أولى

تشكيل الحكومة! مهزلة ما بعدها مهزلة!

 د. عدنان منصور _

منذ أن كلف الرئيس ميشال عون رئيس تيار المستقبل سعد الحريري يوم 22 تشرين الأول عام 2020، لتشكيل حكومته، أعلن الحريري أنه سيشكل مجلس وزراء مؤلفاً من اختصاصيين من غير الحزبيين، بما يتطابق مع مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

منذ ذلك التاريخ، والسباق الماراتوني بدأ ليسجّل تقدماً تارة، وتأخراً تارة أخرى، بعد أن بدأت لقاءات الحريري في بعبدا تدخل في دائرة الاشتباك السياسي المفتوح، ليشرع الأبواب لاحقاً، على مسلسل من المواقف المتشنّجة بين بعبدا وبيت الوسط، تتناقلها يومياً وسائل الإعلام على أنواعها، ولتتوالى في ما بعد المستجدات!

الحريري لم يعُد يتمسك بحكومة من 18 وزيراً، بعد أن كان متمسكاً بها!

تصلّب بين عون والحريري! تأليف الحكومة يزداد تعقيداً وسط استمرار الشروط والشروط المضادة!

الحريري يضع التشكيلة الوزاريّة ويعرضها على رئيس الجمهورية! رئيس الجمهورية يتحفّظ على بعض الأسماء وعلى التركيبة! الحريري يسمّي أسماء مسيحيين من حصة رئيس الجمهورية، والرئيس يعترض ويريد أن يسمّيهم هو بنفسه! الحريري يتهم ورئيس الجمهورية يردّ! الحريري يردّ على الردّ، والرئيس يتبادل من على المنصة راجمات الاتهامات، ويتهمه بالعرقلة ومصادرة القرار المسيحي! الحريري يعتكف. الحريري يعود عن اعتكافه! الحريري يصول ويجول، يلتقي حكاماً ومسؤولين دوليين، علّ حكام الخارج يساعدونه في إجراء العملية القيصرية لإخراج جنين الحكومة من رحم الدولة!

ذهاب وإياب، طائرة تقلع، وطائرة تحطّ، والمغربل في مكانه! وسيط يأتي، وآخر يغادر، سفير يحسب نفسه مندوباً سامياً ووصياً، يعِظ، يوبّخ، يهدّد، يتوعّد، يعطي درساً في الذي يجب أن نفعله، أو لا نفعله! تتوالى الأخبار: الحريري سيعتذر، الحريري يتريّث، الحريري لن يعتذر وسيستمرّ في مهمته! الحريري يائس، الحريري محبط! الحريري سيلتقي الرئيس وسيحسم موقفه! الحريري يزور القصر وسيحسم موقفه! الحريري يزور القصر ويسلم الرئيس تشكيلة وزارية من باب رفع العتب! الحريري سيبرّئ ذمته قبل الاعتذار! اتصالات دولية تفرمل الاعتذار! لا بديل عن الحريري! “البريزيديوم” الأعلى لمجلس رؤساء الحكومات السابقين لن يكلف غير الحريري! الحريري سيزور القصر، الحريري يتريث، الحريري يؤجل الزيارة. الرئيس يوجّه رسالة للحريري، وردّ قوي من الحريري على رسالة الرئيس! 17 اجتماعاً بين الرئيس والحريري، وهدنة بين الرئيسين لا تمهّد للتوافق! الحريري سيعتذر، الحريري لن يعتذر! إجماع دولي على التأليف، وكسر حلقات التعطيل! استبعاد الثلث المعطل، والحريري لم يعُد متمسكاً به! الحريري متمسك بحكومة من 18 وزيراً، وبحكومة تكنوقراط ومستقلين! الحريري قبل بحكومة من 24 وزيراً! عملية تأليف الحكومة تزداد تعقيداً وسط تصلب المواقف، واستمرار الشروط والشروط المضادة! العدّ العكسي للحسم ولاتخاذ القرار المرّ بدأ! الحريري يتخبّط ويبحث عن مخرج مشرّف! الحريري الى بعبدا بتشكيلة مرفوضة سلفاً! مشروع تسوية لحكومة8+8+8  ولا ثلث معطلاً فيها لأحد! كلّ المحاولات للتقريب بين الرئيس والحريري، وتدوير الزوايا فشلت! لا أفق بشأن الحكومة، والأزمة مكانك راوح! البلد ساحة للوساطات! يحلً ضيفاً على لبنان الوسيط الروسي، والسعودي والأميركي، والفرنسي، والقطري والمصري، والفاتيكاني، والأوروبي، ليشهد القاصرون تدويل تشكيل حكومتهم على أيدي “الراشدين”! الحريري يقترب من حسم قراره، وبات مقتنعاً باستحالة تمكنه من تشكيل الحكومة! الحريري يوم 14 تموز، إلى القصر دُرّ، يسلم الرئيس “تشكيلة المخاض العسير” بعد دخول التكليف شهره التاسع! تتدافع الآراء، والتوقعات، والقصر يعلن بعد ساعات، “أنّ التشكيلة تتضمّن أسماء جديدة، وتوزيعاً جديداً للحقائب والطوائف مختلفاً عما كان الاتفاق عليها من قبل”، ويأتي ردّ الرئيس في اليوم التالي، رافعاً البطاقة الحمراء في وجه دولته، تدفع بالحريري الى الاعتذار!

  ثمانية أشهر مرّت، والوطن يترنّح، يتحلّل، والشعب يجوع، والمواطنون على أبواب المستشفيات، والصيدليات، وأمام الأفران ومحطات البنزين، والسوبرماركات! صفوف طويلة أمام السفارات تستجدي تأشيرات للرحيل عن البلد، عملة وطنيّة تنهار، اقتصاد في الحضيض، رواتب تتبخر، وشعب يذلّ، ومواطن يسحق، وزمام الأمور في قبضة صاحب الفخامة ودولة الرئيس، وكلّ منهما يقول في نفسه؛ أكون أو لا أكون. لكني سأكون! قراري هو أنا، والدولة أنا، ولا غيري أنا!

مسكين لبنان، وكان الله بعون كلّ اللبنانيين! الراعي في مكان، والقطيع في مكان آخر. القطيع في الحقل، والذئب يتربّص خلف السور ويتأهّب للانقضاض عليه!

الشعب يئنّ كلّ ساعة وكلّ يوم، يذلّ، يهان، يسحق، على مرأى من سادة الجمهورية وحكامها وزعمائها، والغيارى على الوطن والشعب يبحثون عن ضمائر قادة ورجال في بلد عزّ فيه القادة والرجال!

*وزير الخارجيّة والمغتربين الأسبق

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى