أولى

ثقافة المقاومة في مواجهة ثقافة الاستسلام والتبعيّة…

 د. جمال زهران*

تشير كلمة «المقاومة»، إلى مضمون واضح هو القدرة على المواجهة، وعدم قبول الهزيمة أو الإهانة، وذلك على كافة المستويات، من مستوى الفرد وحتى مستوى الدولة. كما أنّ هذا المصطلح يتوازى مع امتلاك الإرادة على الفعل بغض النظر عن النتيجة، وأنّ التفريط في الإرادة الذاتيّة، هو الوجه الآخر للمقاومة. ويشير التفريط في الإرادة إلى أنه يعني قبول الهزيمة، وقبول الأمر الواقع، وقبول الاستسلام، وقبول لتحكم الآخرين والسيطرة منهم!

وبعيداً عن تعريفات القواميس والموسوعات في هذا الشأن، فإنّ المقاومة على المستوى الشخصي ومن منظور طبي، تشير إلى قدرة الجسد على مجابهة أية عوارض أو أزمات صحيّة أو أمراض، لتجاوزها، وهو المعروف بمناعة الجسم وقدرته على التحمّل دون الاستسلام للمرض. فالاستسلام قاتل للجسد، وتمكين للمرض من جسم الإنسان، بينما المقاومة تعني استنفار كلّ قوى الجسم لمجابهة العدو الذي يتمثل في المرض الذي يأتي فجأة ليجتاح الجسد الإنسانيّ.

وقد تعطي المقاومة عمراً إضافياً للإنسان، بما يمتلكه من قدرات على المجابهة، على عكس الاستسلام للمرض، الذي يعجّل بانهيار صحة الإنسان، بل وموته. ذلك هو الفرق بين «المقاومة» والنقيض لها وهو «الاستسلام»، على المستوى الشخصيّ، أيّ على مستوى الفرد.

ومن منظور عسكريّ، فإنّ المقاومة تشير إلى القدرة على مواجهة العدو، وعدم الاستسلام له، مهما كانت النتيجة والتداعيات. بمعنى أنها تعني القدرة على حماية الوطن من الأعداء، وعدم الاستسلام، وإلا فإنّ الثمن سيكون فادحاً، بتمكين العدو من احتلال أرض الوطن. فمقاومة العدو والقدرة على مواجهته مهما كانت التكاليف والأثمان، هي الأقلّ بكثير لو تمّ الاستسلام وتعريض الوطن للاحتلال والاغتصاب. لذلك تصبح المقاومة حتميّة وليست ضرورية فحسب.

كذلك فإنّ المقاومة على المستوى المجتمعي، تشير إلى القدرة على توفير إرادة التقدم والنهوض، وذلك بمجابهة كلّ ما هو خطأ، ووضع الأسس الضرورية لنهوض المجتمع وفق رؤية شاملة وخطط وبرامج، وأنّ قوام ذلك هو الاستقلال الوطني والاعتماد على الذات ووضع أهداف استراتيجية بعيدة المدى، وأهداف تكتيكية قصيرة المدى.

بعبارة أخرى، فإنّ المقاومة تعني إرادة التقدّم والانطلاق نحو الأمام وبسرعة أضعافاً مضاعفة لتعويض الوقت الفائت. بينما الجانب الآخر يعني الاستسلام والرضوخ لما هو قائم، واتباع سياسة: «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، والخطاب السياسي السائد على ألسنة رموز الحكم في دولة ما، على أننا حققنا معدلات تقدّم عالية، بينما يرزح المجتمع في براثن التخلف، ويقتصر «النهوض المزعوم»، على تغيّرات شكلية ليست من صلب التقدّم والنهوض، وفقاً لأدبيات مستقرة في مشروعات التقدم.

كما أنهم يزعمون أنّ الشعب يعيش «أزهى عصور الديموقراطية»، بينما يرزح في براثن الاستبداد والتوريث وتزوير الانتخابات وتزييف إرادة الشعب، وانعدام الرقابة السياسية، وشيوع الفساد أفقياً ورأسياً كنتيجة طبيعية، لعدم وجود الديموقراطية!!

فكما هو مستقر في أدبيات نظام الحكم، فإن الديموقراطية بما تعنيه أسلوب حياة ونسق حكم يقوم على تداول سلميّ للسلطة، في ظل رقابة سياسيّة ومجتمعيّة شاملة، مع توقيت للسلطة، تفادياً لأبديّتها، وحرية تكوين الأحزاب وتعدّد الآراء وحريات التعبير، والانتخابات النزيهة، وإبعاد قبضة الأمن وكل الأجهزة الأمنيّة لتحرير العملية السياسية، تمكيناً للشعب من ممارسة حقوقه دون خوف أو إرهاب، هي السبيل إلى خلق مجتمع سياسي صحي، قادر على صنع مستقبله، وفق رؤية مَن يحوز الرضاء العام الحقيقي للشعب. وأن هذا يستحق مقاومة شعبية سلمية تفرض الأجندة الشعبية على النظم الحاكمة بالاغتصاب أو التزوير أو بالانقلابات العسكرية، أو السيطرة بالقوة على السلطة إلخ…

ولذلك فإنّ فقه المقاومة.. وإنْ كان في الأساس هو جانب طبيّ، على المستوى الفردي، فإنه قد امتدّ إلى أن أصبح يمثل جانباً عسكرياً، وكذلك يمثل الجانب المجتمعي بما يحقق التقدم والنهضة، فضلاً عن امتداد هذا المفهوم إلى أن أصبح الهدف من شيوع ثقافة المقاومة، هو خلق المجتمع الديموقراطي الصحي والسليم، بما يجعل الفرد أساساً حقيقياً للعملية السياسية الحقيقية. ولم يعد هذا المفهوم قاصراً على جانب دون آخر، كما كان شائعاً. ويصل الأمر عندي إلى اعتبار أنّ مفهوم «المقاومة»، يمكن أن يصبح موازياً لمفهوم «الأمن القومي» للدولة أو الوطن عموماً، الذي لم يعد قاصراً على الجانب العسكري، وأضحى يشمل كلّ الجوانب (السياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها). ولتحقيق الأمن القومي للوطن، فإنّ ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بخلق مجتمع ديموقراطي حُر، وأن المقاومة الشعبية السلمية، هي السبيل لتحقيق ذلك.

تلك هي مقدمة فقهية ذاتية، في مفهوم المقاومة، تستحق الاستمرار في تناول واقع المقاومة في نظم الإقليم العربي والشرق أوسطي، وذلك في مقالات مقبلة، تشمل الواقع والتحديات والآفاق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والأمين العام المساعد للتجمع العالمي لدعم خيار المقاومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى