتطالب بالمزيد، لا بل تتصرف كعادتها أيضاً على أساس انّ أيّ إقرار من قبلها للبنان بجزء او شيء من حقه، يعتبر تنازلاً مؤلماً لا تستطيع القيام به، وتدّعي أنها في موقف حرج قبل الانتخابات النيابية لا يمكن لحكومة انتقالية يخوض معظم مكوناتها الانتخابات، لا يمكنها المجازفة بـ «التنازل» خشية أن يرتدّ عليها ذلك سلباً في الانتخابات.

وعليه نرى انّ اميركا و»إسرائيل» السعيدتين في تقليب الملف على أساس نظرية «خذ وطالب» ليستا في وارد الاستعجال للدخول في اتفاق بحريّ مع لبنان في هذه المرحلة بالذات، وهما تراوغان مع اعتماد سياسة التخدير وتجدان في لبنان من يستجيب لأمصال التخدير الأميركي ـ «الإسرائيلي» إما خوفاً من اميركا وإما تقاطع مصالح معها وإما سذاجة وسطحية او عملاً بمنطق الممكن كما يزعمون، حيث نرى انّ اميركا و»إسرائيل» وبعض الداخل اللبناني لا يرون مصلحة لهم في الترسيم الآن للأسباب التالية:

ـ يتناقض الحلّ اليوم في مفاعيله الاقتصادية مع سياسة الحرب والحصار الاقتصادي الذي تمارسه أميركا ضدّ لبنان، هذه الحرب التي استهدفت المقاومة ولم تحقق أهدافها على صعيد المقاومة، وكان الشعب اللبناني بكلّ طوائفه وشرائحه هو الضحية أما المقاومة بذاتها فقد بقيت الى حدّ بعيد بمنأى عن المفاعيل السلبية لتلك الحرب وأكبر دليل على ذلك ما تمخضت عنه الانتخابات النيابية الأخيرة التي صنفت فيها المقاومة الرابح الأكبر، وانّ حلّ مشكلة الترسيم وفتح الباب أمام عمليات التنقيب والاستخراج سيشكل رافعة للاقتصاد اللبناني ليست أميركا اليوم جاهزة للقبول بها.

ـ يتناقض الحلّ وإجراء الترسيم اليوم وخلال ما تبقى من ولاية العماد ميشال عون في رئاسة الجمهورية مع السياسة المعلنة والمعتمدة من قبل بعض الداخل والخارج لجهة إظهار عهد عون عهداً خالياً من أيّ إنجاز وطني. والتأكيد على انّ الفشل هو سمة هذا العهد، وكما انّ اللبنانيين حرموا من الكهرباء ومن أموالهم وألصق الأمر بفشل سياسة التيار الوطني فإنهم سيُحرمون من الغاز والنفط حتى لا يُعطى العماد عون فرصة تسجيل حلّ الترسيم باسمه.

ـ إنّ النجاح في الوصول الى حلّ يجري الترسيم بمقتضاه لحفظ ما تبقى من مصالح لبنانية بعد سيل التنازلات التي قامت بها الدولة، إنّ هذا النجاح سيسجل في خانة المقاومة التي تملك الآن ورقة القوة الوحيدة التي يستطيع لبنان المواجهة بها الأمر الذي يتناقض مع سياسة بعض الداخل والخارج الرامية لإظهار المقاومة عنصراً سلبياً في لبنان يهدر حقوقه ومصالحه وليس العكس، ولذلك ستتجنّب هذه القوى الدخول في أيّ حلّ يفسّر بأنّ المقاومة هي من نجح في فرضه وانتزاع الحقوق اللبنانية وحمايتها.

ـ يراهن بعض مَن في الداخل والخارج على حقبة ما بعد 31/10/2022 ودخول لبنان في فراغ رئاسي سيملؤه نجيب ميقاتي بحكومته ويمارس فيه الحكم بشبه أحادية لا يواجهه فيها أحد مستعيداً أسلوب السنيورة في إدارة البلاد في ظلّ خلو سدة الرئاسة، والكلّ يعلم مدى مصلحة ميقاتي في استرضاء الخارج حفاظاً على مصالحه وأمواله.

لكلّ هذه الأسباب ولخلفيات أخرى نقتصد في ذكرها، فإننا نستبعد ان تحلّ مسألة ترسيم الحدود البحرية خلال الـ ٦٧ يوماً المتبقية من ولاية الرئيس عون ونتوقع ان تستمرّ المماطلة والتسويف الأميركي والإسرائيليفي هذا المجال، خاصة أنّ وقفإسرائيللعمليات التنقيب والاستخراج من حقل كاريش لمدة شهرين ليست مؤلمة لها بالمقدار الذي يجعلها تسعى الى الحلّ، ولذلك لن تستعجل حلاً ليست مضطرة اليه.

وفي المقابل فإنّ لبنان الذي لم يوقع حتى الآن على وثيقة يستفاد منها التنازل النهائي عن حقوقه، بإمكانه ان ينقذ بعضاً من مصالحه من خلال ما يلي:

أ ـ منح مهلة نهائية تنتهي في ٤ أيلول المقبل للوسيط الأميركي يكون لبنان بعدها في حلّ من أي عرض او التزام سابق في مسألة الترسيم.

ب ـ في حال انصرام المهلة دون تقدم وحلّ، يكون على لبنان نفض الغبار عن الخط ٢٩ وتعديل المرسوم ٦٤٣٣ / ٢٠١١ على أساسه.

ج ـ إعادة تفعيل رسالة لبنان الى الأمم المتحدة واعتبار المنطقة ما بين الخطين ٢٣ و٢٩ منطقة نزاع لا يجوز لأحد العمل بها.

د ـ دعوة الشركات الأجنبية للعمل في البلوكات اللبنانية خارج مناطق النزاع وفسخ العقد مع كلّ شركة تتلكأ.

هـ ـ في حال تدخلتإسرائيلاو أميركا لمنع لبنان من التنقيب خارج مناطق النزاع يكون على لبنان ان يقوم بما يحق له ميدانياً لمنعإسرائيلمن العمل أيضاً خارج حقل كاريش.

إنّ وضع هذه التدابير موضع التنفيذ بحاجة الى القوة التي لا بدّ منها والتي توفرها المقاومة وأعلن سيدها جهوزيتها لذلك، فإذا اضطرت المقاومة لشهر سلاحها او استعماله، فإننا نكون أمام واحد من المسارات التالية:

ـ الأول رضوخ أميركا وإسرائيلوتراجعهما عن سياسة المماطلة وتقديم حلّ يرضى به لبنان قبل آخر أيلول.

ـ الثاني تدخل المقاومة ميدانياً وتجميدإسرائيللأعمال التنقيب في الشهرين المقبلين وإعادة إطلاق عملية التفاوض المكوكي بعد مغادرة العماد عون قصر بعبدا.

ـ الثالث ردّإسرائيلعلى المقاومة في حال تدخلها والمواجهة لأيام قتالية وفقاً للمصطلحالإسرائيليثم تجميد العمل على جانبي الحدود الى ما بعد تشرين الأول وبعده العودة الى التفاوض فالحلّ.

ويبقى في الذهن مساران لا نرى إنّ درجات تحققهما مرتفعة لكن يبقى التذكير بهما مفيداًالأول عدم تدخل المقاومة واستمرار سياسة المماطلة والتسويف الأميركيالإسرائيليوضياع الحق اللبناني، والثاني انفجار الوضع في الجنوب بشكل واسع والذهاب الى حرب تسمّيهاإسرائيل” “حرب لبنان الثالثة”. وكلا الاحتمالين مستبعد الآن في نظرنا

*أستاذ جامعيّ ـ باحث استراتيجيّ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى