مقالات وآراء

غربلة الأمثال الشعبية ضرورة لحفظ العقول وحماية الأجيال

‭}‬ سارة السهيل
الأمثال الشعبية مستقاة من خبرات وتجارب الناس في أزمنة معينة، وهي خلاصة تجاربهم العميقة في تلك الأزمنة، ومع صدقها فإنّ بعضها قد يصلح لزمان دون آخر ولبيئة جغرافية وثقافية دون غيرها.
كثيرة هي الأمثال التي تناقلتها الأجيال وتكرّست كأنها دين موازٍ للأديان السماوية، يتمسك به الجمع العقلي الشعبي كموروث قد يغلب ويطغى على الشرائع السماوية خاصة في ما يتصل بالمرأة والنظرة الى المستقبل…
وللأسف فإننا توارثنا كثيراً من الأمثال المهلكة عقلياً ونفسياً واجتماعياً، والتي ليس لها أيّ أساس شرعي أو ديني أو أخلاقي، وكم من الأمثال الشعبية السلبية والمغلوطة التي ضللت عقول أجيال ودمّرت بيوتاً وهدمت تطلعات الكثيرين بالمستقبل، وغيّبت بعضها وطمستها ولم يستفد الكثيرون من طاقاتهم العقلية والروحية استناداً لما تشبَّعوه من أمثال متوارثة تحوّلت في مجملها الى عقائد اجتماعية مغلوطة شكّلت عقولهم ووجدانهم ورؤيتهم للحياة.
‏‎وقد كبرتُ ورأيتُ أنّ فاقد الشيء قد يعطيه، وأنّ الكتاب قد يختلف من عنوانه، وأنّ رضى الناس ليس غاية أصلاً، وأنّ باستطاعتي ان أشتري «لحافاً» آخر لأمدّ قدمي كما أريد.. وأنّ اليد الواحدة ربما لا تصفق لكنها تربّت وتعين، وأن أشقّ طريقاً ثالثاً حين أُخيَّر بين طريقين لا أرغبهما،
فكيف أصدّق إذن انّ الأمثال الشعبية المخالفة تماماً للواقع الذي عشته في حياتي وتجاربي الشخصية؟
لا شك انّ هناك العديد من الأمثال الشعبية التي تحقق معادلة خبرات الشعوب قديماً ومصداقية الواقع المعاش لها، خاصة الأمثال التي تحفّز الانسان على التقدّم وقهر اليأس والداعية للتفاؤل والبناء، وهناك الأمثال الأخرى المحرِّضة على العنف وسوء الظنّ بالآخرين، وتهميش المرأة والحضّ على إنكار حقوقها، ومنحها كرامة فقط بالانتساب للزوج إذا كان يحترمها وسلبها هذه الكرامة اذا انتقص الزوج من مكانتها الاجتماعية أمام الآخرين كما في الأمثال الشعبية العربية «اللي جوزها يقول لها يا عوره يلعبوا بيها الكورة»، واللى يقول لها «يا هانم يقفولها على السلالم»، و«لو الطلاق بإيد المرأة بتصير الحياة مسخرة»، و«غيرة المرأة مفتاح طلاقها».
مثل هذه الأمثال تسلب المرأة حقها في الطلاق رغم بعض النصوص الشرعية التي تبيح ذلك الحق في حالات معينة كالخلع مقابل التنازل عن مهرها وحقوقها، وبعضها يسلبها طبيعتها البشرية كالغيرة مثلاً.
لا شك انّ الكثير أيضاً من الأمثال تحترمها عقولنا وتقبلها خاصة المتصلة بالحب والاستقامة الأخلاقية، والاعتزاز بالنفس وحفظ كرامة الانسان والرضا بالرزق، ومن نماذجها الراقية «اللي يحبه ربه يحبّب فيه خلقه»، «امشي عدل يحتار عدوك فيك»، «بصلة المحب خروف». «أكل مسني وأعيش مهني، ولا كبابك اللي قتلني»، تعبيراً عن «حب الطعام القليل بعزة خير عن كثيره بإذلال ومهانة».
ومن الأمثال الداعية الى الصدق، «قل له في وشه ولا تغشه»، و«كل عقدة ولها حلال» وهو من الأمثال البناءة التي تحفز طاقة التفاؤل عند الأزمات،
وكذلك حين يقولون «إنْ دبلت الوردة ريحتها فيها« وهو تعبير عن الإنسان عندما يتقدّم به العمر ويفقد منصبه وقوته لكنه لا يزال يتمتع بمواهبه العقلية والروحية وكرامته الغالية.
وهناك العديد من الأمثال المتضاربة في ما بينها، وهذا التضارب يؤكد حاجة الإنسان إلى إعمال عقله وتدبّره فرز ما يتلقاه من أمثال وانتقاء ما يناسب تجربته وصدق الواعي معها.
فـ المثل الذي يحبّب الآباء في البنات «أب البنات مرزوق«، يقابله أمثلة أخرى هدامة منها «عقربتان عالحيط ولا بنتين بالبيت»، و«صوت حيّة ولا صوت بنيّة»، و»البنت للعفن والولد للكفن»، و «إنْ ماتت إختك انستر عرضك وإن مات أخوك انكسر ظهرك».
هذه النماذج المهلكة والمتخلفة من الأمثال يجب طمسها من حياتنا الاجتماعية وتدليتها بلغة الكمبيوتر من ذاكراتنا الجَماعية، خاصة التي تهين المرأة وتدمّر تطلعها للمستقبل وحريتها في إعمال عقلها، أو الأخرى التي تهين كرامة بني آدم وخضوعه لغير الله…
دعوة
أدعو كلّ ذي عقل في عالمنا العربي كبار بالسن وشباب وبنات وأولاد ورجال ناضجين لغربلة كلّ ما «حشيت» به عقولهم ووجدانهم من أمثال مغلوطة مضللة، تتنافي مع نعم الله علينا من عقل وقلب وحرية وأديان مقدسة تنير الدرب أمام الضلالات الفكرية التي نعيشها بفعل هذه الأمثال المتخلفة والتي لم ينزل الله بها سلطان،
وعلى المؤسسات الفكرية والدينية والتعليمية والإعلامية في وطننا العربي كله من المحيط الى الخليج ان يتبنّى استراتيجية عبر مفكريه ومثقفيه المتخصصين لغربلة الأمثال الهدامة وفضح طاقاتها السلبية واظهار تأثيراتها الخطيرة على عقولنا وحياتنا الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى