من الفرات إلى النيل مطرقة النار وسندان الماء

بلال شرارة

بعد تجربة «لبنان أولاً» وحروبه الصغيرة والكبيرة وبعد تقسيم السودان، وبعد حروب سورية والعراق واليمن واضطرابات البحرين، وبعد أحداث ليبيا المستمرّة وسلامها المستحيل، يأتي الدور على مصر إذ إنّ مخاض 25 يناير/كانون الثاني وبعده 30 يونيو/حزيران كان مجرد اختبارات داخلية لم تؤدّ الوظيفة الامبريالية في إنتاج مصر وملاءمتها، كما يجب أن تكون عليه لتقوم بأدوار داخلية وخارجية منسجمة مع مشروع «الشرق الأوسط الجديد».

كل شيء في الشرق معلّق على عمود الانتظار:

ـ استقرار النظام السياسي في لبنان.

ـ سلام سورية وانتقالها السياسي.

ـ العراق نصف انتصار ونصف انتظار.

ـ اليمن حرب ومحادثات صيف وشتاء على سقف واحد.

ـ البحرين الانتظار الغامض.

إذن، ماذا الآن؟

الجواب: في الشرق لا انتصار كاملاً على الإرهاب الرسمي الدولي الإقليمي ولا سلام ناجزاً، فقط إقامة النظام تحت ضغط جمرة الإرهاب التي ستنام تحت الرماد إلى أن يحين لزوم تحفيز جمرتها.

لبنان ربما في العام 2016 سيجري إنجاز الاستحقاق الدستوري الرئاسي، ولكن لا يتمّ الاتفاق على قانون للانتخابات، فقط رئيس وحكومة لإدارة الأزمة وحوار إلى مطلع الفجر أيّ فجر؟ .

في المسائل السورية واليمنية والعراقية محادثات في جنيف وفيينا وصياغة تفاهمات بواسطات أممية وعُمانية.

طبعاً كلّ ذلك متوقف على إعادة بناء الثقة في العلاقات السعودية الإيرانية، وهذا أمر لن يستوي.

نحن سيجري إخضاعنا لأهداف حرب السيطرة على مواردنا البشرية والطبيعية في إطار مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، وأيضاً بواسطة الانخفاض المستمرّ في أسعار النفط الى 30 او ربما عشرين دولاراً للبرميل الواحد وانخفاض سعر الذهب بل انهيار سعر الذهب إلى أرقام قياسية.

في البورصة السياسية سوف يسقط الشرق الأوسط مقابل ثلاثين من فضة أو أقلّ، فبهذا السعر البخس خان يهوذا السيد المسيح عليه السلام الذي أُقبله هو… هو فخذوه .

الدور المقبل هو على مصر انطلاقاً من هبة الله نهر النيل العظيم ومن الجوار الليبي والجوار المتأسلم والجوار الغزاوي ووحدات الإسرائيلية المتهوّدة في سيناء التي تستخدم ما يسمّى «أنصار بيت المقدس» التي وإنْ بايعت داعش فلا يُخفى على أحد أنها تمثل ذراعاً عسكرية تابعة للتنظيم الأممي لـ»الإخوان المسلمين» تقيم قواعد ارتكاز لها في غزة إضافة إلى العريش والشيخ زويد وأنحاء متفرّقة في سيناء، أما أنها تضمّ عناصر من وحدات نخبة «إسرائيلية» اخترقت صفوف المتأسلمين في سيناء إضافة إلى تجار السلاح والمخدرات.

الخطر الثاني المقبل على مصر ينبع من الضغوط الاثيوبية الدولية على مصر عبر سدّ النهضة والذي يهدّد النيل الشريان الحيوي والذي قامت عليه حضارات منذ فجر التاريخ إلى اليوم.

العطش أو التعطيش = الموت بهذا اختصر مصدر دبلوماسي مصري الموقف الراهن، بعد الأنباء التي تحدثت عن تشغيل أو تجريب اثيوبيا لأجزاء من سدّ النهضة.

طبعاً حتى الآن تجري الاجتماعات بين مصر والسودان واثيوبيا لبحث شواغل دولتي المصبّ مصر والسودان المتعلقة بمشروع السدّ والاستخدام المنصف والمناسب لاستخدام الدول الثلاث هذا المورد المائي وإمكانية توصُّل المحادثات إلى العناصر الاسترشادية ذات الصلة.

الاجتماعات ستستمرّ، وكان آخرها الاجتماع السداسي لوزراء الخارجية والريّ في البلدان الثلاثة، الأسبوع الماضي، والذي بحث في ما بحث الدراسات الفنية الخاصة بالسدّ وتفسير أمور متعلقة بالشواغل والمخاوف المصرية حول أسلوب وتوقيت ملء خزانات السدّ حال اكتماله.

طبعاً، المحادثات الفنية السياسية تترافق مع مقترحات سودانية لدعم التعاون وإنجاز السدّ، من ضمنها تشكيل لجنة رئاسية عليا للنظر في قضايا تتعلّق بالتنمية والعلاقات الاقتصادية والشعبية، بما في ذلك العلاقات الأمنية.

المباحثات ستظلّ تتركز على تأثيرات واستخدامات الموارد المائية والاستخدامات الحالية والمحتملة للموارد المائية وعوامل الحفاظ والحماية والبيئة والتنمية واقتصاديات استخدام الموارد المائية وكلفة الإجراءات المتخذة ومدى توافر البدائل ذات القيمة المقارَنة، ومدى مساهمة كلّ دولة من دول الحوض في نظام نهر النيل وامتداداته ونسبة مساحة الحوض داخل إقليم كل دولة.

هناك الكثير من النقاط التي تحتاج إلى اتفاق وربما لا تحتمل الاختلاف وصولاً إلى إعلان المبادئ، منها إدارة السدّ وتنفيذ التوصيات واحترام المخرجات النهائية للجان الخبراء الدولية والثلاثية ومراقبة تنفيذ الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي للسدّ والتي يجوز لمالك السدّ ضبطها من وقت لآخر وإخطار دولتَي المصبّ بأيّ ظروف غير منظورة او طارئة تستدعي إعادة الضبط العملية وتشغيل السدّ.

طبعاً واحدة من المشكلات البارزة هي أمن السدّ والمجرى ومحاولة خارجية أو إرهابية لتخريب الجهود المشتركة والإصبع الاثيوبي الذي سيضغط على الجرح المصري السوداني للنيل وضمانات التزام دولة المنبع بالتفاهمات.

المشكلة المائية العربية، وليس المصرية فحسب، بل السورية والعراقية، تنطلق من الفرات والضغط التركي على هذا النهر الحيوي، وغداً الضغط الكردي وعبور الحروب الصغيرة من ضفة إلى أخرى.

هي المسألة هكذا… حدود المشروع الاقتصادي لـ»الشرق الأوسط الجديد» هي من الفرات إلى النيل، وإدخال العامل الاثيوبي إلى جانب العوامل الإقليمية الأخرى ووضعنا جميعاً بين مطرقة النار وسندان الماء.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق