أولى

هل يُبادر لبنان ويُعيد العرب إلى سورية؟

رمزي عبد الخالق
يعقد وزراء الخارجية العرب يوم غدٍ الأحد في مقرّ جامعة الدول العربية في القاهرة اجتماعين غير عاديّين لبحث الحرب في السودان ومسألة عودة سورية إلى الجامعة العربية.
طبعاً يجب أن يكون للعرب موقف إجماعي وعملي باتجاه وقف الحرب في السودان، والعرب قادرون إذا أرادوا وتوحّدوا أن تكون لهم مبادرة حاسمة تجاه طرفي النزاع في السودان، لمساعدة كلّ منهما على التراجع خطوة إلى الوراء، وذلك بدلاً من ترك الأبواب مفتوحة أمام الآخرين، لا سيما العدو الصهيوني، للتدخل سلباً في السودان وزرع بذور التفرقة بين السودانيين، وصبّ الزيت على النار، مما يجعل الحرب تطول فتزداد خسائر السودان في البشر والحجر والاقتصاد، وهذا لا يمكن أن يكون مفيداً إلا لأعداء السودان والعرب أجمعين.
أما سورية التي يبحث وزراء الخارجية العرب مسألة عودتها إلى الجامعة، والأصحّ أن يُقال عودة الجامعة العربية إلى سورية، فيجب أن يكون للبنان الدور المفصلي في هذا المجال، حيث لا بدّ لوزير الخارجية اللبناني (الدبلوماسي المخضرم) الدكتور عبد الله بو حبيب أن يأخذ زمام المبادرة ويطرح الموقف الداعم لسورية، تماماً كما فعل سلفه الأسبق وزير الخارجية اللبناني (الدبلوماسي المخضرم أيضاً) الدكتور عدنان منصور الذي وقف وحيداً في اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة في 12 تشرين الثاني 2011 رافضاً بشكل قاطع قرار تعليق مشاركة وفود سورية في اجتماعات مجلس الجامعة العربية وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها.
وقد فاجأ هذا الموقف الحاسم المجلس الوزاري العربي الذي كان يجهد طوال الأشهر السابقة للوصول إلى هذا القرار بالإجماع، وعقد بين 27 آب و12 تشرين الثاني 2011 أربعة اجتماعات متتالية على مستوى وزراء الخارجية وخمسة اجتماعات للجنة الوزارية المعنية بالوضع في سورية، وكان المتوقع أن يتخذ لبنان موقف «النأي بالنفس» الذي درَج على اعتماده رئيس الحكومة آنذاك نجيب ميقاتي، لكن الوزير منصور تولّى بشجاعة موصوفة تظهير موقف لبنان الطبيعي تجاه سورية، والذي لا يمكن أن يكون إلا كذلك.
واعتبر الوزير منصور في مداخلته «أنّ قرار المجلس الوزاري العربي يشكّل سابقة خطيرة تفسح في المجال أمام التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية لدولة عضو في الجامعة العربية، أكان هذا التدخل سياسياً أو أمنياً أو عسكرياً، ويقوّض أسس السلام والاستقرار في سورية والمنطقة ويضع مصداقية الجامعة في الميزان».
وأبلغ الوزير منصور المجتمعين في القاهرة حينذاك اعتراضه الواضح والصريح على قرار تعليق عضوية سورية، «لأنّ هذا القرار لا يخرجها من أزمتها، إنما سيُعقّد الأمور أكثر فأكثر ولن يؤدّي إلى الحلّ الذي نتطلع إليه جميعاً، ألا وهو الأمن والاستقرار وعودة الحياة إلى طبيعتها ووحدة وسلامة سورية».
وقد أربك موقف الوزير منصور المجلس الوزاري العربي، باعتبار أنّ ميثاق الجامعة العربية ينص على أنّ قرار تعليق عضوية أيّ دولة يلزمه إجماع الأعضاء، خاصة أنّ هذا البند وُضع في الميثاق من أجل لبنان، الذي كان بعض مسؤوليه في العام 1945 يريدون استباق أيّ بحث أو حديث عن الوحدة العربية، ولذلك جرى بناء لطلبهم تضمين الميثاق شرط الإجماع لاتخاذ مثل هذه القرارات.
ولكن خصوم سورية (وهم كثر حينذاك)، أصرّوا على تنفيذ قرار تعليق عضويتها رغم مخالفته لميثاق الجامعة العربية، وذلك في سياق الاستجابة لمقتضيات الحرب الكونية التي شُنّت عليها ليس فقط لإخراجها من الجامعة العربية بل للقضاء على الدولة السورية نفسها… وهو ما واجهته سورية بجيشها الباسل وشعبها الأبي وقيادتها الشجاعة، وانتصرت عليه بدعم من حلفائها الأوفياء وفي المقدّمة قوى المقاومة في لبنان وإيران وروسيا…
التذكير بما حصل في العام 2011 هو لأخذ العبرة والاستفادة منه اليوم في تظهير الموقف اللبناني من جديد، وهذه مهمة يقدر عليها طبعاً وزير الخارجية الدكتور عبدالله بو حبيب، خاصة أنّ لديه ما يساعده ويسهّل طريقه لإنجاز هذه المهمة، والمقصود طبعاً المستجدات الحالية في المنطقة، لا سيما مع عودة العلاقات الثنائية بين سورية والعديد من الدول العربية، وآخرها السعودية، وكذلك لجهة الاتفاق السعودي ـ الإيراني برعاية الصين، بما يعنيه ذلك من تراجع لدور الولايات المتحدة الأميركية ونفوذها في أكثر من ساحة دولية وإقليمية…
وعلى أهمية هذه الظروف المستجدة التي يمكن أن يُعوّل عليها الوزير بو حبيب، إلا أنّ لبنان بموقعه الطبيعي وبما ينص عليه دستوره من ضرورة أن تكون علاقاته مع سورية مميّزة، هذا فضلاً عن التاريخ والجغرافيا، وعن النسيج الشعبي والاجتماعي الواحد بين الدولتين، كلّ هذا يفرض على الوزير بو حبيب أن يكون في الموقف الطليعي المتقدّم يوم غد في اجتماعات القاهرة، ليُسمع كلمة لبنان إلى أقرانه العرب، وليدفع بهم إلى اتخاذ القرار المناسب بالعودة إلى سورية، خاصة أنّ حجة الإجماع ساقطة قياساً بما ذكرناه آنفاً عما حصل في العام 2011… وخاصة أيضاً أنّ الوزراء العرب بغالبيتهم الكبرى هم مع إلغاء القرار السابق، وإلا لما تداعوا إلى القاهرة.
لذلك، أقدِم يا معالي الوزير، وسجل في كتابك الدبلوماسي هذا الإنجاز التاريخي…

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى