أولى

الاستعمار الصهيوني ـ الأميركي يحمل عصاه ويرحل…

 د. جمال زهران*

المتأمّل والمتابع لما يحري من أحاديث حول المفاوضات الجارية بين المقاومة (حماس والجهاد) بصفة رئيسية، وبين الكيان الصهيوني، عبر وسطاء عرب ووسيط أميركي وأوروبي، يتأكد من حقيقة واحدة، وهي أنّ المقاومة حققت انتصاراً ساحقاً – رغم الخسائر الضخمة في غزة – على هذا الكيان العنصري الاستعماري الإرهابي، الذي لاقى هزيمة ساحقة، بقدر انتصار المقاومة الفلسطينية التي شرّفتنا، ورفعت الرؤوس عالية، وبفعل ذلك أضحت تفرض شروطها بكلّ أريحية.
إذن نحن أمام مشهد واضح للغاية وهو: انتصار فلسطيني بالمقاومة ـ مقابل هزيمة صهيونية ساحقة. وقد حدثت بينهما أو خلالهما عبر أربعة أشهر كاملة (120) يوماً، موجات من التغيير والتحوّلات على كافة المستويات. ولذلك فإنّ أهمّ ما يلفت النظر هو: نتاج هذه الحرب التي هي أطول مواجهة بين المقاومة الفلسطينية والعدو الصهيوني المدعوم أميركياً وأوروبياً (استعمارياً). ويمكن قراءة ذلك من خلال النقاط التالية:
1 – توصيف الصراع: حيث سقطت كلّ المصطلحات والتي أضحت بالية. فاستخدام كلمة دولة «إسرائيل»، أضحت زعماً باطلاً وفاقداً للمشروعيّة التي تأسست عليها، سواء، قرار الأمم المتحدة رقم (181) لسنة 1947م، أو المرجعية الدينية (وطن قومي لليهود يجمع شتاتهم على حساب أصحاب الأرض من الفلسطينيين). وسقطت أيضاً أحاديث الصراع العربي الإسرائيلي، أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتي كانت تستخدم كمحاولة لتأكيد شرعية (أي قبول) الكيان الصهيوني في داخل المنطقة العربية، وهو الذي بات مستحيلاً، في ضوء التطوّرات والتحوّلات لما بعد طوفان الأقصى، في السابع من أكتوبر 2023م. وقد تأكد بالتالي أن الصراع هو: الصراع العربي/ (الصهيوني- الأميركي الاستعماري)، والمدعوم أوروبياً (الاستعمار القديم). وعلينا إذن أن يتمّ تحرير المنطقة من هذا الاستعمار الصهيوني/ الأميركي، الذي لا يقصد من بدايته، فلسطين، إلا كبوابة للسيطرة الكاملة، وفرض الهيمنة على الإقليم، والبداية (من الفرات إلى النيل) وفرض شرعية الوجود الصهيوني على المنطقة، للحيلولة دون وحدتها أو نهضتها، عبر النهب المستمر لمواردها، جهاراً نهاراً، بكلّ سفور وفجور.
2 – «طوفان الأقصى».. وفتح الساحات: كان من نتاج عملية «طوفان الأقصى»، وهي التي تحدّدت بإرادة فلسطينية خالصة، ولكن في إطار محور المقاومة، أن تدافعت جميع الساحات المقاومة في القيام بمسؤولياتها، وفتحت النيران على الكيان الصهيوني. فها هي أولى الساحات المقاومة بقيادة حزب الله، بادرت في التحرك والهجوم على الكيان الصهيوني، في اليوم التالي، لطوفان الأقصى، واستطاعت أن تجبر الكيان الصهيوني على تخصيص ثلث جيش المحتلّ، على المكوث في جبهة جنوب لبنان، مما أسهم في تقليل الضغوط على جبهة غزة، إذا ما قورنت بعدم فتح هذه الساحة.
ثم تحرّكت ساحة الضفة الغربية، ثم تحركت الساحة العراقية لتضرب في عمق الكيان في إيلات، وحيفا وتل أبيب، وتضرب القواعد الأميركية في الشمال العراقي والسوري، حتى وصل عدد الهجمات إلى ما لا يقل عن (200) هجوم. ثم تحرّكت ساحة الجولان وبشكل محدود. والأكثر مفاجأة، هو: تحرك الساحة اليمنية وهي غير ملاصقة للحدود المباشرة مع الكيان الصهيوني، بل إنها على بعد (2000) كم، من هذه الحدود، حيث نفاجئ بوعي قياداتها العروبي، وغير المسبوق، وهم أصل العروبة، يضربون بالصواريخ والمسيّرات الموانئ الصهيونية (أم الرشراش) المسمّى صهيونياً: إيلات، ويضربون قاعدة صهيونية في ارتيريا (دهلق)، ويغلقون باب المندب، واستمرار الغلق شريطة وقف الحرب على غزة وفك الحصار عليها، وتمرير المساعدات لشعب فلسطين في غزة، ومنع السفن – أياً كانت هويتها – من المرور في مضيق باب المندب، الذاهبة إلى موانئ الكيان الصهيوني، بأي حمولات، أو منقولات، وأي سفينة تحاول المرور ورفض التعليمات، يكون ضربها هو القرار، وحدث ذلك بالفعل ضد سفن أميركية وبريطانية، وغيرها. كما لم تخضع اليمن أو تستسلم، للعدوان الأميركي البريطاني ضدها، ولا يزال هذا الوضع مستمراً. وفي المقابل خنوع واستسلام نظم عربية تسهم في دعم الكيان الصهيوني، وتسعى لإنقاذه.
فماذا كانت النتيجة بعد فتح الساحات؟ أضحى الكيان الصهيوني يصرخ، ويطلب الهدنة، ويطالب أميركا وأوروبا بإنقاذه. وقد سبق أن طلبت في مقالاتي، بضرورة فتح الساحات على الكيان الصهيوني، لأن في ذلك هزيمة للاستراتيجية العسكرية والأمنية لهذا الكيان، وبداية انهيار الكيان، وهو ما يحدث حالياً، وهي الاستراتيجية التي ترتكز على الحرب على جبهة واحدة فقط!
3 – «طوفان الأقصى».. وتصدير الهزيمة لأميركا وأوروبا: حيث إن من تداعيات الطوفان، أن بادرت أميركا وأوروبا، لإعلان مساندتها للكيان الصهيوني بشكل علنيّ، وسافر، قولاً وفعلاً، إلا أن الواقع يشهد الهزيمة تلو الأخرى، التي شهدتها أميركا وأوروبا معاً، وتأكدوا أن نهاية مشروعهم الاستعماري، بزرع الكيان الصهيوني بالإقليم، حتى بالقوة، قد حانت، وأنهم لا بدّ من مراجعة الأمر، والاستعداد لما بعد نهاية الكيان الصهيوني. وقد تعرّضت أميركا للسخرية منها ومن قوتها العسكرية، والاستهزاء. حيث تُضرب بارجاتها وقواعدها العسكرية في مثلث الحدود الأردنية/ العراقية/ السورية، فضلاً عن قواعدها في الشمال العراقي والسوري، وخسارتها المعنوية، والمادية بشكل غير مسبوق، حتى تم طرح على لسان متحدثين رسميين في أميركا، فكرة الانسحاب العسكري الأميركي من الإقليم! وسط خطابات أخرى مترددة! إلا أنّ المشهد النهائي، هو الرحيل الحتميّ لقوات أميركا الموجودة في المنطقة، وهو تجسيد للهزيمة الضخمة التي واجهتها، بعد هزيمة كيانها الصهيوني الاستعماري!!
ويمكن التوقف عند هذا الحدّ، حيث أنّ لطوفان الأقصى الأثر الكبير في تحوّلات في الإقليم، وبغطاءات دولية، أرجح طبعاً، في ضوء تحليلاتي السابقة، أنه قد حان وقت رحيل أميركا من الإقليم بعد فشل مشروعها الصهيوني بعد 75 سنة! وأن فكرة النكبة الثانية التي يتقوّلون بها في حكومة النتن-ياهو، وفي إدارة بايدن الفاشلة، قد باءت بالخسران المبين. وفي ضوء ذلك آن للكيان الصهيوني أن يرحل مع الاستعمار الأميركي، ويحمل عصاه، غير مأسوف عليه نهائياً، لتبدأ المنطقة العربية وجوارها الجغرافي، في إعادة رسم الخريطة بما يحقق صالح شعوبها، وفي ضوء التحرير الكامل لفلسطين من النهر إلى البحر.
وختاماً، فإنّ تحليلنا يتوافق، مع ما نشره، موقع أميركي، حيث كتب (بولار. بيلار)، أنه أصبح من الضروري عودة القوات الأميركية الآن وليس غداً، من العراق وسورية، إلى أراضيها، تفادياً لمعركة كبرى في كلّ أقاليم المنطقة، قد تؤدي إلى انهيار أميركي غير مسبوق…!

*أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة قناة السويس، جمهورية مصر العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى