«يغنّي… في جبّته الماء» للشاعر كميل حمادة معراج العشق والتحوّلات

نسرين كمال

تبرق ملامح الصوفيّة وتمسّ شغاف قلبك من اللحظة الأولى التي يلقي بها كميل حمادة عبارته الافتتاحية قائلاً: «إن النبييّن هم الأرهف عشقاً»، موازياً بين الرهافة والعشق في أقنومين متضافرين للنبوّة التي تتبدّى شعراً. وإذ يسرّ الوحي للشاعر بكلمة «اقرأ» ـ التي تحتضن في معانيها المعجمية فكرتَي الاحتفاظ بالنطفة والخلق معاً ـ يجيبه بأنه «طفل آبار الغياب» الذي يحمل بعض الصدى ممّا قيل، والكثير الكثير من موسيقى الكون الكامنة والمحتملة.

هو يستغرق في أتون لغة الماء، محقّقاً عريه الشعري الوهّاج والمعدي لكلّ الهائمين بعده.

«فمن يأتي للطفل المتعب بالكلمات بكأس دواء

بيضاء؟

ومن يغسل هذا الجسد الغيبيّ سوى

من كانت مترعة رؤياه بآيات الماء؟».

لكنّ لغة الماء محتجبة في غلالتها الشفّافة. كلّما لُمِس جسدها المتكثّف بين

الغياب والحضور، كلّما اندلعت نوراً: يُعمي بقدر ما يُري ويفتتح العبور بقدر ما لا يوصِل.

«لغة تراود نفسها عن نفسها

وتجيئني…

فأفيض بالأضواء…

لغة بلا القمصان

يرقص عريها

ليفتح الأبواب خلف حيائي».

وما تهيام الشاعر إلّا تصعّد في ما تنزّل لكشف المستتر الموارب وشقّ الأسرار:

«أتى حتى يبدّل عينهم

كي ينظروا

فيروا كتاباً

من سحاب».

لذا، فهو يغنّي في جنونه العارف. ينثر من أنامله الماء. هو المدرك أنّه سيستحيل رماداً:

«لأنهم أحرقوه

لقد جمعوا كلّ أخشاب هيكلهم في فناء المدينة

جاؤوا بكهّانهم يشهدون الحريق».

الصوفيّ، الشاعر، الرائيّ، العارف، السامع، ما هم إلّا وجوه الشاعر الذي كان ـ يكون. هو الحلّاج والنبيّ والشاعر الممتدّ على طول تراثنا المزدحم الذي يرفع أياديه منادياً أن أزيلوا الغبار عن قلبي. وإذ يُذكِّرنا الديوان بأدونيس في معراجه وزخم أسئلته، نتساءل بدورنا من هو المنتظَر؟ أهو الشاعر خلف كلّ تلك الأقنعة؟ أهو نبيّ آخر؟ هو المهديّ المنادى؟ أم هؤلاء جميعاً؟

لا إجابة، لأنّ الشعر هو التاسؤالات وهو ما ينطبع فينا من صوَر نفسية وما يتداعى من صميم تجربتنا الإنسانية. وإذا كان الجوّ الصوفيّ مشعّاً في القسم الأوّل من الكتاب، فإنه لم يفارقنا البتّة في الأقسام الأخرى. حيث العاشق مثلاً الذي يستحيل لديه جسد الحبيبة لغة لامرئية كلّما سبرتها أنامله الفطِنة كلّما شفّ وتوغّل في عالم الكناية والرمز. فإذا بالمرأة رسولة وإذا بالحبّ رحلة وجود وانوجاد تنجبل فيها الحياة بكلّ أقطابها. وإذا بنا في سكرتنا الواعية نردّد مع الشاعر:

«إني أنا السرّ

أنت الناي.

بُح بدمي

ما أجمل السرّ لمّا صار مفتضحاً

ما أجمل السّر»!

وما أجمل التنقّل بين شطحاتك الشعرية كميل حمادة: كأنك تغنّي… في جبتّك الماء.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى