الوطنكتاب بناء

لماذا تريد تركيا حشد جيشها في إدلب والضغط على روسيا؟

} د. هدى رزق

تصاعدت التوترات بين تركيا وروسيا الأسبوع الماضي بعد انفجار قنبلة في 1 فبراير/ شباط أسفرت عن مقتل أربعة نشطاء روس في شمال إدلب على جانب الطريق الذي يسيطر عليه «الجيش الحر» المدعوم من تركيا. في 3 فبراير/ شباط قُتل ثمانية أفراد عسكريين أتراك في قصف من قبل الجيش السوري. وصل وفد روسي إلى أنقرة في 8 شباط/ فبراير لإجراء محادثات لإلغاء التصعيد، لكن الهجوم على موقع تركي في بلدة تفتناز بشمال غرب سورية جاء في اليوم الثاني من المحادثات، محطماً آمال وقف إطلاق النار، ووضع عدد من مراكز المراقبة التركية تحت الحصار من قبل القوات السورية، وارتفع إلى سبعة مع سقوط تل طوقان والعيس وسراقب.

كانت تركيا قد أقامت 12 مركزاً عسكرياً في إدلب وما حولها كجزء من اتفاق تخفيف التصعيد بين أنقرة وموسكو في عام 2018.

في الجولة الأولى من المحادثات في 8 شباط/ فبراير، كرّر الجانب التركي تصميمه على طرد القوات السورية إذا رفضت الانسحاب من منطقة التصعيد في إدلب بحلول نهاية شباط/ فبراير، وهو الموعد النهائي الذي حدّده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

لا يمكن لموسكو قبول طلبات أنقرة لسحب القوات السورية إلى خارج الحدود المحددة في مذكرة سوتشي لعام 2018، لا يمكن لروسيا مطالبة دمشق بالوفاء بهذه الشروط بينما تواصل القوات السورية التقدّم رغم الانتشار العسكري التركي.

إصرار تركيا في المطالبة بانسحاب الجيش السوري إلى ما وراء الخط الذي حدّدته اتفاقيات سوتشي يمكن أن يؤدّي فقط إلى تشديد الموقف الروسي. ومع تخلي موسكو عن التسوياتستكون دمشق قادرة على السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي في منطقة التصعيد حتى تصل أخيراً إلى المواقع التركية.

مثل هذه المقترحات التركية سيضرّ بالعلاقات الثنائية بين موسكو وسورية دون سبب وجيه. لن ترفض روسيا دعم القوات السورية إذا حاولت القوات التركية شنّ الهجوم ودفع الجيش السوري إلى خارج حدود منطقة التصعيد في إدلب.

تُصرّ تركيا على الاحتفاظ بقوات في المنطقة لأنّ استراتيجيتها هي العمل على زيادة وجودها العسكري في إدلب وحولها لإجبار روسيا على اتخاذ إجراءات ضدّ الجيش السوري فهي على يقين أنّ مشكلة إدلب ستُحلّ في نهاية المطاف من خلال مفاوضات صعبة. وبالتالي، في محاولة لحماية مصالحها في أجزاء أخرى من سورية، تقوم أنقرة برفع المخاطر على الأرض من خلال زيادة القوات في منطقة لا تتحكم فيها في المجال الجوي.

أخبر وزير الدفاع التركي خلوصي أكار زملاءه وزراء الناتو في بروكسل أنّ هدف أنقرة من إرسال حوالى 5000 جندي إضافي إلى إدلب التي يسيطر عليها المسلحون يهدف إلى تحقيق أمرين باستراتيجيتها المحفوفة بالمخاطر. أولاً، تحاول إجبار موسكو على إقرار جدول تفاوض جديد للهدنة في إدلب. ثانياً، بعد أخذ موافقة موسكو، تخطط لطلب ضمانات روسية بأنّ سورية ستسمح لتركيا بالحفاظ على وجودها العسكري في عفرين بالإضافة إلى جيب جرابلس والراي والباب.

أكار حاول ان يسترضي موسكو «بالقول انه إذا واجهت تركيا هيئة تحرير الشام فسيكون ذلك فقط لإرضاء روسيا، وانّ هيئة تحرير الشام مستعدة للالتزام بوقف إطلاق النار وحتى منع الفصائل الأكثر راديكالية مثل حراس الدين وأنصار التوحيد وأنصار الإسلام من انتهاكها». مع انه كان من المفترض أن تقوم تركيا بإزالة هؤلاء وجميع الأسلحة الثقيلة من حدود المنطقة المنزوعة السلاح بموجب اتفاقها مع روسيا.

ولإقناع روسيا بالجلوس على طاولة مفاوضات لوقف إطلاق النار ترى تركيا أنها أمام خيار زيادة وجودها العسكري في إدلب للضغط عليها على حساب المخاطرة بحياة قواتها العسكرية.

تختبر أنقرة أيضاً الأسس لعقد قمة استانا جديدة محتملة بين روسيا وإيران وتركيا في آذار لتسريع العملية السياسية قبل وصول القوات السورية إلى مركز إدلب. لا تريد أن تفقد المناطق الشمالية التي خضعت لسيطرتها من خلال عملية «درع الفرات» في عام 2017 وعملية «غصن الزيتون» في عام 2018. لأنّ النظام في سورية قد يتحوّل بالفعل إلى عفرين ومنطقة درع الفرات بعد تأمين مركز إدلبمن المحتمل أن يطالب أردوغان بوتين بالحفاظ على سيطرة تركيا على منطقة درع الفرات وعفرين في شمال سورية مقابل سحب القوات التركية من جنوب الطرق السريعة M4 و M5 الاستراتيجية.

كانت تركيا قد علقت الآمال في 11 شباط/ فبراير على تدخل أميركي، حيث أرسل وزير الخارجية مايك بومبو مبعوث سورية جيمس جيفري إلى أنقرة، الا انّ مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين عندما سأل عن العنف في إدلب الذي أدّى إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين إلى الحدود التركية، قال: هل من المفترض أن ننزل بالمظلة كشرطي عالمي ونعلق إشارة توقف! يبدو انّ جيفري كان «وحده» في إشارته إلى دعم تركيا في إدلب، اما البنتاغون فهو كذب تقارير كتبتها الصحافة التركية حول الموضوع.

الخيار الأكثر قبولًا لتركيا في الوقت الحالي هو الاستمرار في وضع متكامل بدلاً من نشر قوات عسكرية تستهدف في إدلب والاحتفاظ بالمناطق التي لم يتمّ الاستيلاء عليها من قبل القوات السورية، القيام بذلك قد يجعل روسيا تعترف بهذه الأراضي باعتبارها المنطقة الأمنية التركية الجديدة، والتي بدورها ستؤدّي إلى نوع جديد من المذكرة الروسية التركية من شأنها التخلي عن أيّ عمليات لمكافحة الإرهاب في هذه المنطقة. لكن على ان تتخلى عنها لسورية بعد المحادثات السياسية والمرحلة النهائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق