الوطن

بالسؤال عن السيناريوات الأميركية المحتملة في منطقتنا

} نزار عثمان

على الرغم من العنوان الملتبس اتجاه القضية الفلسطينية للرئيس الأميركي جو بايدن، على إثر ربطه موضوع حلّ الدولتين، كحلّ نهائي لها، باعتراف جميع دول المنطقة بـ «حق إسرائيل بالوجود»، وهو الأمر الذي قد يثير من جهة أولى عدة تساؤلات، إلا أنه وبشكل موارب قد يلقي ضوءاً خافتاً على استراتيجيته المحتملة اتجاه منطقتنا، وعلاقة الولايات المتحدة بالدول العربية والإسلامية، فضلاً عن علاقتها بالكيان الصهيوني.

في الواقع انّ الناظر الى سياسات بايدن منذ وصوله الى سدة السلطة في البيت الأبيض، قد يحار بين تصريحاته ومواقفه لا سيما من «إسرائيل» من جهة، والجمهورية الاسلامية في إيران من جهة أخرى… فمن ناحية تجده يصرّح علانية بصهيونيته، ولا يتوانى عن الإعلان أن أمن الكيان الصهيوني هو أولوية بالنسبة لإدارته، وتجده من جهة أخرى لا يهاتف نتنياهو إلا لماماً للظرف الذي أملاه احتدام الحرب على غزة، كما ويثير مخاوف الصهاينة من خطة عمله في ما يعني طريقة إدارة ملف المفاوضات النووية غير المباشرة مع إيران، وخروج الوفود التي أرسلها نتنياهو إلى واشنطن بخفي حنين، فهل من الممكن أن يكون وراء الأكمة ما وراءها؟ وهل الخلاف الذي حتم على بايدن هذا السلوك اتجاه حليف الولايات المتحدة الأساسي في المنطقة، أعني به «إسرائيل»، كان لفقد الكيمياء بين بايدن ونتنياهو، في سعي من الأول لحرق ورقة الأخير واستبداله بشخصية أكثر مرونة في تمرير المخططات الأميركية في الشرق الأوسط؟ ثم هل يراهن بايدن على تغيير جذري في عقيدة، ولا أقول سلوك بعض الدول اتجاه وجود «إسرائيل» ككيان قبل أيّ شيء آخر؟ الأمر الذي جعله يراهن على تبدّل محوري في سلوك إدارته اتجاههم، مع التمسك بأولوية «إسرائيل» وأمنها ووجودها على أيّ شيء آخر؟ أم بالفعل باتت «إسرائيل» تشكل عبئاً ثقيلاً على إدارة بايدن، وحان الوقت للتخفيف من الحمولة الأميركية في الشرق الأوسط، سعياً للتفرّغ للصين وما تشكله من تحدّ، ومن ثم روسيا؟

تساؤلات عدّة بالإمكان طرحها على بساط البحث، ولا يدّعي هذا المقال إيجاد أجوبة واضحة لها، كما لا يدّعي التوصل الى عناوين من جهات أو مصادر معنية، غاية الأمر طرح استفهامات، وسنّ أجوبة تحليلية تقريبية لها مسافة من واقع الحال، وما اعتدنا عليه من سيرة ومسيرة الولايات المتحدة في منطقتنا وعلاقاتها، وأوجه المسلمات والمحرمات في سننها وطبيعة تفكير قادتها.

في البدء لا يمكن المرور على ما جرى في غزة وفلسطين من حرب انتهت بفشل ذريع لأجندة «إسرائيل»، وهزيمة مدوية ذاع صيتها، ومقاربة الولايات المتحدة لها، فمن جهة أولى ظهر واضحاً الدعم الأميركي المشفوع بدعم أوروبي للكيان الصهيوني، الأمر الذي قد يُقرأ تكتيكياً بأحد أمرين، إما ان تتمكن «إسرائيل» من تنفيذ أجندتها في غزة، وبالتالي تفقد الجمهورية الإسلامية في إيران دعم حركة المقاومة في غزة لها، الأمر الذي قد يتمّ استثماره في المفاوضات حول الملف النووي، ويكون باباً لفتح ملفات المقاومة في بقية البلدان التي تنعم بعلاقات ودّ وتعاون مع إيران. وإما ان يفشل نتنياهو، وبذلك يكون قد دفع ثمن تغطرسه، وباء بثقل الهزيمة، وبالتالي احترقت ورقته، ليُصار الى استبداله بشخصية أكثر مرونة من وجهة نظر الإدارة الأميركية الحالية، سعياً لتنفيذ مخططات استراتيجية معينة في الشرق الأوسط.

بهذا، وبالحصر العقلي، وبعد هزيمة نتنياهو المبشرة فعلياً باستبداله بشخصية أخرى، وهو الأمر الذي تمّ إقراره قبل شن الحرب الهمجية «الإسرائيلية» على غزة بأيام، ماذا تتقصّد إدارة بايدن من مخططات اتجاه منطقتنا، أخذاً بالمنطق المهادن اتجاه إيران أولاً؟ ومن ثم هل موقفها الذي يصحّ ان نصفه بغير المرن اتجاه «إسرائيل» يعكس موقفاً مبدئياً، يوحي برغبة أميركية بالتخلص من حمولة عقود من الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني؟ ام انّ الحال هو موقف اتجاه نتنياهو بالخصوص، الذي قد تكون ورقته قد احترقت باحتراق صفقة القرن وترامب من قبله؟

في الواقع… السياسة الاستراتيجية الأميركية اتجاه ايران و»إسرائيل»، يمكن وصفها وفقاً لثلاثة محاور…

المحور الأول: إما انها تراهن على قبول إيران بوجود الكيان الصهيوني، وهو الأمر الذي أعلنه بايدن في حديثه عن ضرورة اعتراف دول المنطقة بـ «حق إسرائيل في الوجود»، وأشرنا إليه في بدء هذه المقالة، وهكذا أمر يفترض عدم دراية بايدن بطبيعة النظام القائم في إيران، وطبيعة نظرة الجمهورية الإسلامية لـ «إسرائيل»، ولا أزيد بالكلام لأنّ العداء الإيراني لـ «إسرائيل» من المسلمات التي لا لبس فيها.

المحور الثاني: أن يراهن بايدن على شخصية مركزية في الكيان الصهيوني، بديلة لنتنياهو، يطرح من خلالها برنامجاً لإدارة الشرق الأوسط مع لعب دور أساسي لها في الصراع في المنطقة وطبيعة إدارته، يمهّد لخلق محور من التطبيعيين العرب تلعب فيه «إسرائيل» دور المحور، وتتحرك باتجاه تحوّلها إلى قوة عظمى على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، مستفيدة من تقديمات الدول العربية التطبيعية المعترفة بها، من قبيل الثروات والموارد الطبيعية، والطبيعة الديمغرافية للكيان، باتجاه ان تصبح قوة منافسة للصين وروسيا وإيران، على ان يتفرّغ جهد الولايات المتحدة رأساً باتجاه الصين وروسيا.

المحور الثالث وهو مستبعد، أن تكون إدارة بايدن قد ضاقت ذرعاً بـ «إسرائيل» وباتت تجنح باتجاه البحث عن مصالحها الخاصة بعيداً عن المنظار الصهيوني الذي عوّدنا أن يحتم على سياسات واستراتيجيات الولايات المتحدة خطة عمل تخدم مصالح الصهاينة، وهذا انْ كان فهو من قبيل تحقق المستحيلات، لا سيما أنّ بايدن على ما ذكرنا لطالما ردّد أنه صهيوني وداعم للكيان الغاصب.

سيناريوات عدة قد تطرح في هذا الإطار، ويبقى الأمر بعهدة الآتي من الأيام والأسابيع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى