أولى

في وجه الحرب الأمنيّة: الردّ هو الصمود…

 د. عصام نعمان*

 

ليس سراً ان الولايات المتحدة، بضغط من «إسرائيل»، تشنّ حرباً أمنية ضد الأعداء والخصوم على امتداد غرب آسيا، من شواطئ البحر الابيض المتوسط غرباً الى شواطئ بحر قزوين شرقاً. يُقصد بالحرب الأمنية مجموعة هجمات متكاملة قوامها عمليات استخبارية، وعقوبات اقتصادية، وصدامات أهلية، وصراعات مذهبية، وتفجيرات وحرائق تستهدف مرافق عامة حيوية وموجودات عالية القيمة والأهمية.

         أشدّ هجمات الحرب الأمنية الأميركية قسوة تركّزت في إيران، تليها عدداً وأهمية تلك التي تستهدف لبنان بما هو منطلق لحزب الله. في إيران استهدفت الهجمات الاميركية مواقع لها صلة ببرنامجها النووي (موقع نطنز) وبالقوة البحرية (مرفأ بوشهر) وغيرها من المواقع والمرافق الحيوية. لوحظ في كل هذه الهجمات ان للسلاح السيبراني دوراً وازناً فيها.

         إيران أعلنت عزمها على الردّ اذا ما ثبت لديها ان لأميركا و«إسرائيل» صلة بهذه الهجمات. خبير عسكري مقرّب من أحد أطراف محور المقاومة أكدّ أنّ إيران باشرت فعلاً الردّ على الهجمات الأميركية. ذكّر محاوريه بأنه سبق لـِ «إسرائيل» أن اتهمت إيران قبل أقلّ من شهر بأنها استعملت وسائل سيبرانية في هجومها على شبكات المياه في قلب الكيان.

 ثانية الساحات استهدافاً من الولايات المتحدة هي لبنان. هنا الاستهداف يعتمد وسائل وتدابير اقتصادية، ويضاعف ضغوطه السياسية ويستغلّ بلا هوادة الصراعات السياسية والطائفية بين اللاعبين المحليين، كما المشاكل الاقتصادية والمالية التي تعانيها البلاد.

كثيرة هي التحديات التي تواجه اللبنانيين، مسؤولين ومواطنين. غير أنّ أشدّها ضراوة وخطراً ثلاثة: الانهيار الماليّ والاقتصاديّ، والحكم المزمع صدوره عن المحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي في 7 آب/ أغسطس المقبل بحق المتهمين باغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وقرار مجلس الأمن الدولي المزمع صدوره أواخرَ الشهر المقبل بصدد تجديد مهمة قوات الأمم المتحدة «يونيفيل» (أو تعديلها) التي تقوم بمراقبة وقف إطلاق النار بين لبنان و«إسرائيل» وفقاً لأحكام القرار الأممي 1701.

حيال تحدي الانهيار المالي والاقتصادي، تباشر واشنطن ضغوطاً شديدة على طرفين محليين من جهة، ومن جهة أخرى على صندوق النقد الدولي لحمله على إحباط أمل الحكومة اللبنانية بالحصول منه على دعم مالي وازن. كما تضغط على الحكومة والقوى التي تساندها للتصرف بمعزل عن حزب الله الذي يشارك فيها بوزير للصحة العامة وآخر للصناعة، وتضغط على القوى السياسية، لا سيما المعارضة منها، للمطالبة بتحييد لبنان إزاء الصراعات الإقليمية والدولية وصولاً الى تجريد حزب الله، أي المقاومة، من السلاح أو إبعاده في الأقلّ عن ايّ صيغة حكومية حاضراً ومستقبلاً.

إذ تبدي قوى المعارضة السياسية وخصوم حزب الله تأييداً فاقعاً لشعار تحييد لبنان وتستظل البطريرك الماروني بشارة الراعي كرأس حربة في الضغط سياسياً وشعبياً لتحقيقه، يرفض الرئيسان ميشال عون وحسان دياب والقوى السياسية الداعمة لهما ولحزب الله المساس بسلاح المقاومة بما هو ضمانة لحماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة. وعلى كلّ حال لا يشكّل تحييد لبنان تحدّياً راهناً طالما أنّ البطريرك الراعي قال أخيراً إنه لا يصحّ إلا بوجود دولة قوية وعادلة، وهو أمر غير متوافر حالياً.

الحكم المنتظر صدوره عن المحكمة الخاصة بلبنان في قضية اغتيال رفيق الحريري يبدو أكثر حساسية وخطورة لكونه سيُستخدم أداةً للتعبئة الطائفيّة، لا سيما في أوساط أهل السنّة والجماعة، سواء قضى بتجريم المتهمين او بتبرئتهم. وفي هذه الحالة فإنّ الهدف المرشح دائماً للتصويب عليه هو حزب الله الذي يأمل خصومه بإضعافه وحمل حلفائه تالياً على التخلي عنه وإبعاده عن الحكومة. المقول إنّ حزب الله لن يكترث لحكم المحكمة الخاصة أياً كان مضمونه، وإنّ حلفاءه لن يتخلوا عنه لأن لا مصلحة لهم في ذلك.

التحدي الناجم عن قرار مجلس الأمن المنتظر بشأن تجديد مهمة قوات «اليونيفيل» العاملة في جنوب لبنان لا يقلّ حساسية وخطورة عن التحديين سالفيْ الذكر. ذلك أن أميركا، بضغط متواصل من «إسرائيل»، تريد تعديل مضمون مهمة القوات الأممية لتتيح لها مراقبة ً أفعل لحزب الله وذلك بدخول منازل الأهلين من دون ان ترافقها وحدات من الجيش اللبناني، وبإقامة أبراج مراقبة وتجهيزها بوسائل سيبرانية لتمكينها من توسيع مراقبتها لتحركات أنصار حزب الله، كما بتوسيع نطاق مهمتها بحيث تشمل الحدود بين لبنان وسورية ايضاً.

لبنان، على ما يبدو، استحصل على ضمانات من روسيا والصين برفض محاولات أميركا تعديل مهمة «اليونيفيل» من جهة، ومن جهة أخرى لا يبدو حزب الله مكترثاً بكل محاولات أميركا على هذا الصعيد حتى لو أدى الأمر الى إنهاء مهمة «اليونيفيل» لكونها، اولاً وآخراً، مبرمجة لخدمة «إسرائيل».

اذ تشتدّ وطأة التحديات والأزمات والضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية على خصوم الولايات المتحدة في غرب آسيا، لا سيما أطراف محور المقاومة، ينهض سؤال: ما العمل؟

يقول مسؤولون في دول محور المقاومة، كما خبراء مقرّبون منهم إنّ الولايات المتحدة لن تخفف البتة من وطأة حربها الأمنية على أطراف المحور المذكور قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. إنها مرحلة انتقالية حساسة لا تسمح للرئيس ترامب، المنشغل بطموح ملتهب لتجديد ولايته في ظروف داخلية غير مؤاتية له، بالإقدام على أيّ عمل غير مأمون العواقب لئلا ينعكس سلباً على وضعه الانتخابي. كما لا تسمح الظروف الدقيقة نفسها لأطراف محور المقاومة بالردّ على أميركا و«إسرائيل» بعمليات قاسية لئلا تؤدي تداعياتها الى خدمة كلٍّ من ترامب ونتنياهو المستميتين للبقاء في السلطة.

الصمود في المواقف، والصمود في أساليب الردّ بالمثل على الأعداء هو الجواب الأجدى والأفعل في المرحلة الانتقالية.

هل من خيار آخر؟

*نائب ووزير سابق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق