مقالات وآراء

الكبار يرحلون بصمت مهيب

‭}‬ عبير حمدان
حين كان يُذكر في بيتنا ونحن لم نزل في طور التعرّف على تكوين دولتنا في عمر صغير، كان أبي يقول «أبو علي» بعيداً عن أيّ توصيف سيادي آخر، وحين رأيته للمرة الأولى في موسم الانتخابات وكنت أنتخب للمرة الاولى لم أشعر إلا برهبة الحضور الأبوي، فقد وعيت منذ صغري أنّ الصداقة التي ربطته بأبي لم تتأثر بالمنصب، وبقيَ «السيد» الشخصية المحبّبة التي واكبها جيل الكبار في زمن الحرب التي لم تنل من ثباته كرجل دولة حقيقي لم ينغمس يوماً في لعبة الدم ولم يتلوّث بالفساد.
لاحقاً في مرحلة متقدّمة وخلال عملي الصحافي كنت أعدّ تحقيقاً عن بلدية شمسطار وفي سياق لقاءاتي أخبرني من خلف الرئيس حسين الحسيني في البلدية أنه وجد صندوقها مليئاً لا بل أكثر من ذلك قال لي حرفياً «الرئيس الحسيني جهّز المبنى البلدي على نفقته الشخصية»، وفي إطار ثانٍ لم يسمح لقرار اعتباطي بهدم المدرسة القديمة ذات البناء الأثري في البلدة التي خرّجت الكثير من الأسماء المعروفة وهو كان من تلاميذها أيضاً حيث عمد الى وضعها على لائحة المباني التراثية.
قد يحاول البعض إنكار الإنجازات ولكن ما نعرفه على صعيد بلدته أنه جعلها نقطة ارتكاز في محيطها أقله في ما يتصل بالمعاملات الرسمية، من دائرة النفوس الى المحكمة الشرعية والمخفر ومركز الأمن العام والمدرسة الرسمية وكلّ ما يلزم كي لا يضطر أبناء المنطقة الى تكبّد عناء الحصول على أساسيات بديهية بحجة المركزية الإدارية.
لم يضع الرئيس الحسيني حواجز وسواتر أمام منزله في شمسطار حتى حين كان رئيساً للمجلس، ولم يغلق بابه يوماً أمام زواره، وحتى اليوم بوابات منزله مفتوحة للجميع ويمكن لأيّ شخص الدخول لأخذ صورة في حديقته.
رحل الرئيس حسين الحسيني رجل الدولة الدمث والدبلوماسي والخبير بروح القوانين بصمت مهيب على قياس وقاره، ولا يمكن لأيّ طرف سواء وافقه أو خالفه سياسياً أن يغيب عن فعل الكتابة ناعياً حيث أنّ الكبار يبقى حضورهم في ما طبعته بصماتهم على امتداد الوطن بكافة تناقضاته.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى