التحالفات العسكرية في المنطقة الأسباب والنتائج…

جمال الكندي

ازدحمت الساحة العربية خلال العام 2014 والعام 2015 بكثرة التحالفات ذات المقاصد الحربية، والتي كانت تدعو صراحة إلى استخدام الذراع العسكرية لفرض واقع معيّن تريده الدول التي تقود هذه الأحلاف. الحلف الستيني كما يسمّى، والذي أُنتج على عجل وبأوامر أميركية وكان عنوانه الرئيسي محاربة «داعش» في العراق وسورية، فكانت نتائجه على الأرض توسُّع وتمدُّد «داعش»، ولولا ظهور الحشد الشعبي والتدخل الروسي الإيراني لرأينا «داعش» في قلب بغداد. والسؤال اليوم ماذا فعل هذا الحلف الستيني لمحاربة «داعش»؟ هل أوقف هذا الكيان الأخطبوطي، أو احتواه واستثمره لأغراض سياسية، وفي بعض الأحيان حينما يتجاوز حدوده يُضرَب، وهذا ما حصل حينما تجاوز «داعش» في العراق الخطوط الحمراء التي رسمت له.

ففي العراق سمح لـ»داعش» بأن يدخل جميع الأماكن ويفعل ما يشاء إلا إلى مكان واحد كان مقدّساً لدى الأميركان وهو اربيل كردستان العراق قدس الأقداس بالنسبة للأميركان!!

فعلى مدار شهرين من إجرام «داعش» في العراق لم تفعل القوى الغربية وعلى رأسها أميركا أيّ شيء سوى الكلام والوعود، وعندما اقترب «داعش» ودخل غرفة النوم الخاصة بأميركا في البيت العراقي، والتي فيها أسرارها ومصالحها التجارية، أرعد وزمجر المارد الأميركي ضدّ «داعش»، وقامت على الفور الطائرات الأميركية بقصف «داعش»، وبدأت وسائل الإعلام التي كانت تصف «داعش» بحامي الحرية والثائر ضدّ الظلم والفساد في العراق، ليصبح وفق الأمر الأميركي تنظيماً إرهابياً لا بد من إيجاد حلف لمحاربته والقضاء عليه، وتمّ ذلك بتشكيل الحلف الستيني والذي لم يفعل شيئاً في العراق سوى انه حمى كردستان العراق وأوقف تمدّد «داعش» في هذه المنطقة، أما الفضل في دحر «داعش» في مناطق صلاح الدين وديالى والأنبار فيعود إلى اللحمة الوطنية العراقية والمعادلة الذهبية التي أنتجت الجيش العراقي والحشد الشعبي والعشائر العراقية.

«داعش» لا يزال فزاعة بيد أميركا، وهي وإنّ أعلنت عن تحالف دولي لمحاربة التنظيم، إلا أنها غير جادّة في القضاء عليه وتعتبره ورقة ضغط تساوم بها دول المنطقة وبوابة أخرى للتدخل الأميركي في المنطقة.

أما حلف اليمن الذي وُجد تحت عنوان «إنقاذ اليمن السعيد من براثن الحوثيين، وإرجاع شرعية هادي»، وهي الحجة التي بُني عليها هذا الحلف لقصف اليمن. فعلى مدار عشرة أشهر لم يُبقِ هذا الحلف في اليمن شيئاً إلا ودمّره، سواءٌ كان عسكرياً أو مدنياً، حتى دور العبادة والمستشفيات والملاعب الرياضية لم تسلم من قنابل طائراته، عوضاً عن بيوت المواطنين الآمنين. والأهمّ من ذلك انه زرع بذور الفرقة بين اليمنيين وجعلهم طوائف تتقاتل، على أساس طائفي وقبلي ومناطقي، ورسم شرخاً عميقاً بين اليمنيين والسعوديين من المستبعَد أن يزول خلال السنوات المقبلة، فالحقد بات كامناً في نفوس اليمنيين كلما تذكروا عزيزاً عليهم استشهد بسبب قصف طائرات هذا التحالف.

إنها كارثة بكل معنى الكلمة يحاول الإعلام المطبّل لحلف اليمن أن يتستّر عليها، ولكنه لن يقدر، فقد كشفت منظمة «هيومن رايتس ووتش» عن مجازر هذا الحلف في اليمن واستخدامه القنابل العنقودية المحرّمة دولياً في قصف الأحياء المدنية، وكشفت كذلك عن أرقام الضحايا المدنيين الذين استهدفوا عبر طائرات هذا التحالف، والذين تجاوز عددهم الثلاثة آلاف شهيد مدني وآلاف الجرحى، وانّ الحرب في اليمن شرّدت ملايين اليمنيين من مدنهم وقراهم بسبب هذه الحرب العبثية من قبل هذا الحلف الذي يُسمّى زوراً بـ»الحلف العربي»، فهو جاء لتدمير اليمن وقتل الإنسان والإنسانية فيه وهذه هي المأساة بعينها.

هذه الأرقام التي خرجت الآن في هذا الوقت بالذات، والتي صرّحت بها بعض الهيئات الأممية، وبعد عشرة أشهر إثر سبات طويل، سببها تغيّر المعطيات على الأرض، فالتوافق الروسي الأميركي في سورية عجّل في السعي إلى إغلاق ملفات أخرى في العراق واليمن يُراد لها أن تنتهي قبل انتهاء ولاية أوباما، وذلك حفاظاً على السلم العالمي، فهي سلة واحدة، لذا نجد هذه المعلومات الجديدة القديمة بخصوص استخدام القنابل العنقودية في اليمن تنشر في الإعلام العالمي لزيادة الضغط على قادة هذا الحلف للتفاوض وإنهاء الحرب.

حلف آخر جديد بنكهة إسلامية هذه المرة أطلق عليه اسم «الحلف الإسلامي لمجابهة الإرهاب» وحُشدت له دول لا نعلم وجودها على الخارطة، ودول تفاجأت بإدراج اسمها في هذا الحلف من دون أن تعلم، وإلى الآن لا نعلم استراتيجية هذا الحلف الذي أعلن عنه في منتصف الليل وعلى عجل كأنّ حرباً سوف تقع في اليوم الذي يليه، والسؤال المشروع هنا: هل هذا الحلف هو لتخويف دول معينة في المنطقة تمادت وتجاوزت الخطوط الحمر لحلفاء أميركا، أو هو محاولة لإيجاد توازن بينها وبين محور الممانعة الخارج عن سيطرة الغرب وأميركا في سورية والعراق وإيران واليمن؟

السؤال في النهاية هو: لماذا هذه الأحلاف موجّهة لحرب بني جلدتنا كما هو الحال في اليمن؟ أين هي هذه الأحلاف من فلسطين وما يحدث فيها؟ ألا تستأهل القدس المغتصبة حلفاً صغيراً ولو بصيغة اقتصادية وسياسية وإنسانية؟ إذا كان العنوان العسكري يُحرج العربان أمام حلفائهم الغربيين!

فلسطين تعاني صمت القبور من قبل العرب والمسلمين، فشبابها في كلّ يوم يُقتلون بذرائع «إسرائيلية» واهية استغلوها لتصفية شبابها، وقادة هذه الأحلاف صامتون وعنترياتهم في الداخل فقط، أما الكلمة والفعل فهما يخرجان من محور المقاومة والذي للأسف يحارَب من أدوات تمتلكها هذه الأحلاف.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق