أولى

الواقعية السياسية المزعومة وحركات التحرر الوطني

‭}‬ د. محمد سيد أحمد
فوجئت بالمذيع وضيفه الذي نعته بالمفكر يقذفان بوجهي مباشرة مصطلح الواقعية السياسية من فوق منبر الإخبارية السورية أحد ركائز الإعلام الوطني للدولة العربية السورية التي اختارت منذ زمن بعيد أن تقف في خندق المقاومة في مواجهة العدو الصهيوني، فقال قائدها الخالد حافظ الأسد «من الأفضل أن أورث شعبي قضيّة يناضل من أجلها على أن أورثه سلاماً مذلاً». وجاء من بعده القائد البطل بشار الأسد ليؤكد على تمسكه بخيار المقاومة وخاض حرباً كونية لا تزال مستمرة على مدار ثلاثة عشر عاماً كان يمكن أن لا تحدث لو وافق على الجلوس على طاولة المفاوضات مع العدو الصهيوني وترك الشعب الفلسطيني وحيداً في مواجهته. وكانت المناسبة هي حوار حول المقاومة الفلسطينية البطلة والشجاعة والتي تخوض مواجهة شرسة مع قوات العدو الصهيوني – الذي يمارس كلّ أشكال العنف والإرهاب بل وإبادة الشعب العربي الفلسطيني في قطاع غزة – حيث كبّدته هو وداعميه خسائر هائلة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية بل والنفسية والأدبية عبر عملية طوفان الأقصى التي انتصف شهرها السادس ولا يزال العدو الصهيوني في مأزق شديد أمام الداخل والخارج.
والواقعية السياسية التي يعتنقها المذيع وضيفه (المفكر)، يعبّر عنها المذيع بقوله «إنّ المقاومة ليس بمقدورها مواجهة «إسرائيل» التي تمتلك قدرات عسكرية متطورة وهائلة، وبالتالي فهذه المواجهة لن ينتج عنها إلا تدمير قطاع غزة وإبادة شعبه، وبذلك تكون المقاومة قد ارتكبت جرماً في حق الشعب الفلسطيني، لأنها حين قامت بعملية طوفان الأقصى لم تقدر قوة «إسرائيل» جيداً وما سوف تفعله الآلة العسكرية التي تمتلكها من تدمير للحجر والبشر، فغزة قبل عملية طوفان الأقصى غير غزة الآن التي تحولت لأطلال مدينة، أليس كان من الأجدى أن نذهب إلى الاندماج وتذويب هذا الكيان في الديموغرافيا العربية والإسلامية والتطبيع والاتفاقيات؟ ألم يكن ذلك ليقلل من الخسائر، وأن نأخذ من «إسرائيل» ومن يدعمها بعض الحقوق للشعب الفلسطيني؟ وأنه ليس من الواجب أن يجلد أصحاب نظرية العداء الوجودي شعبنا من الحفاة والعراة في غزة بالشعارات».
أما ضيفه (المفكر) الذي نهج نهجه الأعوج فقد تحدث عن أن من يتبنى نظرية العداء الوجودي مع العدو الصهيوني يجب عليهم «أن يعلموا أن الغرب الذي تبنى المشروع الصهيوني لا يمكن أن يقطع ذراعه وعلى أصحاب هذه النظرية أن يتراجعوا عن العداء الوجودي ويقوموا بالحوار والمنطق والاستعداد بالقوة. ونحن مهما امتلكنا من قوة لن نمتلك قوة الغرب. فالمقاومة الفلسطينية مفقودة ومتشرذمة ومنقسمة إلى مئات الأقسام، لذلك يجب أن يقتنع أصحاب نظرية العداء الوجودي أن دولة «إسرائيل» التي اعترف بها العالم عام 1948 – كل القوى العظمى اعترفت بها – يجب الحوار معها وليكن المطلب الرئيس هو إيجاد وطن للفلسطينيين. نحن اليوم نتحدث في الواقعية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية بعيداً عن أي استراتيجية لا واقعية، اليوم هناك حقائق قائمة على الأرض لذلك يجب أن ندخل للحوار بواقعية بعيداً عن الأحلام والخيال».
هذه هي الواقعية السياسية التي يحدثنا عنها المذيع وضيفه (المفكر)، وبالطبع يحاولان إرهابي فكرياً بتذكيري وبإلحاح وصوت مرتفع أن العلوم السياسية بها نظرية تتحدث عن الواقعية السياسية وإذا لم أقر بها، فسوف أكون خارجاً عن زمرة العلماء. ولهما ومَن على شاكلتهما من المطبّعين المتخاذلين الانهزاميين نقول إنّ النظريات في العلوم الإنسانية حتى الآن لا تتعدّى وجهات النظر الايديولوجية، والواقعية السياسية تشير إلى الدبلوماسية التي تستند في المقام الأول على السلطة (هل لدينا سلطة في غزة ) وعلى الاعتبارات المادية (هل لدينا في غزة مصالح مادية)، بدلاً من المفاهيم العقائدية أو الأخلاقية (التي نمتلكها ونخوض الحرب من أجلها في غزة وهي المقاومة والنضال ضدّ المحتلّ، والدفاع عن النفس، والسعي لتحرير التراب الوطني). وبالطبع تشترك هذه المقاربة الفلسفية مع مذهبي الواقعية والبراغماتية، وغالباً ما يستخدم مصطلح الواقعية السياسية في العلوم السياسية للتحقير وذلك للدلالة على السياسة القسرية غير الأخلاقية أو المكيافيلية (فهل ترغبون أن يتحوّل المجتمع العربي والإسلامي بأكمله ليصبح خاضعاً لمصطلح لا يستخدم غالباً إلا للتحقير؟)، هذا ما تؤكده المصادر والمراجع العلمية في صدد التعريف بنظرية ومفهوم الواقعية السياسية.
ولنبتعد قليلاً عن هذه النظريات ذات الطابع الغربي والتي نعلم جيداً كيف يتمّ توظيفها من قبل الإمبريالية والصهيونية العالمية لتزييف وعي الجماهير والنخب في مجتمعاتنا مثلما تم غسل أدمغة المذيع وضيفه (المفكر) ومن على شاكلتهما. وبلغة علمية بسيطة تستند إلى الواقع وتقدم أدلة وبراهين نؤكد من خلالها صحة رؤيتنا ومنهجنا وعقيدتنا المقاومة. فكل حركات التحرر الوطني عبر التاريخ كان فيها المعتدي المحتل أقوى عسكرياً – على أقلّ تقدير- من أصحاب الأرض التي قاموا باحتلالها. فلو سلّم أصحاب الحق بمبدأ الواقعية السياسية المزعوم ما قاموا بتحرير ترابهم الوطني والأمثلة كثيرة، لكن أبرزها نضال ومقاومة أشقائنا في الجزائر ضدّ المحتلّ الفرنسي والتي قدمت فيها الجزائر مليوناً ونصف المليون شهيد، فبالإيمان والتمسك بالحق تمكن المقاومون الأبطال بإمكانيتهم التسليحية المحدودة من هزيمة المحتل الفرنسي وإجباره على الانسحاب.
وبالطبع لا تقارن إمكانيات وتسليح المقاومة في فيتنام وأفغانستان والعراق بالقوات الأميركية الغازية ورغم ذلك هزم العدو الأميركي وأجبر على الانسحاب، ولن ننسى مقاومة سورية منذ اندلاع موجة الربيع العربي المزعوم في بداية العام 2011 وحتى الآن ومواجهتها للمشروع الصهيوأميركي وهزيمته رغم الفارق الكبير في الإمكانيات على كافة المستويات وفي مقدمتها الإمكانيات العسكرية. ولا يمكن أن ننسى المقاومة اللبنانية التي أجبرت العدو الصهيوني على الانسحاب من الجنوب اللبناني عام 2000، وهزمته شر هزيمة وفرضت إرادتها عليه في 2006، لذلك لن نفرط في عقيدتنا التي تؤكد أن معركتنا مع العدو الصهيوني معركة وجود، ولن نفقد إيماننا بقدرة المقاومة الفلسطينية البطلة والشجاعة على هزيمة العدو – رغم فارق الإمكانيات المادية والتسليحية – وتحرير كامل التراب الفلسطيني المحتل. ولا زلنا نؤكد أن ما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة، وأن فلسطين عربية من البحر إلى النهر، رغم أنف المطبعين المتخاذلين الانهزاميين أصحاب الواقعية السياسية المزعومة، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى