أخيرة

نافذة ضوء

الجماعة الواعية تنتصر بالمحبة
وبالبغضاء تتبدّد وتنقرض

‭}‬ يوسف المسمار*
قالت أول شاعرة حبّ في العالم الشاعرة السورية بعلة أو بعليت التي وُلدت قبل ولادة السيد المسيح بستمئة وخمسين عاماً حين وضعت شعاراً لحياتها في شعرها البديع:
«إن المهم في هذا الوجود للإنسان أن يكون محبوباً؛ وهذه هي السعادة».
واستمرّ هذا الشعار بهذه الصيغة وعلى هذا الشكل الى أن ظهر شاعر سوريّ آخر في انطاكية تم أخذه طفلاً أسيراً إلى روما ليخدم ساداتها بعد سيطرة الإمبراطورية الرومانية على سورية فنبغ هذا الشاعر وتفوّق على شعراء الأمبراطورية الرومانية حتى أصبح مستشار يوليوس قيصر الخاص الى حين وفاته، واسمه بوبليو السوري فوضع شعاراً جديداً للسعادة في الحياة يقول:
«إذا أراد الإنسان أن يكون محبوباً فعليه أن يُحب وبالحب يمكن أن يبلغ السعادة».
واستمرّ هذان الشعاران الحكمتان دليل المفكرين والأدباء والشعراء والفلاسفة في سورية إلى أن ظهر رسول المحبّة يسوع السوري، وكلمة السوري تعني المنير الهادي، ليوحّد الحكمتين السابقتين بحكمته الجديدة الخالدة التي تقول:
«كما أحببتكم أحبّوا بعضكم بعضاً».
أي أن على الإنسان أن يُحبّ سواء كان محبوباً أو غير محبوب، لأن في المحبة جوهر الحقيقة التي هي أساس السعادة. وعلى أساس هذه الحكمة الخالدة ربط الرسول محمد الحب بالإيمان فقال في حديثه الشريف:
«لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه».
بل جعل الرسول محمد الحبّ أساساً للإيمان الذي هو الطريق إلى السعادة، حين قال:
«لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا».
من هذه المنابع الصافية الأصلية النورانيّة العقلية انبثقت حقيقة مفهوم فلسفة المحبة المادية – الروحية القومية الاجتماعية التي تقول كما عبّر عنها فيلسوف الأمة السورية أنطون سعاده:
متى وجد الإنسان الحب، فقد وجد أساس الحياة والقوة التي ينتصر بها على كل عدوّ… الحب هو الدافع نحو المثال الأعلى… فإذا اضمحل الحب فماذا يبقى من الحقيقة؟».
الأمم تنتصر بحضارة المحبّة وليس بهمجية البغضاء، وحين تستبدل أية أمة تعاليم المحبة بوسائل البغضاء، واللطافة بالتغطرس، تسير الى الانقراض كما حصل لدول المسيحيين والمحمديين وغيرهم من المستكبرين الذين تسير على خطاهم دولة اليهود التي تفوّقت ببغضائها وأحقادها وإجرامها على غيرها من الدول البائدة.
الانتصار في الحياة يكون بالحضارة لا الهمجيّة، وبالفضائل لا الرذائل، وبمحبة الخير وكراهية الشر وليس بعشق الشر والأشرار والنفور من الخير ومعاداة الأخيار.
الانتصار يكون بالدفاع عن الحق حتى يفوز، وبمهاجمة الباطل حتى يسحق، وليس بالاستسلام والخنوع للعدوان مهما طال الزمان وتكاثرت الكوارث.
المحبة في الإنسان هي الدافع الى تحقيق انتصار الحق والخير والجمال، والدافع أيضاً الى سحق كل باطل وشر وقبح من أجل أن تكون الحياة الإنسانية سعيدة وتستمرّ أرقى وأسمى.
كل جماعة لا يتحقق فيها التفاهم والتحابب بدل التضارب والتباغض، ولا تشعّ بين أعضائها روح المحبة والتعاون لا مهرب لها ولا نجاة من التضعضع والتفكك ومحكوم عليها بالخراب والانقراض.
فإذا كان المهم أن يكون الإنسان – الفرد محبوباً، فإن الأهم للإنسان الفرد أن يحبّ الجماعة ليس فقط حتى يكون محبوباً، بل لأن المحبة الاجتماعية في ذاتها هي سرّ الطبيعة الإنسانية الخيّرة التي تتغذّى ذاتياً من ذاتها المحبّة التي تجد فيها الجماعة الواعية أساس الحياة والقوة والنموّ.
فالمحبّة في الجماعة الواعية هي وعي الحقيقة التي يقوم عليها الإيمان العظيم الدافع الى المُثُل العليا التي تنشدها النفوس العظيمة.

*باحث وشاعر قومي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى