أولىكتاب بناء

ظاهرة غير مسبوقة: اللبنانيّون موحّدون أمام كورونا و… صندوق النقد الدوليّ!

 د. عصام نعمان*

 

تحدّيات كثيرة تواجه اللبنانيين، يتفرّقون حيالها وقلّما يتّحدون. أكبر التحديات ماليّ  اقتصاديّ. فقد اضطرت الحكومة أخيراً إلى اتخاذ قرارٍ بتعليق تسديد دين استحقّ في 9 آذار/ مارس الحالي، يُعرف باسم «سندات يوروبوندز»، مقداره 1,200 مليار دولار أميركي.

اختلف أهل القرار، بادئ الأمر، حول مسألة تسديد الدين أو عدم تسديده. ثم توافقوا، بصعوبة، على تسوية عملية وناقصة في آن: تعليق التسديد وليس رفضه، لكن من دون الاتفاق مسبقاً على خطة تبيّن كيفية تأجيل التسديد، وتواريخ الوفاء بالأقساط، والتدابير الواجب اتخاذها لمعالجة الأسباب السياسية والاقتصادية التي أدّت إلى نشوء الأزمة.

ثم اختلف أهل القرار، وكذلك القوى السياسية المتصارعة والمتنافسة، على الإصلاحات المالية والاقتصادية الواجب اعتمادها لتمكين الحكومة من الحصول على المساعدات التقنيّة والمالية اللازمة من المؤسسات الدولية بغية تسديد مجمل الدين العام البالغ، باعتراف رئيس الحكومة حسان دياب، أكثر من 90 مليار دولار أميركي.

حتى عندما توافق أهل القرار على بعض الإصلاحات المتوجّبة، فقد اختلفوا على مسألة الاستعانة بصندوق النقد الدولي لمساعدة الدولة على الخروج من الأزمة الاقتصادية المستفحلة التي تعانيها. ذلك أنّ أركان نظام المحاصصة الطائفية وأصحاب المصارف رحّبوا، بل دعوا، الى التعاون مع الصندوق المذكور في حين أنّ معارضي النظام وشبكته الحاكمة منذ أكثر من ثلاثين عاماً رفضوا التعاون معه مذكّرين الجميع بالتجارب السيئة التي عانتها الدول التي ارتضت برامجه المرتكزة غالباً على تقليص القطاع العام وخصخصة مؤسّساته وفرض ضرائب تمسّ الطبقات الشعبية وذوي الدخل المحدود.

تفاقم الخلاف بين أهل القرار والقوى السياسية المتصارعة بشأن الموقف من صندوق النقد الدولي الى ان اندلعت جائحة كورونا وأخذ اللبنانيون يعانون من تداعياتها المؤلمة. عندها بدأ التفكير في سبل مواجهة هذا التحدّي الكاسر يأخذ مناحي أكثر موضوعية وروية وإيثاراً لتغليب المصالح الوطنية العليا على سائر المصالح والمنافع الجزئية والخاصة.

لعلّ المنعطف الأهمّ في تغيّر مقاربة أهل القرار في السلطة وخارجها لسبل مواجهة التحدّيين، الاقتصادي والصحي، تجلّى في حديث المصارحة الذي أدلى به أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله مساء يوم الجمعة الماضي. فحزب الله كان متهماً من قبل معارضيه، ولا سيما أصحاب المصارف، بأنه معادٍ لمبدأ التعاون مع صندوق النقد الدولي لاعتبارات سياسية، وأن من شأن هذا العداء عرقلة إجراء الإصلاحات المطلوبة وإضعاف مساعي الدولة للحصول على مساعدات خارجية.

السيد نصرالله فاجأ الجميع، مناصرين ومعارضين، بإعلانه أنه وحزبه لا يمانعان في أيّ انفتاح تقوم به الحكومة على كل المؤسسات الدولية من ضمن خطةٍ للنهوض الاقتصادي على أن تُراعي أحكام الدستور وضوابط السيادة، بل لا مانع أصلاً من القبول بتدابير تشترطها هذه المؤسسات الدولية لتقديم الدعم اللازم للبنان على أن لا تتعارض مع المصلحة الوطنية، خصوصاً لجهة تأكيد رفض أيّ ضرائب على الفقراء وذوي الدخل المحدود، كما رفض مقايضة الدعم المالي بشروط تنتهك السيادة (كتوطين اللاجئين والنازحين)، معلناً انّ الوصاية بالمطلق على لبنان مرفوضة، وانّ التعاون من ضمن شروط تحفظ سيادة الدولة وتحمي الطبقات الضعيفة ولا تمسّ باستقرار البلد، سيكون موضع ترحيب، لا سيّما عندما يقترن بالشفافية وضبط الهدر ومكافحة الفساد وإعادة هيكلة القطاع العام بغية تحقيق المزيد من الإنتاجية.

قبل القيام بمقاربته الإيجابية والمفاجئة لأسس التعاون مع صندوق النقد الدولي، عقد السيد نصرالله مقارنة لافتة بين وسائل وتدابير مواجهة وباء كورونا كما مواجهة الأزمة الاقتصادية وذلك بالتعرّف، أولاً، على جوانب التحديين المذكورين وكيفية مواجهتهما على النحو الآتي:

 الإحاطة بالجوانب كلها لمعرفة حقيقة كلٍّ من التحديين.

 عدم الاستسلام، بل مواجهة التحديين بما هما تهديدان للحياة والصحة العامة والاقتصاد والتربية والتعليم في آن.

 وجوب أن يتحمّل اللبنانيون مجتمعين مسؤولياتهم في مواجهة التحدّيين.

 وجوب أن يشارك أهل القرار جميعاً، وليس فقط وزير الصحة ومسؤولي الوزارات ذات الصلة، في توفير متطلّبات مواجهة التحدّيين.

 وجوب اعتماد الشفافية في المواجهة ما يستوجب كشف كل أسباب وظواهر انتشار عوارض كلٍّ من التحديين.

ولأنّ مواجهة تحدّي الأزمة المالية والاقتصادية واجب المواطنين كما المسؤولين، فقد أعاد كلّ من الخبيرين الاقتصاديين اللامعين، الدكتور جورج قرم والدكتور حسن مقلد، تذكير الجميع في ندوات ومقابلات إعلامية ببعض التدابير الجذرية والجريئة الواجب اتخاذها في سياق إعداد خطة الحكومة المراد اعتمادها للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، أهمّها:

 إعادة هيكلة الدين العام بتدابير جذرية، أولها إلغاء دين الحكومة المتوجب عليها لمصرف لبنان المركزي.

 استرداد مكاسب أصحاب المصارف من «الهندسات المالية» التي نظمّها لمصلحتهم مصرف لبنان.

 سنّ ضريبة على الثروات الكبيرة.

 تكثيف تدابير التحوّل الى اقتصاد الإنتاج بديلاً من الاعتماد الكلي على اقتصاد الخدمات والريوع.

 مقاربة الصين وروسيا ودول «بريكس» للحصول على مساعدات وقروض للمشروعات الإنتاجية والتنموية.

غير أنّ ابرز الظاهرات غير المسبوقة في تاريخ لبنان المعاصر هي أنّ اللبنانيين تمكّنوا من التصدي لوباء كورونا بالتزامن مع التصدي للأزمة الاقتصادية وأنهم باتوا، الى حدّ بعيد، متّحدين في مواجهة هذين التحديين الخطيرين.

*وزير سابق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق