أخيرة

نافذة ضوء

الفوضى من طبيعة الفكر المضطرب

يوسف المسمار*

من طبيعة الفكر المضطرب الفوضى, ومن طبيعة الفكر المتّزن النظام، والفكر المضطرب لا يقود إلا إلى التيه والتشتت وسيطرة الظنون والأوهام على الروح والنفس والعقل والدخول في المبهمات، والهذيان في الكلام، وكثرة التحدّث عن المفكرين والمذاهب الفكريّة والتعصّبات والتحزبات ونسيان وتناسي أنفسنا وطبيعتنا وحقيقتنا.

والابتعاد عن أصالتنا وما نحن بحاجة إليه، وما ينبغي علينا فعله. وهذا ما جعل سعاده ينبّهنا إليه في قوله: «أما التكلّم المبعثر على فولتار وموليار ولنكلن وهيقل ووليام جايمس وكانت وشوبنهورالخ وعلى مختلف المدارس الفكريّة، بدون أن يكون لنا رأي وموقف واضح في تلك الأفكار وأولئك المفكّرين، فلا يعني أن لنا نهضة. إن ذلك لا يعني إلا بلبلة وزيادة تخبّط. إن الفكر البعيد عن هذه القضايا هو أفضل من الفكر المضطرب المتراوح الذي لا يقدر أن ينحاز أو أن يتّجه، لأنه متخبّط وليس له نظرة أصليّة، ولا يدرك ماذا يريد».

نفهم مما تقدّم أنه لا بد من ضابط يضبط الأمور. يزيل الاضطراب ويحفظ الاتزان والتوازن. والضابط الفعال لا يكون من خارج النفس، بل لا بدّ من أن يكون هذا الضابط من داخل النفس. فالضابط من الخارج يأتي بالقهر. والقهر يحجز الحرية ويقتلها فتنشأ حالة العبودية. أما الضابط الذي ينبثق من الداخل، فإنه عامل انفراج وحريّة، والحريّة هي الثروة التي يجنيها الانسان بوعيه وإرادته وطموحه ولا تفرض عليه فرضاًَ فتكبله، وتُرغمه على ما لا يقتنع به ويريده فتذله، وتعيقه عن تحقيق ما يطمح اليه، وتعطّل فعل مواهبه، وتشلّ قوته فتميت الحياة فيه. ولذلك كانت موهبة الإنسان الأسمى من كل موهبة هي الضابط الذي لا ضابط فوقه، وهي الشرع الأعلى الذي هو العقل الإنساني الذي ربط فيه الله الانسان بالله الخالق ربطاً لا يُحل من غير رباط منظور للناس، فكان الله في قلب الانسان كما الانسان في قلب الله. وهذه الموهبة البديعة هي العدسة المكبّرة التي تقرّب الخالق من الانسان والانسان من الخالق حتى تصير المسافة بين الانسان وخالقه قاب قوسين أو أدنى، فضلاً عن كونها جهاز تسجيل داخلية الإنسان وظاهره بالصوت والصورة نيةً وفكرةً وميلاً وتصوّراً وحركةً وعملاً وتصرفاً وكل ما يخطر على البال وما لا يخطر. بحيث يكون العقل هو رسول الله الخالق الأمين الدائم المرافق له في كل لحظة من لحظات حياته في هذا العالم.

*باحث وشاعر قومي.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى