أولى

الصراع في لبنان وعليه بين أميركا وفرنسا؟

 د. عصام نعمان*

 

يبدو لبنان واللبنانيون في هذه الآونة على مفترق. فأزمته الكيانية المزمنة باتت مقرونةً بانهيار مالي واقتصادي كارثي، كما بصراعٍ فيه وعليه بين قوى دولية، أبرزها الولايات المتحدة وفرنسا و«إسرائيل»، محوره التحكّم بحكومته في الحاضر والمستقبل ضماناً للتحكم بموارده الهائلة من الغاز والنفط الكامنة في مياهه الإقليمية على طول ساحله من الشمال الى الجنوب.

أزمة لبنان المزمنة هذه تزداد حدّةً بخاصيةٍ تاريخية هي تداخل الخارج بالداخل في بنيته السياسية والاقتصادية والثقافية. ففي السياسة والاقتصاد، الخارج متداخل بالداخل لدرجة يبدو معها الخارج أحياناً أنّ له اليد العليا. في الثقافة، الغرب بما هو عماد الخارج، كان دائماً في حال غزوٍ للبنان.

الخارج، في الغالب، أشدُّ تأثيراً. كان فرنسياً من سنة 1920، عندما أقامت فرنسا «دولة لبنان الكبير»، إلى سنة 1943 عندما سهّلت بريطانيا إعلان استقلال لبنان وشاركت فرنسا في إدارته لغاية 1958.

منذ سنة 1958 أصبح الخارج معقود اللواء للولايات المتحدة الأميركية، تشاركها في إدارته، بدرجات متفاوتة من النفوذ، سورية والسعودية بنفوذهما وأنصارهما لغاية إقرار اتفاق الوفاق الوطني في الطائف سنة 1989. بعد ذلك، بات لبنان تحت وصاية سورية لغاية اغتيال رئيس حكومته رفيق الحريري سنة 2005.

بضغط من أميركا وحلفائها العرب، اضطرت سورية إلى الخروج من لبنان. غير انّ نجاح المقاومة بقيادة حزب الله في دحر حرب «إسرائيل» على لبنان سنة 2006 ادّى الى تعديل ميزان القوى في الداخل، فأصبح للقوى الوطنية المعادية لأميركا تأثير أكبر في الشأن العام.

إذ اضطرب الوضع الأمني وتراجع النشاط الاقتصادي باضطّراد طوال زمن «الربيع العربي» المزعوم من 2011 لغاية 2016، اشتدّ الصراع في لبنان وعليه بين قوى سياسية متنافسة في الداخل وأخرى متحالفة ومتنافسة إنما ناشطة من الخارج إلى انّ تكامل الإنهيار المالي والإقتصادي بكارثة الانفجار الهائل في مرفأ بيروت في 4 أغسطس/ آب 2020.

سارع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في 7 أغسطس/ آب إلى زيارة لبنان والاجتماع الى كبار مسؤوليه الرسميين ورؤساء أحزابه وتكتلاته البرلمانية، ثم عاد بعد ثلاثة أسابيع ليتفق وإياهم على تأليف حكومة جديدة من اختصاصيين غير سياسيين مهمّتها تنفيذ إصلاحات اقتصادية وإدارية عاجلة قبل 15سبتمبر/ أيلول 2020 تحت طائلة اضطرار فرنسا الى فرض عقوبات على لبنان ومسؤوليه السياسيين.

قوى الخارج لم تكن متوافقة على ما يجب عمله في لبنان. صحيح أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومساعديه أبدوا رضاهم ظاهراً عن مساعي ماكرون لمساعدة لبنان، إلاّ أنهم استنكروا اجتماعه مرتين الى رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الله محمد رعد، وتمسكوا بموقفهم الداعي الى إبعاد الحزب عن المشاركة في الحكومة الجديدة، ثم ما لبث وزير الخزانة الأميركي أن أعلن فرض عقوبات على علي حسن خليل وزير المالية السابق واليد اليمنى لرئيس مجلس النواب نبيه بري، وعلى يوسف فنيانوس وزير الأشغال العامة السابق واليد اليمنى للزعيم الشمالي سليمان فرنجية وذلك بمدعيات محورها قيامهما بتقديم تسهيلات لحزب الله.

بري فسّر الأمر بأنه لإرهابه بغية التراجع عن موقفه المتصلّب ضدّ «إسرائيل» بشأن ترسيم حدود لبنان البرية والبحرية مع فلسطين المحتلة. فرنجية فسّر الأمر بأنه محاولة لفك تحالفه البرلماني مع حزب الله خدمةً لحلفاء أميركا (و»إسرائيل») في الداخل.

العقوبات الأميركية أفسدت مساعي التوفيق والإصلاح الفرنسية وتسبّبت في تراجع بري وحزب الله وحلفائهما عن القبول بحكومة اختصاصيين غير سياسية، والعودة إلى الإصرار على تأليف حكومة سياسية يكونون ممثَّلين فيها وبأيديهم حقائب وازنة كوزارة المالية.

قوى الداخل، كقوى الخارج، ظلّت غير متوافقة بل متنافسة. بعض قوى الداخل المحافظة صعّد معارضته للمنظومة الحاكمة ودعا الى إزاحتها وعزّز ذلك بعروض عسكرية فاقعة. المكلّف بتأليف الحكومة الجديدة مصطفى اديب وجد نفسه محرجاً. فهو مؤيد للمبادرة الفرنسية، لكنه حريص على عدم مجافاة التكتلات البرلمانية المؤيدة لرئيس الجمهورية ميشال عون ولبري وحزب الله وحلفائهم لكونها تمتلك الأكثرية البرلمانية اللازمة لمنحه الثقة.

قد ينجح الوسطاء في الداخل والخارج في التوصل الى تسوية بين الأطراف السياسيين المتصارعين على تأليف الحكومة وتركيبتها او قد لا ينجحوا. المهمّ والخطير في المسألة انّ الصراع في لبنان لا يقتصر على قوى الداخل بل يشمل قوى الخارج، تحديداً بين الولايات المتحدة وفرنسا. ذلك انّ ترامب، في سياق عدائه لحزب الله، اتهم فرنسا بأنها تمالئه لدرجة تغاضيها عن قيام عناصره بتخزين كميات من نيترات الأمونيوم لتصنيع المتفجرات في فرنسا ودول أوروبية أخرى. فرنسا نفت بقوة هذا الاتهام.

الى ذلك، بات واضحاً انّ ترامب مصمّم على البقاء في البيت الأبيض مهما كان الثمن. وهو، في هذا السبيل، يسعى الى تحقيق ما يعتبره انتصارات تعزز وضعه الانتخابي. أبرز ما يبتغيه في لبنان إقصاء حزب الله عن السلطة وحمل الحكومة الجديدة ــ إذا ما أمكن تأليفها بمعزل عن حزب الله وحلفائه ــ على الرضوخ لخطة أميركية لترسيم الحدود البرية والبحرية للبنان تكون مؤاتية لـِ «إسرائيل» وذلك قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

كلّ ذلك في وقتٍ تزداد الأزمة الإقتصادية والاجتماعية في لبنان تفاقماً ومعها الهجرة، بحراً وجواً، الى الخارج، كما عودة عناصر الإرهاب الداعشي الى النشاط في شمال البلاد.

الصراع في لبنان وعليه مستمرّ ومتفاقم.

_ وزير ونائب سابق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق