أولى

الإقطاع الجديد

 طارق الأحمد*

قامت الدولة الحديثة في سورية، بعد الاستقلال، على أركان أساسية حوّلت قواها الإنتاجية من الشكل الذي كان مرتبطاً بقوى الاحتلال العثماني ثم الفرنسي إلى شكل آخر يُصاغ نمطه ضمن البلد، ولكنه تأثر بالموجات الفكرية القوية السائدة وأهمها كان ما يسمى بالتحويل الاشتراكي، خاصة لدى الأحزاب اليسارية من «البعث» و«الشيوعي» وغيره، وتيار آخر متأثر بالمفهوم الغربي ومرتبط به، أو كما يقال المفهوم الرأسمالي للدول الغربية والتي كانت في حرب باردة مع دول المنظومة الاشتراكية، وقد قسم هذا الصراع بين المعسكرين كل دول العالم ومجتمعاته إلى أنصار لهؤلاء ضد أنصار أولئك، حتى أنه جعل الخصومات والتشققات المجتمعية في دولنا عبارة عن رجع صدى لحروب المعسكرين الكبيرين، ولو أن دراسات موضوعية وهادئة قد حصلت لاكتشف كل دارس لها انعدام وجود أي مصلحة لمجتمعاتنا الناشئة في كل تلك الاستقطابات والصراعات.

انفرد حزب وحيد هو «الحزب السوري القومي الاجتماعي» بنظرية خاصة في الاقتصاد، يمكن توصيفها بأنها كانت تقع وسطاً بين الاستقطابين، الرأسمالي المتأثر بالغرب والاشتراكي المتأثر بمجموعة حلف وارسو أو كوميكون.

وقبل الخوض في الاختلافات والتشابهات بين الأحزاب السورية يمكن أن نشرح تفصيلاً بأنّ تطبيق النظريات عملياً كان يجري على قطاعين رئيسيين في سورية و كانا أيضاً في المهد، و هما الزراعة والصناعة.

في الزراعة كانت لدينا معضلة ملكية الأراضي أي وسائل الإنتاج وهذه القضية كانت تختصر كل التاريخ السياسي الصراعي على سورية، أي أن لدينا فئة ضئيلة جداً من السكان تملك المساحات الهائلة من الأراضي، ولا يمكن التحديد الدقيق لخارطة تتمتع بالحق والإنصاف لطريقة تملكها لكل تلك الأراضي والقرى، التي تحوي سكاناً لا يملكون سوى العيش القلق فوقها، وكانت مرتبطة تبعياً بقوى الاحتلال العثماني ثم الفرنسي ثم قوى الأمر الواقع المحلية بعد ذلك بحكم النفوذ، بحيث أنّ بعضهم قد تملك العديد من القرى بمجرد ولائه للباب العالي وتقديم خدمات سلطوية له، كما هو وارد في الأدبيات الكثيرة، ووفق شهادة حفيد أحد الإقطاعيين من حوران، وقد سمعتها منه مباشرة، خاصة أنّ سكان الأرياف كانوا يشكلون أكثر من نصف عدد سكان سورية، وفق إحصاءات منشورة لمرحلة ما بعد الاستقلال، ما يحتم وجود خلل هائل دفع البلاد إلى تغيير هذا الواقع الخطير.

كلّ ذلك، للحق، نشأ بعكس الملكيات المتعلقة بالصناعة وحتى السياحة على بساطتها، لأنّ نشاة التصنيع في سورية مع مرحلة خمسينيات القرن العشرين حدثت في المدن الأربعة، بشكل رئيسي، أي دمشق وحلب وحمص وحماه، بمنشآت معظمها تصنف اليوم من فئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ثم نمت وكبرت بحكم الريادة والحاجة الماسة إلى إنتاجها وذكاء أصحابها ومثابرتهم، وبدأت تخطو نحو العالمية مثل الشركة الخماسية الشهيرة، كما كانت توجد تباشير لمخترعين أسّسوا صناعات معقدة سبقت كوريا ودولاً أوروبية عديدة مثل الصناعي عبد الحليم الرباط الذي أسّس مصنعاً في دمشق لصناعة المسجلات الصوتية ماركة «ميلودي» وباع منها عدداً كبيراً قبل أن توأد واحدة من التجارب التي لو تمّ احتضانها لجعلت سورية منذ أكثر من نصف قرن في مصاف الدول الصناعية المصدرة في العالم.

أي أنّ سورية لم تكن تحوي مصانع عملاقة تماثل نظيراتها الأوروبية، كمصانع الحديد والفحم والتي يشغّل كلّ منها آلاف العمال الذين يرزحون تحت نير الاستغلال كما بدأ في الغرب الراسمالي، فمعظم ما كان لدينا، هو كما أسلفت بدايات جيدة للدخول في التصنيع.

إنّ التجربة الصناعية لا تشبه الإقطاع، إن لم نقل إنها نقيضه الموضوعي التام، حتى ولو اشتركت ببعض الأسماء أو العائلات، هذا في حال بدأنا، ولو لمرة، بتناول الأمر موضوعياً بعيداً عن اللغة الثأرية أو المكنونات الانتقامية التي يتعاطى بها بعض مجتمعنا بتخبط بين الحالتين منذ حدوث التأميم إبان دولة الوحدة برئاسة جمال عبد الناصر إلى يومنا هذا.

نشأ الإقطاع الفلاحي من رحم الاستعمار وارتبط به لعقود، بل قد تعدو قروناً، وتشابكت خريطته مع الحروب والتهجير والتنكيل والتطهير الديمغرافي والطائفي الذي مارسته السلطنة العثمانية في بلادنا، ثم استثمره المستعمر الفرنسي في كسب الولاءات، أما اقتصادياً، فإنّ معظم تلك الأراضي كانت تزرع بشكل بدائي ومتخلف ولم تدخل في طور الإنتاج ولم تعط الناس حقوقها بل على العكس وقد كُتِب في ذلك الكثير.

أما الشركات الصناعية، فقد تأسست بجزء كبير كشركات مساهمة من عائلات سمعنا عن بيعها الذهب لشراء الأسهم كما دخلت في مواكبة أحدث ما يتطور في العلم والتقانة العالميين، أي أننا نتحدث عن مواصفات حداثية بالمعنيين العلمي والاقتصادي والحقوقي وهي تجربة تمّ وأدها في مهدها الأول.

أما الكيفية التي نظر فيها الحزب السوري القومي الاجتماعي بهذا الشأن، كما سيطالب الكثيرون توضيحه، فهي موجودة في المبدأ الإصلاحي الرابع الذي وضعه مؤسس الحزب أنطون سعاده حيث يقول في الشأن الاقتصادي:

إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة ‏والدولة. وبالشرح، فإنّ كلّ عبارة في هذا المبدأ تتضمن معنى قائماً بذاته، كما يتضمن سياق المبدأ الكلي معنى متكاملاً، فقد استخدم عبارة إلغاء الإقطاع نظراً للبعد السياسي والإرث الاستعماري لحالة الإقطاع وليس ثأراً من الأشخاص طبعاً، خاصة أنّ قسماً منهم قد اقتنع، بعكس آخرين احتفظوا بالموروث الإقطاعي حتى في تكوينهم النفسي.

 أما تنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج، فيعني تماماً تشجيع الصناعة والإنتاج الناشئ وليس تأميمهما كما حصل، وبالمناسبة فإنّ هذا ينطبق حتى على الشركة الزراعية التي نشأت في منطقة الجزيرة السورية تحت اسم أصفر ونجار لأنها كانت تجربة تعاكس الحالات الإقطاعية المتخلفة السائدة. وبالنسبة إلى عبارة «إنصاف العمل»، فهي تعني حقّ كل من الدولة والعامل، أي حصول الدولة على الضرائب الحقة، ولا نريد التفصيل فلذلك بحث آخر، وحصول العامل على الأجر المجزي من عمله الذي يكفيه لتأمين عيش كريم. ومعنى «صيانة مصلحة الأمة والدولة» فهو أنّ كلّ ما يتعلق بالمصلحة الكلية التي تستطيع الدولة العادلة تحديدها لكلّ حالة محددة، تماماً كما تتعامل دولة الصين اليوم مع شركة «هواوي» حيث يعتبر مصيرها ملازماً لمصير أمنها القومي.

إذاً، الاختلاف كان يكمن في أنّ عقيدة الحزب السوري القومي الاجتماعي كانت تدعو إلى إلغاء الإقطاع، ورغم أنه قد بدأ مع التوجه الاشتراكي لـ»الناصرية» و«البعث» و«الشيوعي»، إلا أنه بقي ناقصاً ولم ينجز، ولكن في المقلب الآخر كان المطلوب دعم التجارب الصناعية والشركات المساهمة بل ويمكن تأسيس شركات مساهمة بين الصناعيين والدولة أيضاً لاستثمار مزايا الكلّ. هذا ما حصل عكسه آنذاك، حتى جاءت مرحلة جديدة لاحقاً اتخذت سمات متنوّعة بين النجاح والفشل أو الإفشال في مرحلة السبعينيات التي قادها الرئيس الراحل حافظ الأسد وجاءت تخفيفاً للغلواء المفرطة في الفهم الاشتراكي الذي بدأ مع مرحلة الرئيس جمال عبد الناصر، فبدأ في سورية نوع من التماهي مع المبدأ الإصلاحي الرابع للحزب القومي ولو لم يكن معلناً، وفي هذا الشأن فقط، يقول عالم الاقتصاد الأميركي ميلتون فريدمان «إنّ أفضل ما يمكن أن تحصل عليه هو قبول أفكارك من دون أن تُنسب إليك».

طبعاً، هذا ما حصل مع الصين الشيوعية التي لا تؤمن بمقولة لينين «يا عمال العالم اتحدوا»، فمصالح الأمة الصينية هي المعيار لكلّ شيء حيث يهمها شركاتها ومصالح عمالها لا عمال الشركات الأجنبية.

كل هذه المراجعة الضرورية التي أكتبها هنا، مع علمي بأنني سأتعرض للنقد من قبل الكثيرين، وهذا ما يسعدني إن كان النقد علنياً وموضوعيا بالنقاش، لكن ما لا يسر هو التجاهل الذي تمارسه النخبة لأخطر مراحل تشكل حوامل الإنتاج في البلد وتركها عرضة للمسلمات الجاهزة ثم تصنيف كل من يتناولها بين خانة معنا أو ضدنا.!

هنا تبرز أهمية الموضوع المطروح والسؤال الأهم وهو: هل لدينا إقطاع جديد في سورية قد لا تقل خطورته وضرره عن ضرر الإقطاع السابق وأين يتمثل؟

الإقطاع_العقاري

إنّ أوجه التماثل بين الإقطاع العقاري الجديد والإقطاع الزراعي القديم، هي عديدة وإن كانت الاختلافات أيضاً عديدة، لكننا هنا معنيون بتشريح الأثر الخطير على الاقتصاد والمجتمع.

فتكديس ثروات الأمة والبلد داخل كتل الإسمنت وما بها وعليها، أي ضمن العمارات الكثيرة الغالية والفيلات الفارهة، بدلاً من تحويل الجزء الأكبر من هذه الثروات المالية نحو الاستثمار الصناعي والزراعي عالي التقنية (الذي يستطيع تحقيق وفورات مالية هائلة لو تم ضخ الأموال فيه بشكل حقيقي لا شكلي) والاستثمار السياحي والثقافي والاستثمار في التقانات العالية والاختراعات وفي تطوير المناطق الأثرية والسياحة الطبية وغيرها مما يمكن عده تفقيطاً، ولكلّ مجال على حدة، و يستطيع كل قارئ حصيف أن يقوم بأبسط أنواع المقارنة بين ما يعرفه بدقة من أمثلة حوله وبين تلك الفرص المهملة على امتداد الوطن، وأن يجري مسحاً إحصائياً بسيطاً بنفسه، حيث لا توجد إحصاءات دقيقة منشورة، ولا نكاد نقرأ بحوثاً جادة تظهر ما يجري على أرض الوطن، كما لا نعلم ما تحتويه آلاف أطروحات الماجستير والدكتوراه في عشرات الكليات الاقتصادية الوطنية، حيث لم نسمع يوماً عن استقبال وزارة ما لمجموعة من الباحثين ومناقشة أو بحث إمكانية تطبيق ما أنجزوه من أبحاث، حتى يصح الاعتقاد بأنّ كل ما يجري من بحوث منعزل تماماً عن أي تطبيق.

نعم، فبحثنا البسيط سيفضي إلى وجود آلاف العقارات والفيلات من فئة المليار ليرة وخمسة مليارات وعشرة مليارات وأكثر، قيمة وعدداً، وهذه كلها لا تسهم بأي شكل من الأشكال في الناتج المحلي الاقتصادي وإن أي مقارنة بسيطة لوجود تلك الكتلة المالية ضمن هذا العقار أو في أحد المجالات الاستثمارية التي عددناها أو لم نعددها، ستفضي ببساطة إلى استنتاج واضح بأنّ هذا المجتمع إما أن يتحول إلى الشكل الفاعل الإنتاجي، بما يملك من إمكانيات، أو أن يرزح تحت نير الاقتصاد الريعي الذي سيخضع عاجلاً أم آجلاً مع أول انفتاح اقتصادي سيحصل، وهو سيحصل قريباً، ليغدو اقتصادنا، بجلّ قوته، تحت رحمة لعبة المال العالمية وكلها مرتبطة بالاقتصاد الغربي بدءاً من دول الخليج إلى كل الدول وهي معادلة لم تستطع حماية المواطنين الأميركيين إبان أزمة الرهن العقاري عام 2008، فما بالك بمواطنين من بلادنا؟

إنّ الإقطاع بصيغته القديمة في مرحلة ما بعد الاستقلال وكونه حالة متخلفة وظالمة للناس ولا تسهم بحقّ في الناتج الوطني، تشبه إلى حد بعيد الفرق بين الاستثمار في العقارات الفارهة والاستثمار في الاقتصاد الإنتاجي.

ما العمل؟

بالتأكيد، إننا لا ندعو إلى اختراع قوانين تأميم تشابه ما حصل منذ سبعة إلى ستة عقود خلت، بل إنّ القوانين الرحيمة والهادئة وتطبيقها السلس والموضوعي والمنفتح على شرح فوائد هذه القوانين على كلّ المجتمع، هو السبيل الناجع لتحويل نمط الاقتصاد من الشكل الريعي الخطير الذي يسير نحوه، بتسارع لم يحصل منذ نصف قرن إلى الآن، وهو يتمثل في دراسة سن تشريعات تضع ضريبة تصاعدية على العقارات بدءاً من تقييم مالي يستثني كلّ الأملاك التي تقل عن نصف مليار ليرة مثلاً، ثم يدفع كلّ ما يفوق ذلك وفق تقدير صحيح ضريبة يمكن أن تبدأ من واحد بالألف سنوياً أو أقلّ أو أكثر.

إنّ تطبيق تشريع كهذا، لو حصل بشكل صحيح ومنصف وغير مشوّه، لا عمداً ولا بغير قصد أو تكاسل عن دراسته بجدّ، سيكون وحده كافياً لتأمين أكبر مورد مالي للخزينة العامة يسهم في وضع وتنفيذ الخطط التنموية الملحة ورفع مستوى الدخل للمجتمع والعائلات الأقلّ دخلاً، خاصة للموظفين، تلك الشريحة الهائلة الأكثر معاناةً وظلماً من جراء توحش الغلاء، كما ستسهم في كبح جماح الغلاء غير المنطقي في الأسعار الوهمية للعقارات الذي لا يسهم أبداً في تطوير العجلة الاقتصادية في الدولة، والأهمّ أنها ستبدأ في تحويل المجتمع تدريجياً نحو الاستثمار الإنتاجي، خصوصاً مع سنّ تشريعات حديثة لتسهيل تأسيس آلاف الشركات المساهمة للاستثمار الصناعي والزراعي والسياحي وغيره، وإن ذلك سيحول دون تكدّس المال النازح من العقارات نحو المساهمة في تلك الشركات.

بقي أن أشير إلى أمرين:

الأول هو عقم التفكير الذي يظن أو يحاول الترويج لفكرة أن تدفق الاستثمار الخارجي سيحل كل الأزمات ويحول البلد إلى رغد العيش.

الثاني أن كل ذلك لا ينطبق أبداً، بل يتناقض مع مشروعات إعادة إعمار سورية، لأن الحديث يتعلق بالعمارات الفارهة عالية التكلفة أو القيمة السوقية حالياً، أما استحداث أحياء ومدن جديدة وتطوير مناطق عقارية جديدة تحتوي على مواصفات حياة من شأنها توسيع شريحة الطبقة الوسطى في المجتمع، فذلك يصب في تطوير الاقتصاد، خاصة لجهة توسيع المناطق السكنية التي من شأنها تخفيف الاكتظاظ السكاني في المدن، شرط ربطها بشبكة عصرية من الطرق السريعة وسكك الحديد.

إننا اليوم، نقف أمام مفترق طرق حساس، يخرج فيه البلد من حرب بالغة التدمير أصابت جل القطاعات والشرائح، ولا بد أن نعمل العقل الكثير والتفكير المديد والحوار المثمر لاستنباط أفضل الرؤى القابلة للنهوض بأعباء التنمية المقبلة، من دون أن نعرض البلاد لهزات قد لا تقل خطورتها عن خطورة ما دمرته الحرب، وما السنوات القليلة الماضية إلا مؤشر أولي على الخطر المحدق بخسارة البنية الإنتاجية السورية التي كانت ميزة هائلة لا يشبهنا فيها أيّ بلد آخر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عميد الاقتصاد في الحزب السوري القومي الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى