مانشيت

المناورات الروسية الصينية الإيرانية في الخليج ترسم توازنات الأمن الدولي والإقليمي للمنطقة مخاض الحكومتين العراقية واللبنانية مترابط… ومصادر دبلوماسية تدعو للتريّث الحريري بين تصعيد لن يؤدي لاعتذار دياب… وتهدئة قد تحفظ المواقع وتخفّف الخسائر

كتب المحرّر السياسيّ

خلافاً للمتداول في المشهد الإعلامي عن قرب صدور التشكيلة الحكومية الجديدة في لبنان، دعت مصادر دبلوماسية مطلعة للتريث بانتظار جلاء بعض الغموض في المشهد الإقليمي، خصوصاً في ظل الترابط بين مخاض الحكومتين اللبنانية والعراقية، حيث التعامل الأميركي الإيجابي مع الحكومة الجديدة في لبنان، الذي حملته زيارة المبعوث الأميركي معاون وزير الخارجية ديفيد هيل إلى بيروت، لا يزال مطلوباً لنجاح الحكومة في مخاطبة مصادر التمويل الدولي، لكنه ينظر بعين واحدة للمشهدين اللبناني والعراقي من خلال قراءته لمستقبل قوى المقاومة في أي تركيبة سياسية جديدة فيهما. وعلى المستوى الغربي لا تبدو المواقف التي كانت تضغط على لبنان بتسريع ولادة الحكومة بالحرارة ذاتها، حيث صار الحديث عن أول شباط كموعد مقبول لولادة الحكومة، ما يعني منح الفرصة لتفاوض يجري خلف الكواليس لترتيب تفاهمات تطال المأزق الحكومي العراقي في ظل تجاذب بلغ ذروته مع نصف الاستقالة التي تقدّم بها الرئيس العراقي والتي عطلت تسمية رئيس جديد للحكومة وتلويح رئيس مجلس النواب بالتعامل معها كاستقالة كاملة، وتولّيه مهام رئاسة الجمهورية وقيامه لتسمية مرشح كتلة البناء التي تضم قوى المقاومة ليتولى تشكيل الحكومة الجديدة.

الشهر العراقي يشكّل مناسبة لبنانية لترتيب الأوراق الحكومية، التي ليست كما تقول التسريبات للتشكيلات المتداولة، ولم تتجاوز بعد نصف الطريق في النظر لبعض الأسماء والحقائب، فيما تقول مصادر متابعة إن ترتيبات واسعة في المنطقة تبدو في الأفق خلال الشهور المقبلة، سواء في الملف اليمنيّ، أو مستقبل سورية الذي بات واضحاً يستعد لخروج القوات الأميركية والتركية، أو الانتقال التركي نحو ليبيا ومشروع مواجهة مصرية تركية تجعل الوساطة الروسيّة ضرورة حيوية تدخل من خلالها موسكو على خط التموضع في ساحل أفريقيا الشمالي الذي أخرجت منه عنوة بالتدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا، وتأتي المناورات الروسية الصينية الإيرانية في مياه الخليج لترسم وضعية محور عسكري دولي إقليمي حاضر في أمن الخليج، بالتوازي مع المحور المقابل الذي تقوده واشنطن ويضمّ السعودية والإمارات. وهذا يعني تشكيل خريطة طريق لمؤتمر الأمن الخليجي الذي يجري الحديث عن انعقاده في ربيع العام المقبل تحت علم الأمم المتحدة، ويفترض أن يكون أول منصة دولية إقليمية مباشرة تجمع طهران وواشنطن، في استعادة لمؤتمر دول جوار العراق الذي ضمّ إيران والسعودية وسورية وتركيا والأردن والكويت إضافة للدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وشهد أول حوارات إيرانيّة أميركيّة.

خلط الأوراق في المنطقة الذاهبة لترسيم توازنات التسويات، يفرض الهدوء على اللاعبين المحليين وعدم التسرّع في خطواتهم، كما قالت مصادر متابعة تنفي أن تكون الحكومة الجديدة قد انتقلت من النار الهادئة إلى النار الحامية، وتقول إن اجتماعات ستشهدها الأيام والأسابيع المقبلة بين الرئيس المكلف والكتل النيابية، سيتمّ خلالها تداول الكثير من الأسماء والصيغ المقترحة لتوزيع الحقائب وتليها اجتماعات تشاورية بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف قبل أن ينعقد اللقاء الحاسم بينهما الذي تخرج منه التركيبة الحكومية الجديدة. ومن المنظار ذاته الداعي للتروي قالت المصادر المتابعة إن رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري الذي قاد تحركات تصعيدية في الشارع بوجه الرئيس المكلف وأوصل رسالته لجهة مكانته الشعبية ومحورية دوره في تمثيل طائفته، ليس مضطراً لمواصلة تصعيد لن يؤدي إلى اعتذار الرئيس المكلف وقد تؤدي إلى فتح الأبواب على مواجهة تستمر بعد ولادة الحكومة، لن يتركه خصومه خلالها ليستخدم مؤسسات ومواقع حكومية لتوفير حمايات ومقدّرات لمن يستهدف الحكومة. وهو لذلك مدعوّ لتحكيم العقل والمصلحة السياسية لتياره وترك الفرص والخطوط مفتوحة لعودته اللاحقة لرئاسة الحكومة، طالما أن المصلحة الوطنية واضحة أيضاً في ترجيح الحاجة لخيار التهدئة.

وبعد أسبوع على تكليفه زار الرئيس المكلف حسان دياب بعبدا والتقى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على مدى ساعتين، حيث وضع الرئيس دياب الرئيس في جو الاتصالات التي أجراها مع مختلف الفرقاء. وتطرّق البحث إلى مسألة توزيع الحقائب بحسب المعلومات التي أشارت الى أن «دياب اتفق مع عون على لقاء يُعقد بينهما بداية الأسبوع المقبل بعد جوجلة مشاورات سيُجريها دياب مع المعنيين بالتأليف»، وتشير معلومات «البناء» الى أنه «تم الاتفاق بين جميع القوى السياسية على أن تكون الحكومة من 18 وزيراً مع دمج بعض الوزارات وأنها ستكون من الوزراء الاختصاصيين ولن يكون فيها سياسيون ولا حزبيون ولا نواب حاليون». وفيما سرت إشاعات بأن رئيس التيار الوطني الحر حضر الاجتماع بين عون ودياب، نفت قناة أو تي في الخبر مؤكدة بأن باسيل لم يحضر اللقاء والهدف من تسريبه التشويش على عملية التأليف. وبات من المحسوم أن الحكومة الجديدة لن تولد قبيل رأس السنة الحالية، بل مؤجلة الى مطلع العام المقبل، كما تؤكد مصادر القصر الجمهوري.

وسبق لقاء عون دياب، مشاورات مكثفة أجراها الأخير مع مختلف القوى السياسية لا سيما رئيس المجلس النيابي نبيه بري وتيار المردة والنائب طلال ارسلان واللقاء التشاوري للسنة المستقلين الذين زاروا منزل دياب، وأكدوا بعد اللقاء أن الأجواء إيجابية.

وبحسب مصادر «البناء» فإن «الرئيس المكلف قدم لائحة بأسماء وزراء للأطراف السياسية، لكنها قوبلت بالرفض لا سيما بما خصّ حصة الثنائي الشيعي»، كما قدّم الوزير باسيل لدياب لائحة بأسماء وزراء للتيار الوطني الحر، كما علمت أن الرئيس المكلف يحاول اختيار وزراء من الطائفة السنية يكونون مقربين من تيار المستقبل لإرضائه، لكنه يجد صعوبة بذلك، حيث رفضت أكثر من شخصية عرض التوزير بعدما تلقوا اتصالات من جهات سياسية وروحية حذّرتهم من القبول». وفي السياق عرض الرئيس المكلف على مدير عام قوى الأمن الداخلي السابق اللواء إبراهيم بصبوص تولي وزارة الداخلية، لكنه رفض». وقالت مصادر الحزب الاشتراكي لـ»البناء» إن الرئيس المكلف لم يتواصل مع قيادة الحزب حتى الساعة ولم يبحث أحد معنا المشاركة في الحكومة، مشيرة الى أن الحزب اتخذ قراره بعدم المشاركة في الحكومة واختيار الوزير الدرزي في حكومة الـ 18 وزيراً من مسؤولية الرئيس المكلف ولن نتدخل في الأمر».

أما تيار المستقبل فلم يعلن موقفاً جديداً من عملية التأليف، لكن دلت تصريحات مسؤوليه ونوابه على أن التيار سينتقل الى صفوف المعارضة مع القوات اللبنانية والاشتراكي والكتائب، اضافة الى التصعيد ضد الرئيس دياب في السياسة وفي الشارع وإثارة مسألة الميثاقية مجدداً في وجهه لعرقلة التأليف لدفعه الى الاعتذار.

وعلمت «البناء» في هذا السياق، أن روابط وقادة في تيار المستقبل في مناطق بيروت والبقاع والشمال وطريق بيروتصيدا الساحلي يعدّون العدة للبدء بمسلسل جديد لقطع الطرقات في بداية العام المقبل، احتجاجاً على إقصاء الرئيس سعد الحريري عن رئاسة الحكومة، كما سيحاولون استدراج شارع مقابل شارع للضغط على الرئيس المكلف»، لكن مصادر سياسية تشير لـ «البناء» الى أن «الحريري لم يعد يستطيع عبر تحريك الشارع إزاحة دياب والعودة الى السرايا الحكومية، وهو يدرك ذلك، بل التصعيد في الشارع أبعد من المعادلة الحكومية الجديدة التي ارتضاها الحريري بملء إرادته، لكنه يحاول القيام بضربات استباقية للدفاع عن مواقع تيار المستقبل في الدولة والمؤسسات ورموزه في القضاء والإدارة والمؤسسات المالية والأمنية والعسكرية وغيرها. وتحرّكاته وتصريحه أشبه برسائل نارية من بيت الوسط باتجاه تلة الخياط لعدم مسّ الرئيس دياب بأي من هذه المواقع تحت طائلة المسؤولية»، وكان الرئيس بري حذّر الرئيس الحريري بعدم اللعب بالنار في الشارع.

وقالت مصادر إحدى المجموعات الفاعلة في الحراك الشعبي لـ»البناء» إن عدداً من مجموعات الحراك في ساحة رياض الصلح ومناطق أخرى لا يهمهم تركيبة الحكومة ووزراءها بقدر ما يركزون على برنامج عملها وسياساتها وبيانها الوزاري لا سيما على الصعد الاقتصادية والمالية وقراراتها تجاه الفئات الشعبية الفقيرة، مشيرة الى أننا ضد الحكم المسبق على شخص الرئيس دياب وعلى أي وزير آخر في الحكومة العتيدة بل الحكم يكون على البيان الوزاري وبرنامج العمل والقرارات التنفيذية». ولفتت الى أن «التباين بين مجموعات الحراك موجود منذ الأسابيع الاولى للثورة ولا يزال موجوداً حتى الآن وكل مجموعة تعبر عن تطلعاتها، لكن تعمل المجموعات على التنسيق فيما بينها والاتفاق على قرار موحّد»، لكن المصادر تكشف أن «هناك مجموعات مشبوهة تسللت الى داخل الحراك وتعمل على سرقته او ركوبه لتحقيق غايات سياسية، إضافة الى تسريب قيادات للحراك بعيدة كل البعد عن الحراك الحقيقي ويجري إظهار هذه القيادات عبر وسائل اعلام محلية وفضائية حيث يجري تسليم قنوات لبنانية لائحة بأسماء قيادات للتحدث باسم الحراك في الساحات ومن على منابر واستديوات القنوات»، كما تكشف أن «مجموعات تيار المستقبل التي جاءت الى ساحات الحراك أكدت أن قيادة المستقبل هي من طلبت منهم الحشد في الشارع».في غضون ذلك، لاحظت مصادر سياسية أن المواقف الدولية من تكليف دياب حتى الآن، أظهرت أن أي دولة لم تعترض على تكليفه بما فيها الولايات المتحدة وفرنسا ودول الخليج، ما يوحي بإيجابية على صعيد الدعم المالي الدولي للبنان من جهة وعدم ربط المساعدات المالية بوجود الحريري على رأس الحكومة، وأعلنت ​وزارة الخارجية الفرنسية​ في بيان أمس، أن «مجموعة الدعم الدولي مستعدة لمساندة لبنان ومرافقته على هذا الطريق»، مشيرةً الى انه «ليس لها أن تقرر تكوين ​الحكومة​ اللبنانية المستقبلية، وانما الأمر متروك الى اللبنانيين»، متمنيةً «تشكيل حكومة فعّالة تساعد على اتخاذ القرارات بسرعة كبيرة، وتلبي هذه القرارات مطالب ​الشعب اللبناني​«.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى