الحفلات الاجتماعية أواخر أربعينات وخمسينات القرن الماضي 2/1

لبيب ناصيف

نعلم أن منفذية للسيدات كانت أنشئت في أواخر اربعينات القرن الماضي وأن من أعمالها تنظيم حلقات إجتماعية كانت تعقد في منازل للرفقاء ويحضر سعاده والأمينة الأولى معظمها.

ونعلم أيضاً ان الرفيقة فايزة معلوف 1 تولت مسؤولية المنفذة العامة، ولم يتولاها غيرها من الرفيقات. كما لم تنشأ منفذية أخرى للسيدات بعد العام 1949.

هنا تعريف عن تلك الحفلات

أوردت مجموعة النشرة الرسمية في عدد شهر شباط عام 1949 ما يلي:

« بدأ عقد هذه الحفلات في 7 نوفمبر 2 1948، وما زال مستمراً. وقد كانت اخر حفلة في 13 فبراير 1949. وهذه الحفلات تمتاز بأنها قد عملت على تحقيق النظرية الحزبية في إيجاد التآخي والجو القوميين الإجتماعيين. وبرنامج الحفلات الدائم هو خطبة يلقيها احد الرفقاء ثم تُنشد أناشيد وأغاني قومية إجتماعية، ثم يتناول المدعوون الشاي وبعد ذلك يجري باب الأسئلة والأجوبة حول قضايا الساعة وعلاقة ذلك بالحركة القومية الإجتماعية.

«وقد تكلم في هذه الحفلات الإجتماعية على التوالي منفذ عام بيروت 3 ، الأمين قبرصي، الأمين عبد المسيح، عميد المالية، وكيل عميد الإذاعة، حضرة الزعيم، الأمين عبد المسيح مرة ثانية، الأمين قبرصي مرة ثانية، عميد الداخلية، الأمين عبد المسيح مرة ثالثة، ناموس عمدة الثقافة، الرفيق المحامي إميل نجم، وكيل عميد الاذاعة، الرفيق المحامي فريد الزغبي، ناموس عمدة الإذاعة، الأمين أنيس فاخوري 4 .

« وقد إحتفلت المنفذية في حفلتين من هذه الحفلات بمناسبتي 16 نوفمبر و 21 نوفمبر. كما سوف تشترك منفذية السيدات مع منفذية بيروت العامة ومنفذية الطلبة العامة بحفلة أول مارس في 27 فبراير.

« ان إدارة المجموعة الرسمية كانت تتمنى لو قيّض لها أن تنشر خطب معظم الرفقاء ولكن معظمهم كان يلقي كلماته مرتجلاً، لذلك هي تنبّه منفذية السيدات العامة الى ان المطلوب منها في كل حفلة ان تسجل وقائع الإجتماع وان تطلب من الخطيب نسخة من خطابه قبل إلقائه، كما انها تطلب ما أمكن في حوزته من نسخ الخطب السابقة ليصار الى نشرها في الإعداد المقبلة».

عن تلك الحلقات الإجتماعية كتب الأمينان جبران جريج، وعبدالله قبرصي، ونشر عنها الأمين غسان عز الدين في «حوار مع الذاكرة»، كما اوردت عنها نشرات رسمية عدة. فيها يتوضح كيف كان يتعاطى سعاده مع رفقائه، ونظرته الى الرقص والموسيقى، وكيف كان يوجه رفقاءه الى أخطائهم بحرص المهتم على بنائهم قومياً إجتماعياً.

يتحدث الأمين عبدالله قبرصي في الصفحة 215 في الجزء الثاني من «عبدالله قبرصي يتذكر» عن الحلقات الإجتماعية، كما كان يدعوها في كتاباته : « أصابت الرفيقة الدكتورة فايزة معلوف أنتيبا عصفورين بحجر واحد عندما ابتكرت فكرة الحلقات الاجتماعية. اذا لم تكن هي التي ابتكرتها فهي التي نفذتها وسهرت على نجاحها مع الرفيقات والرفقاء المتطوعين.

العصفوران كانا اولاً: تعويد الرفقاء والرفيقات على الإختلاط والتعايش رغم اننا لا نحب هذه الكلمة على مستوى رفيع من العلاقات الرفاقية، وإعطاؤهم فرصة للترفيه عن النفس من جهة، والإستفادة فكرياً وعلمياً من جهة أخرى.

وثانياً: إستيفاء ليرة سورية من كل رفيق او رفيقة او ضيف محبذ او مناصر، تخصص لتسديد نفقات بيت الزعيم 5 .

« كانت هذه الحلقات تعقد يوم الأحد بعد الظهر، نبلّغ في ختامها عن مكان انعقادها في الاسبوع التالي، وقد بدأت في بيت الامين جبران جريج، سنة 1948 دون ان استطيع تحديد الشهر بالضبط.

كان برنامج هذه الحلقات- وكان يحضرها في اكثر الأحيان سعاده والأمينة الأولى وصفية واليسار- تقديم ضيافة رمزية، كوب من الشاي او الليموناضة مع قطعة حلوى من صنع الرفيقات. بعد الضيافة، كنا ننتقل الى النكات او الحكايات المضحكة، او يمثل لنا بعض الرفقاء تمثيلية هزلية. وكان يتبارى في هذا المضمار شلة من الأذكياء لا يتركون لنا مجالاً للتنفس لكثرة ما كانوا يلقون من سلالهم وحقائبهم ظرفاً وهزلاً راقياً.

ويأتي دور الجغرافيا والتاريخ… اعرف بلادك.

ثم دور المناظرات والحوار، يقودها من الحضور من يوكل إليه الزعيم قيادتها، في حال أنه هو كان غير راغب، او كان تعباً.

ومن بعد، تأتي الخطب والقصائد.

وأخيراً حلقات الرقص على إيقاع الموسيقى المسجلة.

من هذه الحلقات، ثلاث لا تبرح ذاكرتي:

في بيت الأمين جريج في رأس بيروت ملك يموت

في بيت الرفيق عضاضة 6 الأشرفية.

في بيت آل نصرالله 7 في حدث بيروت. اننا لا يجوز ان ننسى كم قدمت هذه العائلة العزيزة من خدمات وتقديمات الى دار الزعامة. وهي العائلة القومية التي سجلت بإسمه قطعة ارض تتسع لبناء دارة في الحدث.

الحلقة الأولى: في بيت الأمين جريج

عن الحفلة في منزل الأمين جبران جريج اوردت جريدة «الجيل الجديد» في عددها بتاريخ 15 آيار 1949، ما يلي:

« تقيم منفذية السيدات العامة التابعة للحزب السوري القومي الاجتماعي، منذ ما يقارب السنة الكاملة، حفلات دورية اسبوعية، بعد ظهر كل أحد في منزل أحد الرفقاء القوميين الاجتماعيين، يجتمع فيها القوميون الاجتماعيون وأصدقاؤهم والمهتمون بالنشاط القومي الاجتماعي من بيروت وخارج بيروت، وتقوم على إدارة هذه الحفلات وتقدمها الرفيقة فايزة معلوف أنتيبا، المنفذة العامة، يعاونها فريق من القوميات الاجتماعيات فتميزت هذه الحفلة بالذوق والتنظيم المعروفين.

وبالنظر الى أهمية هذه الحفلات تفرد لها «الجيل الجديد» حقلاً خاصاً، وفي ما يلي ريبورتاج الحفلة التي أقيمت نهار الأحد المنصرم في 15 مايو في منزل منفذ عام بيروت جبران جريج.

« منذ الساعة الثالثة والنصف بعد ظهر الأحد بدأ الرفقاء القوميون الاجتماعيون والرفيقات يتوافدون على منزل منفذ عام بيروت، مكان حفلة منفذية السيدات، وما أزفت الساعة الرابعة حتى غصّ المنزل بالحضور. في الموعد المعين إفتتحت حضرة المنفذة العامة الحفلة رسمياً، وأنشد النشيد القومي الاجتماعي على أنغام الموسيقى يعزفها الرفيق النشيط زكي ناصيف. وجاء دور الخطباء فتكلموا حول قضية فلسطين بمناسبة 15 مايو، تاريخ دخول الجيوش السورية والعربية الى فلسطين وحول ما انتهت إليه قضية فلسطين.

كلمة الرفيق خليل الحلبي

وأعطيت الكلمة لخطباء الحفلة فتكلم الرفيق خليل سعيد الحلبي 8 فتوسع في الإشارة لخدمة النهضة القومية الاجتماعية للأمة منتقلاً الى مركز المرأة في النهضة مشدداً على صفتها وحقوقها كمواطنة وكعضو حيوي في المجتمع القومي مندداً بمن يسيئون معاملته والمتجاوزين على رسالته. وقد أسهب المتكلم في وصف مرض الأمة، التي غدت لكثرة مرضاها وكأنها مستشفى، وفي تمجيد الطبيب الذي بيده وحده إنقاذ هذه المريضة وبالتنديد بالشركات السياسية والاحتكارات النفعية التي تقف دون معالجة الأمة من أمراضها.

كلمة ناموس الإذاعة

وتلاه ناموس عمدة الاذاعة 9 بكلمة كان لها الوقع الحسن والأثر المنشود صدّرها بكلمة الزعيم: « الفوضى لا تغلب بالفوضى ولكن بالنظام، ولا يغلب النظام إلا بنظام أقوى منه « وإستطرد الى القول: في هذا اليوم 15 مايو يقف غيرنا باكياً، أما نحن القوميين الإجتماعيين فنردد كلمة الزعيم: « ليس من العار أن نُنكب ولكن العار ان تحولنا النكبات من رجال أقوياء الى رجال ضعفاء»، وجاء في كلمته على ناحية قومية هامة فقال:

« ان الجندي الذي يحارب بعقيدة لا بد أن يتغلب على الموت، مشيراً الى نوع الحرب في فلسطين التي دخلتها الحكومات العربية بلا عقيدة ولا غاية.

نحن نواجه 15 مايو بحزب عقائدي لا قيمة فيه للمكانة التراكمية الطائفية، هذا الحزب هو نواة جيش الإنقاذ الذي سيبيد 15 مايو من سجل التاريخ.

نحن القوميين الإجتماعيين نواجه الهزيمة لنغسل عارها بدمائنا.

أيها الرفقاء، عليكم في هذا اليوم ان تجددوا العزم والنشاط وأن تذكروا دوماً إننا مقيدين بتلك الهدنات وبقول سعاده: «ان الصراع هو امتحان العقائد وامتحان النفوس!»

وبعد هذه الكلمة اختتم الاجتماع بالنشيد القومي الاجتماعي.

الحفلة الثانية في دار عضاضة الأشرفية

يروي الأمين عبدالله قبرصي في الصفحة 220 الجزء الثاني من «عبدالله قبرصي يتذكر» التالي:

في هذه الحلقة، جرت مناظرة بيني وبين الحضور حول عقوبة الإعدام، إبقاؤها ام إلغاؤها. مناظري كان الرفيق رفيق معلوف الذي اصبح في ما بعد صحافياً كبيراً.

كانت وجهة نظري جافة وشرسة اذ قلت: في وضع لبنان الحالي سنة 1948 من يطالب بإلغاء عقوبة الإعدام يستحق الإعدام.

وجاء دور الشعر فألقى احد كبار شعراء نهضتنا القومية الاجتماعية محمد يوسف حمود قصيدة من كتابه «في زورق الحياة» مجموعته الشعرية التي كانت قد ظهرت حديثاً فصفقنا لها طويلاً، ثم ألقى رفيقنا محي الدين الفيل- الذي كان مدرساً قصيدة حماسية شعبية فيها حرارة الإيمان وصدقه وصوته العالي.

« في أحد آخر من آحاد حلقاتنا الإجتماعية سهرنا في دار آل فاخوري 10 حتى ساعة متأخرة، وكنا عائدين بسيارة تاكسي، انا الى جانب السائق، والزعيم بين زوجتي وزوجته. وصلنا الى حيث بنايات العازارية حالياً، فاستوقفتنا دورية شرطة، وكنت أهم انا بإبراز هويتي، فناداهم سعاده من المقاعد الخلفية قائلاً: هنا انطون سعاده، فذهل الشرطيان وطلبا من السائق ان ينير داخل السيارة قائلين: دخيلك ضوّي تنتبرك بطلعة الزعيم».

كان اسم المعلم ينزل في أسماع الناس وضمائرها منزلة البطل القومي المنقذ.

الحفلة الثالثة في دار آل نصر الله الحدث ـ بيروت

يتابع الأمين قبرصي الحديث عن الحفلات الاجتماعية، في الصفحات 221-223 من الجزء الثاني من مذكراته، يقول: « بعد انقلاب حسني الزعيم، في 30 آذار 1949، إرتأى سعاده بالإتفاق مع القيادة ان ينزوي بعض الوقت للتأمل والترقب.

لم نشأ ان نزعجه في خلوته فإصطبرنا الى ان انقضى اسبوع كامل.

ففي يوم الأحد في السابع من نيسان، ولكي لا ألفت الأنظار إستأجرت سيارة وقصدت «الحدث» مع عائلتي بكاملها. ما ان جاورت المنزل، حتى سمعت مثل الخطابة. كان الرفقاء قد حولوا اللقاء مع سعاده الى شبه مهرجان، او حلقة إجتماعية.

توجهت وعائلتي الى حيث كان جمهور الرفيقات والرفقاء يملاؤن الباحة، وفجأة أسمع صوت الرفيقة فايزة معلوف أنتيبا عريفة الاحتفال- تقول: والان الكلمة للأمين عبدالله قبرصي:

طلبت من واحد من الحضور ان يساعدني على خلع معطفي، لأقنص فكرة ما، فساعدني. ووقفت وراء المذياع واستهليت كلمتي هكذا:

« لقد قرأتم او سمعتم عن انقلاب حسني الزعيم في الشام. الحق أقول لكم ان كل انقلاب لا يسبقه انقلاب نفسي وتجديد في النظرة الى الحياة والسياسة والمصالح القومية، إنقلاب زائل. الانقلاب الحقيقي هو الذي يبدأ بمعالجة الأمراض والمفاسد التي تتآكل الأمة، وبالبناء النفسي والعقائدي الصحيح للشعب، كما نفعل نحن في الحزب السوري القومي الاجتماعي».

وأكملت من هذا المنطلق. وعندما بلغت الخاتمة، توجهت لعريفة الاحتفال قائلاً: «تدعينني للكلام والزعيم بيننا ؟ عندما يكون الزعيم بيننا، الزعيم وحده يتكلم. تكلم يا زعيمي !…»

فعلا الهتاف والتصفيق .. يريد الحضور ان يستمعوا الى سعاده.

فوقف وألقى خطاباً دونّه الأمين يومذاك ابراهيم يموت ونشر في جريدة «البناء» في أحد أعدادها سنة 1958 او 1959..

ومما قال: « الطغيان يلد الطغيان والمفاسد تلد المفاسد. لا بأس ان نكون طغاة على الطغيان وطغاة على المفاسد!

قد لا تكون هذه الكلمات هي ذاتها بالضبط ولكن الفكرة المركزية هي تلك.

وانتهى الاحتفال وودعنا سعاده وانصرفنا.

لم يكن وداعه لي طبيعياً رغم ما وجه إليّ من عبارات الثناء. ودعني وهو يشد على يدي ويهز رأسه..

قلت لزوجتي وانا ادخل السيارة : لن يمر هذا اليوم بسلام!

كنا نقيم في شارع الحمراء، قرب الكبوشية، في ملك جوزيف الهندي. وكانت الساعة قد بلغت الحادية عشرة ليلاً عندما هممت بخلع ملابسي لآوي الى النوم. فإذا بالباب يطرق. كان هنالك الرفيق فوزي معلوف 12 وكانت معه رسالة مكتوبة على الآلة الكاتبة. سلمني إياها وانصرف.

كانت الرسالة من الزعيم وقد جاء فيها: لقد إرتكبت في خطابك هذا المساء خطأين:

الأول: كيف يجوز لك، وانت رئيس الشعبة السياسية، ان تعلن موقفا من انقلاب حسني الزعيم، قبل التدارس مع اعضاء الشعبة ورفع توصياتكم إلي؟

الخطأ الثاني: كيف يجوز لك أن تقول ان الزعيم عندما يكون بيننا، وحده يتكلم. ألا تعرف ان هذه النهضة غنية بالطاقات والخطباء والمفكرين غير الزعيم؟

الحقيقة ان الارتجال لا يؤمن له جانب، لقد اعلنت موقفاً معارضاً للإنقلاب، قبل درس الوضع من جميع جوانبه. كما أنني تسرعت إذ ألزمت سعاده بالكلام، كما تسرعت بالقول انه متى كان بيننا وحده يجب ان يتكلم، كأنما الغيت كل المواهب والقدرات المتوافرة في الحزب !… يمكن مرافقة رسالة الزعيم اليّ في مجموعة رسائله

لنلاحظ ملاحظتين:

ان سعاده أثنى عليّ وهو يستجيب لندائي .انه ما وجه لي انتقاداً علنياً، بل كتب رسالة خاصة لم يسمح لأكثر من ناموسه الاطلاع عليها.

هكذا كان يراقب تصرفاتنا ومواقفنا، ويصوّبها بالتي هي أحسن، بروح الأبوة لا بالغضب ولا بالتقريع ولا بالازورار.

الله كم نحترق ونحن نذكره !

الله كم يجب على قادتنا ان يتخذوه قدوة ومثالاً، عندما يعارضهم معارض، أو يخطئ قومي اية خطيئة او أي خطأ..

وعن الحفلة في منزل آل نصرالله، ننقل عن « الجيل الجديد» بعض ما أوردته في عددها 14 آيار 1949.

في الحدث… حدث…

اجل، حدث جرى في الحدث يوم الأحد 22 أيار 1949…

…حضرة الزعيم يلبي دعوة منفذية السيدات لحفلتها الأسبوعية الدورية المعتادة وكما وعدنا القراء في الأسبوع الماضي، لم يتأخر مندوبنا عن اللحاق بالقوميين والقوميات الذين كانوا قد إجتمعوا في بيت الرفيق رجا نصرالله الواقع عند آخر هذه القرية الوادعة، تحوطها شجيرات الزيتون والتي تشرف على البحر السوري الكبير.

صوت جهوري يهتف أن استعدوا … فيستقيم الجمع الجالس تحت قبة السماء الزرقاء لا تحول دونه وبلوغها إلا العرائش الخضراء التي نسقتها أيدي الرفيق رجا نصرالله ورعتها يد العناية والطبيعة حتى نمت وامتدت وريقاتها وأغصانها وما أينعت عناقيدها بعد فظللت القوميين والقوميات من شمس مايو الحارة المنيرة.

… سلام …خذ

المنفذة الرفيقة فايزة معلوف أنتيبا تفتتح الحفلة على أثر انتهاء النشيد وتقدم الرفيق كمال نفاع في كلمة جاء فيها على ذكر التفكير النيو رجعي ووصفه بأنه تفكير لا فلسفي بل تفكير تمني وهو يحوّر الحقائق والامور حتى تتلاءم مع أماني الأفراد والأشخاص .

وحث الخطيب القوميين الاجتماعيين على الاعتماد على أنفسهم مؤكداً لهم أن الطريق التي يسلكون هي طريق الخلاص الوحيدة وهي السبيل للوصول الى ذرى المجد والفخار.

وعلى الآثر أعلنت المنفذة ان حضرة الأمين عجاج المهتار سيلقي بعضاً من أزجاله الرائعة، فوقف الشاعر القومي بين التصفيق الحاد وأجاد ما شاءت له العبقرية أن يجيد.

وما إن إنتهى حتى عقبه الأمين جورج عبد المسيح، وبعد ذلك تعالى صوت جميل، أخرجته حنجرة وأوتار إختلجت بكهرباء إيمان قومي عتيد فجعل القوميين والقوميات يطربون عزة وفخاراً لما تضمنته الكلمات التي صبّت في قالب موال أبو الزلف من معان سامية 13 .

وما إن بلغت الساعة السادسة حتى كانت المنفذة قد أعلنت انتهاء هذه الحفلة الجميلة فوقف الجميع من حول الزعيم ينشدون نشيد الختام وغادر القوميون الاجتماعيون مكان الاجتماع زرافات ووحدانا على أن يعودوا الى حفلة ثانية تقام يوم الأحد المقبل في برج البراجنة في بيت الرفيق خليل سباعي.

سعاده بعين وقلب وعقل الامينة هيام نصرالله محسن

سجل الرفيقان سامي الخوري وإيليا برباري لحضرة الأمينة هيام، الكلمة التالية:

«فرح كبير يغمر بيتنا كلما أبدى سعاده رغبته في الإقامة لبضعة أيام في ضيافتنا. كنا نبتهج: والدي اسكندر ووالدتي نزهة وأخي الرفيق رجا وأنا. كنّا نجد في قدومه تكريماً للعائلة. لم يكن ليزعجنا ولا يزعجه ان بيتنا غير مستوفٍ الشروط الحديثة. فيتأقلم معنا في أسلوب حياتنا ولا يشعرنا البتّة انه منزعج في أمرٍ ما.

نلمس صباحاً الحبور على وجهه حين يتوجه إلى الشرفة ليأخذ كوب العصير وهو يدندن بعض الألحان التي يحبها.

يجلس نهاراً إلى طاولة وضعناها له تحت أشجار اللوز المزهرة والمتعانقة، بناءً على طلبه حيث ينفرد للكتابة. يستقبل عائلته نهار الأحد بشوق الأب والزوج وبكل ما يحمل من عاطفة ويتفرّغ ليلاعب بناته وليتنزه وزوجته التي كان يطلعها على ما يستجد معه عن حالته النفسية والصحية. بيتنا تلة وسط بساتين الليمون والزيتون واشجار اللوز والعناب والتين والعنب وبحر من الزهور، ولكن بحضوره البسّام، كأن سعاده الطبيعة كلها.

كان ينام حضرة الزعيم في اول غرفة على اليمين، ويوجد جاط يغسل الزعيم وجهه فوقه ما زال موجوداً حتى الآن .

وتضيف الامينة هيام ان والدها اسكندر المعروف بعلاقته بالكنيسة، حين تعرّف على الزعيم نسي الكنيسة كما ان الامين محمد يوسف حمود والرفيق سعيد تقي الدين زارا منزل اسكندر نصرالله بعد الاستشهاد وجالا في المنزل والحديقة حيث نام وجلس حضرة الزعيم.

قبل شهرين من الاستشهاد كانت اجتماعات سعاده لا توحي بأنه كان يهيء للثورة. يزور القوميين الاجتماعيين في بيوتهم ويتعرف الى عائلاتهم ويقسّم اليمين في بيتنا لعدد من المواطنين بينهم الرفيق الصحافي جبران حايك. كان يستقبل المواطنين المقبلين على الدعوة ويشرح مبادئها. كان ممتلىْ اليقين بدعوته والمقبلين عليها، فهو حيثما حلّ يجد التجاوب مع دعوته وقد انفتحت الافاق امام تعاليمه. اذكر اننا لم نلحظ على سعاده اي تغيير في اهتماماته او لياقته اثناء استضافتنا له في بيتنا في الحدث.

في آخر زيارة قام بها الى الحدث في اوائل شهر نيسان وقد مكث لاكثر من اسبوع عندنا بُعيد انقلاب حسني الزعيم في الشام، ذكر انه يريد ان يوفر لنفسه وقتاً لكتابة نشوء الامة السورية وهو الكتاب الذي صودرت مسودته الاولى في سجن الرمل اواسط الثلاثينات.

عندما انهيت النبذة عن الحفلات الاجتماعية في منزل آل نصر الله في الحدث، رغبتُ ان تطلع عليها الامينة هيام محسن، لما لها من معرفة بها، ومشاركة في العديد منها. فكتبت لنا ما يلي:

« كان لسعاده زيارات عديدة لبلدة الحدث حيث مديرية فاعلة وناشطة. وكان لمنزل والدي اسكندر ونزها نصرالله وأخي الرفيق رجا وأنا هيام، النصيب الاكبر في هذه الزيارات، فإضافة الى العلاقة الطيّبة التي ربطت سعاده بنا كعائلة، فإن الموقع بجغرافيته وحديقته الواسعة وأشجار اللوز والأكي دنيا وغيرها جعلت منه مكاناً يمكن حمايته أمنيّاً لاستقبال سعاده.

كانت زيارات سعاده الى الحدث متنوعة الاهداف، فمنها ما كان تلبية لدعوات نشاط حزبي ومنها ما كان زيارة استراحة تدوم ليومين او ثلاثة. في احدى المرات، وبعد انقلاب حسني الزعيم في الشام، دامت زيارة سعاده الى منزلنا اسبوعاً كاملاً، إذ كان متوّعك الصحة واراد الاستراحة والتأمل والتفكير في تطورات الاحداث بعيداً عن ضغط الانشغالات اليومية.

اذكر ان احدى هذه الزيارات أتت تلبية لدعوة منفذيّة السيدات الى حفل اجتماعي ثقافي يقام في منزلنا، إذ كانت تنظّم المنفذية في كل أحد لقاء في مكان ما. من الصباح الباكر انهمكت الوالدة نزها بتحضير لوازم التبولّة وغيرها من انواع الضيافة، واستعدّينا لاستقبال عشرات القوميين والقوميات التائقين الى ملاقاة الزعيم. كان سعاده قد امضى يومين في منزلنا وأشرق اليوم الثالث على الموعد المرتقب.

وصلت الامينة الاولى بسيارة الرفيق إدغار عبّود مع صغيرتيها صفية واليسار، وما إن أطللن حتى فتح سعاده ذراعيه جناحين ممدودين لاستقبالهن بحنوّه المعهود وقبلاته. منذ الثانية بعد الظهر بدأ القوميون والقوميات بالتوافد، ومنهم من كان يحضر من مناطق في لبنان، او من الشام والاردن وفلسطين. وحضرت المنفذة العامة الرفيقة فائزة معلوف انتيبا. اصطف القوميون وأخذوا التحية الرسمية، واذكر من رفقاء مديرية الحدث: داوود برباري، عادل الشويري، رجا نصرالله، ميشال الحاج، إميل الحاج، وتوفيق ابو خليل وغيرهم، ثم بدأ سعاده بمصافحتهم واحداً واحداً وأخذ مكانه في وسط القاعة.

بدأ البرنامج، وشارك سعاده في جميع النشاطات والالعاب الترفيهية، وهو جالس بين القوميين والقوميات ببساطة وتواضع، لا بل كان التواضع ذاته. كان بحضوره المميز يضفي على الاجواء مزيداً من الفرح والانتعاش، فالقوميون توّاقون لرؤية سعاده خارج الاجواء الرسمية، وفي مثل هذه اللقاءات كان يُتاح لهم التعرّف الى سعاده الاب والزوج والصديق.

اما لجهة اصداء مجيء سعاده الى الحدث، فكانت التكتلات الحزبية تستنفر لمجرد سماعها بقدوم سعاده، وخاصة الكتائبيون والشيوعيون، اذ كانوا يرون في هذا الحدث الفريد تحدياً مباشراً لهم فيرسلون اعوانهم الى محيط بيتنا يستكشفون ما يجري، فيما كان القوميون الاجتماعيون ينتشرون في الحديقة الواسعة وبين الاشجار.

في نهاية الحفل، تعلن الرفيقة فائزة انتهاء الحفل، وبمثل ما استقبلوه بها، يودّع القوميون سعاده بالتحية الحزبية، واعدين انفسهم بلقاء آخر في أحد قادم.

اذكر ان الرفيق زكي ناصيف كان يحضر هذه اللقاءات. وفي إحدى المرات إنتحى سعاده بزكي جانباً على الشرفة الغربية للبيت، المطلّة على بحر من اشجار الزيتون وخلفها المطار فالمدى الازرق، وتحدث إليه ونصحه بأن تكون أغانيه فرحة وتحكي الحب والقرية والطبيعة، بحسب ما اخبرنا الرفيق زكي. وأما النصيحة فأسست للنهج الجديد الذي ابتدعه زكي فنياّ.

واذكر ان الزعيم طلب من زكي ان يغني أغنية «انطونيو فرغاس» المحببة الى قلبه، فأنشدها زكي باللغة الإسبانية، وأتبعها باغان اخرى إسبانية وإيطالية. ولطالما حركت ثقافة سعاده الواسعة اجواء اللقاءات الاجتماعية وأغنتها.

هوامش

1. شقيقة الرفقاء الراحلين د. فخري، الامين فوزي، رشدي، حلمي، وكمال . زوجة الرفيق الدكتور فاضل أنتيبا.

2. مراجعة ما عممناه بتاريخ 23/01/2015 بعنوان «معلومات متفرقة».

3. كان الأمين جبران جريج يتولى مسؤولية منفذ عام بيروت.

4. اكتفت النشرة الرسمية بإيراد مسؤوليات البعض، دون اسماءهم.

5. المعروف أن سعاده لم يجن ثروة في سنوات إغترابه القسري، وقد أمضى معظمها في بناء العمل الحزبي في الارجنتين ومتابعة فروع حزبية أخرى عبر الحدود، فكان طبيعياً ان يغطي الحزب نفقات العائلة. يفيد الاطلاع على مذكرات الأمينة الأولى التي تشرح فيها الأوضاع المالية لعائلة الزعيم، في الارجنتين ثم في الوطن.

6. هو الرفيق وفيق عضاضة، وكان تولى مسؤولية مدير مديرية الناصرة، في حي بيضون الاشرفية.

7. منزل السيد اسكندر نصرالله ، والد الرفيق رجا نصرالله والأمينة هيام عقيلة الأمين عبدالله محسن عميد، عضو مجلس أعلى، ورئيس للحزب . كان سعاده يلجأ الى هذا البيت القابع فوق رابية مطلة على بيروت والبحر والمحاطة بالأشجار، وكان صاحب البيت معجباً بالزعيم ويكنّ له الكثير من الحب والاحترام.

8. هو الرفيق الدكتور خليل الحلبي، من ضهور الشوير. منح في وقت سابق رتبة الأمانة. كان طبيب قلب، وافته المنية منذ 4 او 5 سنوات.

9. كان الأمين انعام رعد يتولى مسؤولية ناموس عمدة الاذاعة.

10. منزل الأمين بشير فاخوري.

11. من مشغرة. شارك في الثورة الانقلابية، تمكن من الوصول الى استراليا، مستقراً في سدني ومحققاً نجاحاً في اعماله الاقتصادية. منح رتبة الامانة، وتولى مسؤوليات حزبية في استراليا.

12. فوزي معلوف، شقيق فخري، رشدي، حلمي، فايزة، وكمال. منح رتبة الأمانة. تولى مسؤوليات عديدة منفذ عام الطلبة، رئيس مكتب عبر الحدود ، وانتخب رئيساً لجمعية خريجي الجامعة الاميركية .

13. ارجّح انه صوت الرفيق يوسف تاج الذي اشتهر بصوته الرائع! كتبت نبذة عنه وعن الرفيق الشاعر يوسف حاتم. للإطلاع الدخول الى ارشيف تاريخ الحزب على موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية www.ssnp.info

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق