Latest News

من قرار الانسحاب من سورية إلى محاولة إقالة ترامب: بعض الأسباب والتداعيات

زياد حافظ

المشهد الإعلامي في الولايات المتحدة يتصدّره حدثان مفصليان لهما تأثيرات عميقة في السياسة الداخلية والخارجية الأميركية. فمن جهة تشتدّ الحملة الإعلامية في الاعلام الشركاتي المتصهين وفي عدد من وسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بالحزب الديمقراطي على الرئيس الأميركي لإقالته. وهذه المحاولة اكتسبت جدّية بعد موافقة رئيسة مجلس الممثلين نانسي بيلوزي على بدء التحقيقات في سلوك الرئيس الأميركي فيما تتعلّق بطلبه من رئيس أوكرانيا تزويده بمعلومات ضد المرشح المنافس له جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي السابق. هذا بعد أن كانت رئيسة المجلس متحفّظة منذ الانتخابات النصفية سنة 2018 على اتخاذ ذلك القرار.

من جهة أخرى هناك قرار الرئيس الأميركي بالانسحاب من شمال شرق سورية وما لاقى من انتقادات جمعت أركان حزب الحرب في الولايات المتحدة، من ديمقراطيين وجمهوريين، للالتفاف حول الدولة العميقة المتمثلة بالأجهزة الاستخبارية كالوكالة المركزية ومكتب التحقيق الاتحادي على سبيل المثال وليس الحصر. غير أن قرار الرئيس الأميركي حول الانسحاب من شرق الفرات له تداعيات داخلية انتخابية قد تُجهض تأثير التحقيقات وملاحقته لإقالته من قبل الديمقراطيين. قد يكون الاستخفاف الديمقراطي بعقل ترامب مصيدة يقع الديمقراطيون فيها مرّة ثانية، وثالثة، ورابعة من دون أن يتعلّموا من أخطائهم. المرّة الأولى كانت عندما هزم منافسيه المخضرمين من قيادات الحزب الجمهوري للحصول على تسمية الحزب الجمهوري كمرشح للرئاسة. وصفّقوا له لأنهم اعتقدوا أن السباق بينه وبين هيلاري كلينتون سيكون سهلاً للغاية. والمرّة الثانية كانت عندما هزم المرشحة الديمقراطية المخضرمة هيلاري كلينتون خلافاً لتوقّعاتهم بل تجسيدا لإهمالهم المزاج الشعبي العام. والمرّة الثالثة كانت عندما تجاوز اتهامات الحزب الديمقراطي بأنه متواطئ مع روسيا في تدخلّ الأخيرة في الانتخابات الرئاسية سنة 2016، وذلك بعد تبرئته مع إعلان نتائج تحقيقات المحقّق الاتحادي روبرت مولر. وقد تكون المرّة الرابعة في تجاوزه لمعركة إقالته كما سنعرضها في الفقرات اللاحقة.

أما التصعيد في العداء المزمن للرئيس الأميركي يستدعي ملاحظات عدّة.

الملاحظة الأولى تتعلقّ بالأسباب التي دفعت قيادة الحزب الديمقراطي في مجلس الممثلين لخوض معركة لا تستطيع الجزم بأنها ستؤدّي إلى إقالة الرئيس في مجلس الشيوخ الذي يتحكّم به الحزب الجمهوري صاحب الأكثرية. هناك روايات عدّة قد تفسّر تلك الخطوة وتتعلّق بالانتخابات الرئاسية المقبلة في السنة المقبلة. فعلى ما يبدو تعتقد القيادة الديمقراطية أن الفارق في التصويت سيكون ضئيلاً جدّاً لحسم المعركة بأي اتجاه. وبالتالي فالحزب الديمقراطي بحاجة إلى تحييد على الأقل ما يوازي واحداً بالمئة من الناخبين إذا ما دبّ فيهم القرف من الجو السياسي بشكل عام، والرئيس بشكل خاص، فيقدمون على الامتناع عن التصويت.

أما الرواية الثانية فهي تعود إلى قرار الدولة العميقة بالتهديد بالإقالة إذا استمر ترامب بالترويج إلى الانسحاب من الساحات الساخنة في المشرق العربي والخليج. وهذه الرواية يدعمها تلازم الكلام عن الإقالة في مراحل سابقة عندما عبّر الرئيس الأميركي عن عزمه إعادة الجنود الأميركيين إلى الولايات المتحدة فارتفعت وتيرة حملة الإقالة. فما كان إلاّ أن تراجع الرئيس الأميركي عن قراره، فتراجع الحديث عن الإقالة وحتى قد اختفى الي حين عاد الرئيس الأميركي إلى تلك المعزوفة. هذه المرّة يبدو الرئيس أكثر جدّية عمّا كان عليه في المرّات السابقة، وبالتالي كان لا بد من إشهار سيف المحاكمة والإقالة. فالقرار الأخير للرئيس الأميركي بالانسحاب من سورية رافقه شبه إجماع في الكونغرس الأميركي، أي في مجلس الشيوخ وفي مجلس الممثّلين، على إدانة ذلك القرار. واكبت تلك الإدانة حملة هيستيرية في الإعلام المهيمن الشركاتي كصحيفة النيويورك تايمز والواشنطن بوست مقالات توماس فريدمان في الأولى ودافيد اغناسيوس في الثانية وعلى شاشات شبكة سي، ان، ان وأم، اس، أن، بي، سي على سبيل المثال. يتلازم انتقاد الرئيس مع تكثيف الإجراءات في التحقيق للوصول إلى الادعاء، فالمحاكمة، فالإقالة.

ويصبح السؤال هل ستنجح تلك المحاولات؟ حتى اللحظة لا يبدو كذلك. فاتهام الرئيس بخرق القانون في مكالمته للرئيس الأوكراني بحثاً عن معلومات ضد منافس مرتقب وهو جوزيف بايدن لا يرتكز إلى دليل قاطع. فهو أقرب للاتهام السياسي في الحد الأقصى وسوء استعمال الموقع الرئاسي في حدّ أدنى وكلاهما غير كافيين للإقالة. من جهة أخرى، لو سلّمنا جدلاً أن الأكثرية في الحزب الديمقراطي ستصوّت على قرار الاتهام والإحالة إلى المحاكمة في مجلس الشيوخ فإن جلسة المحاكمة ستكون في يد الجمهوريين أصحاب الأكثرية ورئيس المحكمة الدستورية العليا المعروف بميوله المحافظة. من الصعب تصوّر أن مجلس الشيوخ سيخلص إلى قرار بأكثرية الثلثين لإقالة الرئيس. القيادة الديمقراطية تعلم ذلك جيّداً ويصبح السؤال لماذا تقدم على معركة خاسرة معروفة سلفاً؟ وهذه الخسارة قد تؤجّج قاعدة الجمهوريين في الحد الأدنى وقد تقود إلى شغب داخلي في الحد الأقصى، والاحتمالان ليسا في مصلحة الحزب الديمقراطي أو قاعدته.

الإجابة قد تكون في التداعيات المباشرة لتلك الحملة. فهناك رواية تقول إن القيادة الديمقراطية غير راضية عن أداء نائب الرئيس السابق جوزيف بايدن الذي كان متقدّماً في استطلاعات الرأي العام على منافسيه الديمقراطيين الأكثر يسارية وفقاً للمعايير الأميركية! وفتح الملف الأوكراني في حملة الإقالة يطال بايدن نفسه في تدخّله في الشأن الأوكراني عندما كان نائباً للرئيس وطلبه من الرئيس الاوكراني بعزل المدّعي العام المولج بمكافحة الفساد بعدما استهدفت تلك المكافحة شركة الغاز بورينا الذي يجلس في مجلس إداراتها ابن نائب الرئيس بايدن ويتقاضى ما يوازي 50 ألف دولار شهرياً، وهو لا يملك أي كفاءة أو تجربة في حقل الطاقة بشكل عام والغاز بشكل خاص. فهناك تهمة فساد واضحة تلطّخ سمعة نائب الرئيس الأميركي السابق وبالتالي تصبح تلك الفضيحة كافية ليعزف عن متابعة حملته الانتخابية. وما يمكن أن يعزّز تلك الرواية هو سكوت الرئيس السابق باراك أوباما وعدم التقدم بدعم نائبه السابق ولا حتى الدفاع عنه، وكأنه لا يريد أي يصل بايدن إلى تسمية الحزب الديمقراطي ناهيك عن الوصول إلى البيت الأبيض.

لكن هذه الرواية وإن كان لها بعض المصداقية، فإنها لا تبرّر إقدام القيادة الديمقراطية على لعبة السولد وكأنها مسلّمة سلفاً بخسارة السباق إلى البيت الأبيض. الاعتبار الأهم قد يكون في رأيها ربما الحفاظ على تماسك الحزب خاصة أن القاعدة الشابة لم تعد تتحمّل توجّهات القيادة. كما أن الرهان هو في كسب الأكثرية في مجلس الممثلين ومجلس الشيوخ، خاصة أن بعض الشيوخ الجمهوريين يواجهون سباقات صعبة. فإثارة الرأي العام ضد الحزب الجمهوري في الانتخابات التشريعية قد تكون ورقة أكثر ربحية من البيت الأبيض، حيث يمكن شلّ كل محاولات التشريع التي قد يقدم عليها الرئيس الأميركي. كما أنها تعتقد بإمكانها تجاوز حق النقض في ما يتعلّق بتشريعات لا تستجيب لأجندة الرئيس الأميركي. المعركة الفعلية قد تكون عام 2024 حيث التحوّلات الديمغرافية قد تزيد من تراجع عامل الناخب الأبيض الذي يخسر أكثريته التاريخية لصالح الناخب الملوّن، أي صاحب البشرة السمراء أو الصفراء أو السوداء، وذلك وفقاً لتوجهّات النمو الديمغرافي الحالي لمكوّنات الشعب الأميركي. هذا الرهان قد يكون في مكانه لو استمّرت الأمور على ما هي عليه اليوم، ولكن لا أحد يستطيع أن يجزم أن الولايات المتحدة لن تواجه أزمات مصيرية داخلية قد تكون وجودية خلال الولايات الثانية المرتقبة لدونالد ترامب. هذا ملف آخر خارج سياق هذه المقاربة، ولكن حيثياته في غاية الأهمية.

الملاحظة الثانية، هي حول الخطاب المهيمن هذه الأيام وتكمن في ربط الإقالة بـ الخيانة التي يرتكبها الرئيس بحق الحلفاء في المنطقة. وليست من الصدف أن تنعت الصحف الصهيونية داخل الكيان الرئيس الأميركي بالخيانة، وكأنه لم يف بأي وعد قطعه للكيان. والجدير بالذكر أن الإعلام المهيمن الشركاتي في الولايات المتحدة تحت سيطرة اللوبي الصهيوني ومعظم كتّابه ومحرّروه ينتمون إليه. ففي ذروة شهر العسل بين ترامب والكيان الصهيوني لم يكفّ الإعلام المهيمن عن ملاحقة الرئيس الأميركي والطعن في شرعية انتخابه. واليوم يتوحّد الإعلام الأميركي مع الاعلام الصهيوني في نعت الرئيس الأميركي بكل النعوت. ومن هنا يمكن طرح السؤال هل الرئيس الأميركي دونالد ترامب يميل إلى الصهاينة أم هي انتهازيته المعهودة التي جعلت إعطاء الكيان من رصيد سياسي ليس له في الأصل كنقل السفارة إلى القدس والموافقة على ضمّ الجولان مثلاً؟ فقرار نقل السفارة قرار للكونغرس الأميركي اتخذ سنة 1995 بينما ضم الجولان إلى الكيان أقدم عليه الكيان عام 1982. هل ستنفجر العلاقات بين الرئيس الأميركي والكيان الصهيوني ومعه اللوبي الصهيوني؟ هذا التطوّر، إذا حصل قد يزيد من رصيده عند قاعدته الانتخابية وفي الأوساط المحافظة التقليدية التي بدأت تُعرب عن مللها من عنجهية الكيان. أليس من المفارقة أن الحزب المؤيّد تقليدياً للكيان الصهيوني أي الحزب الديمقراطي يشهد تمرّداً متزايداً من القاعدة الشابة، بينما الحزب الجمهوري يصبح حزب الإنجيليين المتصهينين؟ أن القوى المحافظة التقليدية في الحزب الجمهوري من غير الإنجيليين أصبحوا أكثر انتقاداً للكيان الصهيوني وللوبي الذي يعمل في رأيهم لحساب الكيان، وذلك على حساب المصالح القومية الأميركية. هذا بحث آخر نقاربه في مرحلة لاحقة.

كاتب وباحث اقتصادي وسياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي.

اضف رد