أولى

عقبات ولادة الاتفاق النوويّ «إسرائيليّة» ـ أميركيّة المنشأ

} حسن حردان

انتظر العالم إعلان العودة إلى الاتفاق النوويّ الإيرانيّ مذيّلاً بتوقيع كلّ من طهران وواشنطن ومجموعة الأربعة زائداً واحداً، وذلك بعد مفاوضات شاقة انتهت بصيغة أوروبيّة لاقت رضا الطرفين الإيراني والأميركي، لكنها ظلت ناقصة بالنسبة إلى إيران بنقطتين مهمتين بالنسبة لها:

النقطة الأولى، الحصول على ضمانات أميركية بالالتزام في تنفيذ الاتفاق، وعدم تكرار الانسحاب منه على غرار ما فعل الرئيس السابق دونالد ترامب إرضاء لـ «إسرائيل»، ولأنّ ذلك غير ممكن كما تقول إدارة الرئيس جو بايدن، على الأقلّ إعطاء ضمانة أن تبقى الشركات الأميركية والأوروبية تواصل تنفيذ مشاريعها الاستثمارية في إيران إذا ما حصل تغيير في البيت الأبيض وجاء رئيس جمهوري وقرّر الانسحاب مجدّداً من الاتفاق.. وهذا الأمر ليس ثانوياً أو تفصيلاً، بل هو أمر جوهري بالنسبة إلى إيران، لأنّ الحصول على مثل هذه الضمانات، يعني أنها ستضمن استفادتها من الجانب الاقتصادي الذي يهمّها من الاتفاق، في مقابل التزامها بخفض تخصيب نسبة اليورانيوم إلى ما دون الخمسة بالمئة، وإخضاع برنامجها النووي للرقابة الصارمة من قبل منظمة الطاقة النووية..

النقطة الثانية، إقفال تحقيقات وكالة الطاقة النووية، التي استندت إلى تقارير «إسرائيلية» مفبركة تتهم إيران بأنّ لديها شقّاً تسليحياً سرياً في برنامجها النوويّ.. وهو الأمر الذي أثار الريبة الإيرانيّة من دور رئيس الوكالة رافايل غروسي وتواطئه مع «إسرائيل» في تبني هذه التحقيقات إثر زيارة له إلى «تل أبيب»، مع انّ الأخيرة لا يربطها ايّ اتفاق مع الوكالة، رغم أنها تملك برنامجاً نووياً من عقود، وصنعت القنابل والرؤوس النووية، وترفض ايّ رقابة دولية على هذا البرنامج الخطير.. ولهذا فإنّ إيران توجّست من فتح مثل هذه التحقيقات وإبقائها مفتوحة بعد التوقيع على الاتفاق يعني أنّ واشنطن، وبالتعاون مع وكالة الطاقة الدولية، تريد استخدامها سيفاً مسلطاً على إيران لابتزازها كلما أرادت ذلك.. من هنا أصرّت طهران على إقفال هذا الملف، اذا كانت واشنطن والعواصم الغربية جادة ولا تنصب فخاً لإيران

انطلاقاً مما تقدّم، يتضح انّ طهران لا تضع شروطاً جديدة كما تدّعي واشنطن، بل تطرح الحصول على ضمانات لتنفيذ الاتفاق بكلّ بنوده، ومن قبل جميع الأطراف، وليس من قبل طرف واحد هو إيران على غرار ما حصل إثر توقيع الاتفاق عام 2015 حيث ظلت إيران وحيدة تنفذ الاتفاق فيما امتنعت واشنطن ومن ثم انسحبت من الاتفاق وأجبرت حليفاتها الغربيات على سحب شركاتها من إيران…!

وعليه فإنّ رفض واشنطن إعطاء مثل هذه الضمانات يؤكد انها هي، وبالاتفاق مع الحكومة «الإسرائيلية»، من يضع العقبات أمام توقيع الاتفاق.. كما أنّ واشنطن قد تعود إلى استخدام تحقيقات الوكالة الدولية المفبركة، وهي «إسرائيلية» المنشأ، ورقة للعودة إلى تبرير الانسحاب من الاتفاق وفرض العقوبات من جديد، لا سيما أنها رفضت رفع العقوبات عن الحرس الثوري الإيراني.

من هنا فإنّ استمرار واشنطن في إبقاء هذه العقبات وعدم العمل على تذليلها، هو السبب الفعلي لتأخير التوقيع على الاتفاق، خصوصاً أنّ طهران تريد اتفاقاً للتنفيذ ويضمن لها حقوقها انطلاقاً من انّ ايّ اتفاق إنما فيه منفعة متبادلة للأطراف الموقعة عليه..

وفي حال واصلت واشنطن عنادها في عدم تذليل هذه العقبات، فمعنى ذلك أنّ الاتفاق لن يرى النور، وسوف تخسر أوروبا فرصة الحصول على النفط والغاز الإيراني الذي تحتاج اليه، فيما الولايات المتحدة الأميركية ليس لديها خيارات تجبر إيران على التوقيع على اتفاق لا يضمن حقوقها.. خصوصاً، بعد فشل سياسة الحصار في إخضاع إيران التي نجحت في الصمود وتطوير اقتصادها وكسر العزلة من خلال إقامة الشراكات والعلاقات الاقتصادية مع روسيا والصين وغيرهما من دول شرقية.. أما الخيار العسكري لضرب وتدمير البرنامج النووي الإيراني، فإنّ المسؤولين في البنتاغون يعرفون جيداً أنّ ذلك مستحيل لانّ برنامج إيران منتشر في كلّ أنحاء إيران ومحصّن جيداً، عدا عن قدرات إيران الدفاعية التي تمكّنها من ضرب القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة وتوجيه ضربات موجعة للكيان «الإسرائيلي».. ولهذا فإنّ الإدارة الأميركية تدرك جيداً أنه ليس أمامها من خيار سوى اللجوء الى الدبلوماسية كما تدّعي، ايّ الاتفاق مع إيران.. التي تملك أيضاً ورقة قوة إضافة إلى قوّتها العسكرية الدفاعية، وعلاقاتها الاقتصادية، وهي ورقة مواصلة تطوير برنامجها النووي إلى مستويات متقدّمة تمكنها سريعاً من الوصول إلى العتبة النووية ودخول كلّ مجالات الصناعة النووية للأغراض السلميّة مما يعزّز استقلالها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى