أولى

مثلث (سورية/ روسيا/ تركيا) وتداعياته الإيجابية…

 د. جمال زهران*

شهدت أسابيع شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، زيارات متبادلة وبيانات ألقيت أمام الأمم المتحدة خلال دورة الجمعية العامة الجديدة، وتفاعلات جديدة، تقود إلى ضرورة التوقف عندها، والنظر في تداعياتها على الإقليم في ظلّ الصراع الدولي الجاري حالياً بين الشرق والغرب.

وقد بدأت الأحداث بزيارة الرئيس السوري بشار الأسد، لروسيا، ولقائه بالرئيس فلاديمير بوتين، والذي استمر ساعات، وخلال عدة لقاءات. وكل التسريبات تشير إلى أنّ المعادلة السورية لا بدّ أن تتغيّر في ظلّ المتغيّرات التي يشهدها الإقليم وأهمّها الانسحاب الأميركي من أفغانستان، والإقليم العربي تحديداً، وفي سورية والعراق على وجه الخصوص.

وقد صاحب هذا اللقاء قيام الطيران الروسي، والجيش السوري، بضرب معاقل وتجمعات للإرهابيين في إدلب. وقد كانت هذه الضربات رسالة موجهة إلى تركيا، مضمونها الإصرار الروسي- السوري على تحرير إدلب من قبضة الإرهابيين وترحيلهم أو القضاء عليهم، تحقيقاً لتحرير بقية الأراضي السورية، وذلك كما حدث في الأيام السابقة أيضاً في درعا، وإجبار الإرهابيين على التسليم.

وبين استمرار القصف الروسي والهجوم السوري على إرهابيّي إدلب، كان هناك لقاء، يتمّ ترتيبه بين الرئيس الروسي بوتين، والرئيس التركي رجب أردوغان، بعد عودة الأخير من الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وقد تلاحظ أنّ الرئيس الأميركي جو بايدن، رفض مقابلة أردوغان، وتردّد أنّ هناك خلافات عميقة تكبر يوماً بعد الآخر، بينهما، الأمر الذي دفع أردوغان، للتوجه شرقاً نحو روسيا، وتنمية العلاقات معها.

ويمكن القول بأنّ البيئة السياسية الدولية والإقليمية، قد تهيّأت لمشهد إقليمي جديد لصالح سورية، يتمثل في:

1 ـ إصرار أميركي على أعلى المستويات بالانسحاب من سورية والعراق، على رغم بعض مظاهر التردّد، مثل الدفع بـ 50 آلية جديدة لتعزيز الوجود العسكري ودعم قوات (قسد) في الشمال الغربي السوري (الحسكة والرقة)، وعلى رغم ما يبدو من ذلك أنه تعارض مع خطاب الانسحاب، إلا أن ذلك من سمات السياسة الخارجية والدفاعية الأميركية، وهو التناقض بين القول والفعل. على رغم أن الانسحاب يظل هو الخيار الغالب. حيث يشير الخطاب الأميركي إلى أن القوات المدعومة أميركياً، يجري بشأن وضعها نقاش روسي- أميركي في هذا الشأن. وهو الأمر الذي يعزز من فكرة أنّ أميركا قرّرت الانسحاب، وترتب لما بعده!

2 ـ الدعم والموافقة الأميركية على فتح الحدود الأردنية- السورية، وفتح خطوط الطيران بين البلدين، وسط مباركة أميركية وصلت إلى درجة الحفاوة – الموافقة الأميركية على دعم وتزويد لبنان بالكهرباء والغاز، عبر خط يمتدّ من مصر إلى الأردن إلى سورية، حتى لبنان. وهو ما يعني أنّ أميركا تتراجع عن العقوبات بـ «قانون قيصر» ضد سورية أصلاً، وضد من يخالف ذلك من دول الإقليم بخاصة الجوار، مثل لبنان. الأمر الذي يشير إلى تغيير جذري في التوجهات الأميركية تجاه الإقليم عامة، وسورية خاصة.

3 ـ الموافقة الأميركية، حتى ولو بالصمت وعدم التدخل بالقوة، على وصول البترول الإيراني إلى لبنان عبر سورية، وتأمين جميع الناقلات طوال رحلتها من موانئ إيران عبر باب المندب وقناة السويس، والبحر المتوسط حتى الموانئ السورية في (بانياس). وقد أعلنت كل من إيران وحزب الله، تهديداتها حال تعرّض هذه الناقلات لأيّ إعاقة أو عدوان عليها طوال رحلتها. وتوقفت أية تصريحات أميركية عدوانية ضد إيران أو حزب الله أو سورية أو لبنان، خلال تحرك الناقلات بسلامة ويسر، من دون أية إعاقة. الأمر الذي يؤكد كسر أميركا ذاتها للعقوبات المفروضة على إيران، ولبنان وسورية، وهو ما يشير إلى تغيّرات إقليمية جارية الآن، ومستقبلية أيضاً.

4 ـ الإصرار الروسي- السوري، على تحرير إدلب، والحلّ النهائي للأزمة السورية، وتنفيذ الاتفاقات الروسية- التركية بأيّ ثمن في ظلّ هذه المتغيّرات التي تسرع من تحقيق هذا الهدف. وقد أرسلت روسيا الرسالة العملية، بمواصلة ضرب الإرهابيين في إدلب، وكذلك القوات السورية.

5 ـ التغيّر الرسمي الحادث في الخطاب الأميركي على لسان بايدن، ظهر خلال كلمته في افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة، حول الشأن السوري حيث قال: وصلنا الآن أنّ الحرب قد انتهت فعلياً في سورية، بالتالي، فإنه قد آن الأوان لحلّ شامل للأزمة السورية. وهو الأمر الذي يؤكد أنّ أميركا قرّرت الانسحاب، وترتيب ما بعد الانسحاب. وقد شجع ذلك روسيا على ممارسة الضغوط على تركيا وسط الأزمة التركية- الأميركية لتنفيذ الاتفاقات بشأن الانسحاب التركي من تركيا والالتزام بنقل الإرهابيين.

وفي ظل هذه المتغيّرات الخمسة السابقة، التي تكشف عن أنّ البيئة السياسية الإقليمية والدولية، قد تغيّرت بالفعل، وقد يسهم ذلك في الحل النهائي للأزمة السورية لطي صفحة سوداء عاشتها سورية ما يقرب من 11 عاماً، عانت كثيراً وآن الأوان للحلّ النهائي.

ويلاحظ أخيراً بعد لقاء أردوغان مع بوتين، في موسكو، أن أردوغان صرّح بأنّ الانسحاب من سورية أصبح حتمياً، وأنه لا بدّ لسورية أن تتمتع بتحرر أراضيها كاملة وخروج جميع الإرهابيين منها، وعودة الشعب السوري الصديق لممارسة حياته الطبيعية، وعلينا التعاون من أجل ذلك.

وأرى أنّ هذه التصريحات التركية بعد لقاء الرئيسين التركي والروسي، تؤكد أنّ الأزمة السورية في طريقها للحلّ النهائي، والأغلب أن يكون سلمياً، بتنفيذ الاتفاقات الموقعة من قبل.

ولذلك فإنّ المثلث (السوري/ الروسي/ التركي)، الذي شهد تفاعلات كبرى في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، قد يترجم إلى واقع فعلي بحلّ الأزمة السورية نهائياً في ظلّ المعطيات والمتغيّرات التي سبق أن أشرت إليها. ولقد آن الأوان للحلّ النهائي للأزمة السورية بعد ما يقرب من 11 سنة حرب ومواجهة بلا حدود.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والأمين العام المساعد للتجمع العالمي لدعم خيار المقاومة، ورئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى