عربيات ودولياتكتّاب البناء

فيروس كورونا بين الشكّ والجزم: علماء واستخبارات أميركيّون وراءه

} ساعود جمال ساعود*

لافت للانتباه هذا الفيروس، الذي انتشر في دولة عظمى؛ الصين التي تخشاها الولايات المتحدة الأميركية عسكرياً واقتصادياً وتلقّبها في أدبياتها السياسية «بالتنين النائم»، الصين التي أوصى بشأنها خبراء وجهابذة السياسة الأميركية بأن: «لا توقظوا التنين».

ليس من عادة الولايات المتحدة الأميركية أن تترك خصومها والمهددين لأمنها بسلام. والأدلة والإثباتات كثيرة منها استراتيجية الاحتواء الأميركية للشيوعية أثناء الحرب الباردة، والاتحاد السوفياتي أيضاً خصم أميركا الذي كانت سبباً في انهياره 1991م، كذلك دول منطقة الشرق الأوسط التي تهدّد أمن «اسرائيل» – من وجهة نظرهم، وحسب ما تقرّ به أدبياتهمبداية بالعراق واتهامه أميركياً بامتلاك أسلحة تدمير شامل فكان غزو 2003م، وما شهدته سورية الدولة القوية التي تخشاها «اسرائيل» فكان عام 2011م. وبداية حرب كونية ضد سورية لتدميرها وتفتيت قواها، وإيران مثال آخر ترى فيه أميركا تهديداً لها ولحلفائها مصادر الاستغلال الأميركي، فكان اتهام إيران بمشروعها النووي بحجة عسكرته لا سلميته، والكثير الكثير. والنتيجة أن الولايات المتحدة الأميركية لم تترك على مدى التاريخ دولة من الدول أو قوة من القوى بلغت مستوى عالياً من التطور والتقدّم إلا وحاولت تدميرها بأسلوب من الأساليب عبر مؤسساتها العسكرية والأمنية والاستخبارية ومراكز بحوثها العلمية، وانطلاقاً من هذه الحقيقة جاءت مقالتي، لأصنع منها نظرية رياضية فيها الفرض والطلب ومن ثم البرهان.

وبناء على ما سبق تنصّ فرضية هذه المقالة على ما يلي: «إن صعود الصين اقتصادياً وعسكرياً، وتشكيلها حليفاً لروسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفياتي بالإضافة إلى كوريا الشمالية بدرجة أولى ودول محور المقاومة، فإنّ الصين تهدد الأمن القومي الأميركي بشكلٍ أو بآخر، ولا بدّ بالتاليحسب العقلية الاستخبارية الأميركيةمن توجيه ضربة للصين تضعف من قوتها، وتتسبب في تدّني مستوى تطورها عموماً، بغية الحفاظ على الشرخ بين الصين وأميركا متّسعاً وبعيداً، حتى تندثر أشباح المخاوف من «التنين النائم». هذه الفرضية التي تحتاج إلى تحقيق لنصل إلى إثباتها أو نفيها.

لا بدّ أولاً من إدراج قائمة من أهم ما يُشاع عن فيروس كورونا والجهات الواقفة وراءه من قبيل ما يلي:

أولاً: تركز سردية الإعلام الروسي على نقطة واحدة بشكل متكرر، وهي أن النخب السياسية الغربية، خاصة الأميركية، تقف وراء هذا الوباء.

ثانياً: القناة الحكومية الروسية الأولى، إحدى أبرز القنوات التلفزيونية، تخصص فقرة ثابتة لتناول «المؤامرة الغربية» بشأن فيروس كورونا، في برنامج الأخبار المسائي «الوقت».

ثالثاً: رسمياً الصين تتهم أميركا بالوقوف وراء فايروس كورونا وتتوعّد بمسح واشنطن من على وجه الأرض نقلاً عن شبكة مصر الآن.

وبالترادف مع ما سبق، هناك سؤال يطرح نفسه: ما هي المعطيات التي أوحت بأنّ انتشار فيروس كورونا في الصين أمر مخطط له أو مؤامرة؟

أولاً: الدليل النقلي: ما قدّمته روسيا بأن كورونا سلاح بيولوجي عرقي» تستخدمه الدول ضد الشعوب المعادية لها، أحد الخبراء الروس خلال التقرير إن سلالة فيروس كورونا الصيني ((مخلّق صناعياً))، وإن شركات الأدوية تقف وراء ذلك، والمعروف تاريخياً أنّ الولايات المتحدة الأميركية كانت تدير مختبراً في جورجيا، حيث كانت تختبر أسلحة بيولوجية على البشر.

ثانياً: الدليل المنطقي: جاء انتشار فايروس كورونا في الصين في توقيت كانت الصين تستعدّ لأن تغزو العالم حرفياً بالتكنولوجيا والصناعة والاقتصاد الصيني الرهيب.

بالنتيجة، إنّ هذه الأدلة غير كافية وغير مقنعة، ولكن الغربي لا سيما الأميركي هو المستفيد الأكبر، في دول لا تؤمن بأن ما يحدث من وباء هو عقوبة إلهية، بل تسخر وتوظّف ذلك إعلامياً وسياسياً، وأنا كباحث أبني رأيي على أساس الجهة المستفيدة خصوصاً أنّ تاريخها مليء بمثل هذه الأحداث والتجارب والشواهد كثيرة أهمها ما يخصّ التجريب على البشر مثال:

أولاً: مشروع غواتيمالا هو مجرد واحد من ضمن العديد من التجارب البشعة التي أُجريت باسم الطب.

ثانياً: أصاب أطباء الجيش الأميركي في الفلبين خمسة أشخاص بالطاعون الدبلي وأصابوا 29 سجيناً بالبري بري.

ثالثاً: في عام 1950، من أجل إجراء محاكاة هجوم الحرب البيولوجية، رشت البحرية الأميركية كميات كبيرة من البكتيريا السراتية الذابلةكانت تعتبر غير مؤذية في هذا الوقتفوق مدينة سان فرانسيسكو خلال مشروع يسمّى عملية رذاذ البحر. أُصيب العديد من المواطنين بأمراض تشبه الالتهاب الرئوي، وتُوفي شخص على الأقل كنتيجة لذلك.

رابعاً: كتبت سان فرانسيسكو كرونيكل، بتاريخ 17 ديسمبر، 1979، صفحة 5 عن ادعاء الكنيسة العلموية بأن وكالة الاستخبارات المركزية أجرت تجربة حرب بيولوجية في الهواء الطلق في عام 1955 بالقرب من تامبا، فلوريدا ومناطق أخرى في ولاية فلوريدا ببكتيريا السعال الديكي. وزعمت أن التجربة زادت من إصابات السعال الديكي بمقدار ثلاثة أضعاف في فلوريدا وأصيب أكثر من ألف حالة وتسبب ذلك في زيادة حالات الوفاة بسبب السعال الديكي في الدولة من واحد إلى 12 عن العام السابق.

خامساً: في عام 1966، أطلق الجيش الأميركي بكتيريا جلوبيجي العصوية إلى نظام مترو أنفاق مدينة نيويورك كجزء من دراسة ميدانية تُسمى دراسة قابلية إصابة ركاب المترو في مدينة نيويورك بهجوم سريّ باستخدام العوامل البيولوجية. خضع نظام مترو أنفاق شيكاغو أيضا لتجربة مماثلة من قبل الجيش. وهناك تجارب الإشعاع الذري والتلوث الإشعاعي.

وبناء على هذه الوقائع الموثقة تاريخياً، بنيت اعتقادي بأنّ الولايات المتحدة الأميركية قد خططت لنشر فيروس كورونا في الصين من قبيل حرب بيولوجية تريحها من تحريك أي ساكن، وأرباحها كثيرة لا تقدّر بثمن على صعد شتى.

وحتى على صعيد الدول، هنالك شكوك من بعض الدول بأنّ الدول الغربية لا سيما الأميركية تقف وراء انتشار هذا الفيروس في الصين، وهنا التساؤل لماذا؟ ما أهدافهم؟ وما هي مصلحتهم؟ وماذا ستجني أميركا من إضعاف الصين؟

 في الحقيقة إنّ المصلحة الأميركية تكمن في الأهداف ذاتها ألا وهي إضعاف الاقتصاد الصيني ومن ثم إضعاف المنافس الجيوسياسي، وهنا يجب التنويه للمغالطة القائلة بأنّ: «هدف شركات الأدوية هو تحقيق أرباح هائلة من اللقاحات ضد الفيروس». فحتى الأن ولا جهة غربية زعمت أنّ لديها العلاج، بل جهات صينية داخلية تابعة للدولة الصينية ذاتها، ففي حال حدث واحتكرت الدواء فهي عميلة للخارج، ولكن لم يحصل هذا لذا سمّيتها مغالطة، أطلقها أصدقاء الصين.

وفي سياق الحديث مصلحة الخارج بإضعاف الصين، فقد لحق بها الأذى بالفعل وتتالت مظاهر تأثير انتشار الفيروس على واقع ومستقبل الصين منها مثلاً قيام الدول بسحب مواطنيها من الصين، وقطع الرحلات البرية والبحرية والجوية، من أقرب الأصدقاء إلى الأعداء مثال تقليص روسيا الرحلات الجوية والقطارات إلى الصين وكذلك إيران، هذه الأمور التي تنعكس سلباً على الاقتصاد الصيني الذي يزعج بتقدّمه وتطوره المنافس الأميركي ومخابراته.

وبالنسبة للسؤال الأهم، ألا وهو ماذا ستجني أميركا من إضعاف الصين في حال ثبت بالدليل القاطعأنّها هي من يقف وراء فيروس كورونا؟ والجواب يكمن في ما يلي:

أوّلاً: الحد من تطوّر القوة العسكرية الصينية والتي في حال الطبيعة، لن تكون قادرة على منافسة القوة العسكرية الأميركية.

ثانياً: ثني الصين عن مواقفها السياسية لا سيما في المسائل العالقة بينها وبين أميركا كالموقف من القضية التايوانية، وتأييد الصين للاتفاق النووي الإيراني، كما ترفض الصين فكرة الهيمنة الأميركية على شؤون العالم, كما ترفض فكرة الزعامة الدولية, مثلاًً.

ثالثاً: التأثير على القوة البشرية الصينية، حيث تعدّ الصين القوة الأولى عالمياً من حيث الثروة البشرية إذ يبلغ تعداد سكانها نحو مليار و300 مليون نسمة, وقد استطاعت الصين بحس إدارتها لثروتها البشرية تحقيق تقدم اقتصادي ضخم وبناء قوة عسكرية هي الأكبر من حيث التعداد في العالم.

رابعاً: توجيه ضربة مباشرة لعملية التنمية البشرية في الصين، فنقلاً عن (الباحث محمود محمد في رسالته »أبعاد الصعود الصيني في النظام الدولي وتداعياته 1991-2010)، فإنّ الحكومة الصينية تولي اهتماماً بصحة سكانها ففي 2006 م، بلغ الإنفاق الصحي 3,6 % من حجم الناتج المحلي الإجمالي, وبلغت نسبة الملتحقين بالتعليم الأساسي والجامعي 70% من إجمالي عدد السكان, في حين بلغ معدل الإلمام بالكتابة والقراءة لمن هم فوق الخامسة عشرة 90,9 %.

خامساً: توجيه ضربة قاصمة لعملية التنمية بشكلٍ عام. ترتكز التنمية في الصين محددات ثلاثة هي تنمية زراعية, تقدم صناعي, تطوير علمي وتكنولوجي, الصين تولي البحث العلمي والتكنولوجي اهتماماً بالغاً حتى تستطيع تحقيق تطلعاتها وطموحاتها في الأغراض كافة.

  في هذا الصدد، لا بدّ من الإشارة إلى ما يثبت التحرّك الأميركي ضد الصين وضرورته ألا وهو استراتيجية احتواء الصين ظهرت بوضوح على نحو منظم من قبل كوندوليزا رايس منذ بداية عملها كمستشارة للأمن القومي، عندما أعلنت أن الصين، كقوة متصاعدة وطموحة، تشكل تحدياً للمصالح الأميركية الحيوية في منطقة آسيا ومناطق أخرى من العالم، لهذه الأسباب طالبت رايس بمزيد من الدعم الأميركي للهند من أجل حفظ التوازن الإقليمي في آسيا.

 النتيجة: إنّ العمل على نشر فيروس كورونا، وتضخيم آثاره السلبية على الصين، يندرج ضمن مخطط أميركي لضرب الصين اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً ضمن إطار ما يسمّى اليوم بحروب الجيل الرابع والخامس؛ التي تقوم على خلق أزمات ونشر الأوبئة والأمراض تحت إطار الحروب البيولوجية، وبثّ الفتن والإشاعات وهدم القيم والتراث، وهدم المجتمع بشكل عام، والابتعاد نهائياً عن أسلوب الصدام المباشر، ولقد اتضحت وثبتت هذه النتيجة في ضوء القرائن التاريخية للتجارب البيولوجية الأميركية، وللتعامل الأميركي مع القوى المنافسة لها وللقوى الصاعدة أيضاً، وعلى هذا الأساس وبالعودة إلى فرضية مقالتي، فإنّ فيروس كورونا هو شكل من أشكال توجيه ضربة أميركية للصين لكي تضعف من قوتها، وتتسبب في تدّني مستوى تطورها عموماً، بغية الحفاظ على الشرخ بين الصين وأميركا متّسعاً وبعيداً، حتى تندثر أشباح المخاوف من «التنين النائم».

*دكتوراه في العلوم السياسية جامعة دمشق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق