أولىكتاب بناء

صراع القيَم حول العالم…

 سعادة مصطفى أرشيد _

 

تعرّضت بلادنا منذ عقد من الزمن لحرب ضروس بيننا وبين الإرهاب المعولم والمؤدلج بـ «قيم» الفوضى الخلاقة للشر متخذاً من الدين وقيم الحرية والعدالة والديمقراطية قناعاً يخفي وراءه قباحته وشروره. هدفت الحرب إلى إعادة إنتاج الاتفاق الانجلوالفرنسي (سايكسبيكو) باتجاه ما هو أدهى وأمرّ بمزيد من التفتيت والشرذمة، وكان آخر ما حرّرته الجهات المعادية في دفترنا هو صفقة ترامب الأميركية (صفقة القرن). في غمرة تلك الأحداث المزدحمة داهمنا وباء كورونا سالباً منا الطمأنينة والصحة والسلامة وحاصداً آلاف الأرواح ومحاصراً ما يزيد عن مليار شخص في معازل صحية او منزلية، وكثير منهم من الذين لا يجد قوت يومه إلا بيوم عمله.

وإذا كان هذا الوباء يصيب الجهاز التنفسي للإنسان ويدمّره ويؤدّي إلى وفاته، فإنّ هذه الأزمة قد كشفت أنه يصيب بأعراضه النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية أيضاً، ويكشف ماهو منها زائف ومخادع وما هو منها يملك قيماً إنسانية راقية وأخلاقاً نبيلة. فقد تعرّت عورات أنظمة عديدة لطالما تغنّت بالديمقراطية وحقوق الإنسان، بالحريات والعدالة الاجتماعية، لا بل وزادت بأن أبدت اهتمامات بالطيور وهجراتها وقردة الباندا وإمكانيات انقراضها، وإذا بها تتهاوى وتتكشف على حقيقتها أمام هذا الوباء فأبدت لنا وجهها القبيح معلنة بصريح القول والعبارة درجة انحطاطها القيمي والأخلاقي بشكل غير مسبوق.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يجد في موت آلاف البشر والذين من المرشح أن تتزايد أعدادهم بأصفار عديدة إلى يمين تلك الآلاف، إلا فرصة لتعزيز وضعه الانتخابي أمام الاستحقاق المقبل في تشرين الأول المقبل، ثم لتحقيق أرباح ومكاسب مادية من تجارة الأمصال والعلاجات المداوية له، لم يتوانَ أن يتخلى عن أصدقائه وحلفائه في الناتو من الأوروبيين، تاركاً لهم مهمة نزع أشواكهم بأيديهم. الأمر الذي دعا صحافية إيطالية شجاعة لأن تقدّم هدية لوزير خارجيته بومبيو وهي عبارة عن علبة طعام كلاب ليأكل منها هو ورئيسه وطاقم إدارته علهم يتعلمون من الكلاب بعض الوفاء، فيما نظيره وصديقه بوريس جونسون، أخذ ومستشاره الطبي بنظريات إسبارطية وبعض الأفكار الداروينية والتي ترى أنّ البقاء للأقوى أو فكرة مناعة القطيع، وبمعنى أوضح ليمت من يموت من كبار السن والضعفاء والمرضى بأمراض مزمنة ويرتاح جونسون من مصاريف رعايتهم الصحية والاجتماعية المرتفعة وليبقى الأصحاء فقط، ولم يعد عن ذلك إلا بعد تصاعد الاحتجاجات الشعبية والبرلمانية إثر التقارير الصادرة عن الامبيرال كولدج ذات المصداقية العالية ومركز الأوبئة التابع لها، الأمر الذي دعا جونسون ليخفف من صفاقة أقواله وليعود عن تجاهله لضرورات التصدي للوباء.

الثالث في حلقة الأصدقاء هو بن يامين نتنياهو، فحسب ما ذكرت القناة الثالثة عشرة العبرية أنّ خلافاً قد حصل بين وزير الصحة (الإسرائيلي) ونائبه وهو بروفيسور في علم الأوبئة وذلك في حضور نتنياهو، حيث قدّر البروفيسور أنّ عدد المصابين بالوباء يتجاوز عددهم خمسين ألفاً فيما التقارير الرسمية والإخبارية تتحدث عن إلفين، فيما قال الوزير إنّ الأرقام الحقيقية للمصابين أكبر من الأرقام المعلنة، ولكنها لا تصل إلى الرقم الذي ادّعاه البروفيسور، مع ذلك فما يشغل بال ووقت نتنياهو هو كيفية التهرّب من المحكمة وقضايا الفساد التي تلاحقه، كيف يستطيع البقاء في مقعد رئاسة الوزراء؟ كيف يستطيع أن يستغلّ الانشغال العالمي بالوباء لتنفيذ مخططاته الرامية لضمّ المستوطنات والأغوار ومناطق أخرى من الضفة الغربية؟

مقابل هذه البشاعة وهذا الانحطاط الذي يمارسه هؤلاء لا بحقّ الإنسانية فحسب، وإنما بحق شعوبهم وأهلهم وذويهم، نرى في الجانب المقابل لهذه الصورة البشعة أنّ الصين وهي أول من أصيب بالوباء، وأول من تصدّى له، ومع أنّ شعبها البالغ تعداده مليار ونصف مليار إنسان وأنّ اقتصادها عانى من التراجع أكثر من أيّ اقتصاد آخر، حيث توقفت كثير من صناعاتها عن الإنتاج وتجارتها وسلعها من التداول، مع ذلك كله نراها تحقق نجاحات نسبية في محاصرة الوباء ومكافحته، وتقدّم في الوقت ذاته أفضل ما لديها لخدمة شعبها وتمدّ يد العون والمساعدة لغيرها في مجالات الخبرة والمساعدة العينية، في حين دولة التشيك الصديقة الحميمة لدولة الاحتلال والولايات المتحدة تسرق ما يمرّ عبرها من مساعدات صينية كانت في طريقها إلى إيطاليا. إنه موقف أخلاقي يعبّر عن نبل الشرق وأخلاقة وفلسفاته الإنسانية ويعاكس المواقف والأفكار النيوليبرالية والرأسمالية المتوحشة والمتمثلة في الأميركان وتوابعهم. في المقام ذاته نرى كوبا برغم فقرها وهوانها على الناس في وقت تراجعت فيه قيم الحرية والكرامة والثورة، ها هي تقف بكلّ شجاعة بأطبائها ومعداتهم وأدويتهم، تطوّعاً لا مأجورة لإنقاذ من يفوقها قوة وثراء، ولكنه دونها كرماً وعطاء.

عودة إلى عالمنا العربي الذي يبدو عصياً عن سماع الأخبار (بالطبع بعضه لا كله)، غير مستجيب للمتغيّرات التي أحدثها الوباء، حيث يتحالف السياسي المفرط في قضايا شعبه وأهله مع رجل المال الفاسد والجشع في ثنائية شيطانيّة، الأول يريد أن يبقى جالساً على كرسيه وبالتالي الاستمرار في خدمة مشاريع أعداء بلده ويجد في هذا الوباء دثاراً له والثاني يجد في الوباء فرصة لتحقيق أرباح ومكاسب. لا يوجد ما يشير إلى أنّ تغيّراً في أخلاق وعقول ومسلكيات هؤلاء قد طرأ عليه أيّ تغيّر او تبديل، برغم انّ الموت يترصّد بالجميع حاكماً ومحكوماً، غنيّاً وفقيراً، وهو لا يجد فرقاً في مذاق رئتي الأمير تشارلز ورئتي أيّ مواطن صيني او إيطالي أو غيره، لا فرق أبداً في الطعم والمذاق.

الكورونا تفتك بالعالم، ولكن الحرب على اليمن وقد دخلت عامها السادس لا تزال تستعر وتزداد ضراوة ولا نية على ما يبدو لإيقافها، برغم انّ أكلافها قد تجاوزت نصف تريليون دولار، فهل مَن تحمّل هذه الأكلاف في هذه الحرب القذرة والظالمة يرغب او يقبل أن يدفع جزءاً ولو بسيط منها لإغاثة المليار محاصر في معزله الصحي أو بيته؟ أو لإنتاج أدوية ولقاحات لمعالجة المصابين؟ واليمن ليس إلا مثالاً لما يجري في فلسطين المحتلة وغزة المحاصرة وسورية وليبيا التي لا يزال الإنفاق على تدميرهما على أشدّه.

وإذا كان ما تقدّم عن أهل السياسة فماذا عن حلفائهم وشركائهم من وحوش المال؟ يتداول الناس مقارنة بين هؤلاء وبين مصمّم أزياء إيطالي تبرّع بمعظم ثروته لحكومته لإنقاذ أهله وشعبه فيما مواطنته ممثلة الأفلام الإباحية تتبرّع بستين مليون يورو للسبب ذاته. أثرياؤنا لم يتبرّعوا إلا بالفتات ولذرّ الرماد بالعيون، فكلّ ما سمعناه عن كرمهم وعطائهم في هذه الأزمة يقلّ كثيراً عما تبرّعت به مومس إيطالية تفوقهم شرفاً وعفة وكرماً وعطاء وانتماء لبلدها ولشعبها. لا يفكر هذا النوع إلا بكيفية الاستفادة من الأزمة ولتحقيق مزيد من الربح، ولنضرب مثلا أنّ إحدى شركات الخلوي في بلادنا والتي تحقق سنوياً أرباحاً خرافية، فبدل أن تقدّم يد العون أخذت ترسل رسائل sms لزبائنها للاشتراك في تطبيق مدفوع الثمن: اعرف آخر أخبار الكورونا.

هكذا يبدو العالم من حولناإفلاس وانكشاف أنظمة لطالما تغنّت بالقيم والمبادئ السامية، نراها بأمّ العين تتمرّغ قيمها المزعومة في أوحال الوباء بشكليه الفيروسي والقيمي، وفيما أنظمة لطالما اتهمت من قبل الفريق الأول بشموليتها وعدم احترامها للإنسان، نراها ترتقي وتسمو على آلامها وجراحها وتقدّم لشعوبها وللعالم خدماتها. وهكذا يبدو شرقنا الذي لم تصل إلى أسماع بعض قادته أخبار الوباء، فواصلوا حروبهم العبثية لقتل أهل فلسطين وسورية واليمن وليبيا تاركين للوباء مهمة قتل مَن لم يقتلوه بأيديهم وأسلحتهم.

*سياسيّ فلسطينيّ مقيم في الضفة الغربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق