الوطن

لبنان السياسيّ يتراجع إلى القرن التاسع عشر!

} د. وفيق إبراهيم

اتجاهات تحليلية كبيرة تعتقد ان اللبنانيين مقبلون على التحسر على صيغة 1943 وقد يترحّمون عليها.

فالبلد برأيهم يتقهقر بسرعة قياسية نحو القرن التاسع عشر الذي كان يتسم بصراعات أوروبيةأوروبية وأوروبية عثمانية على وقع قتال طائفي داخلي مدعوم من الخارج المذكور، أنتج صيغاً طائفية متعمقة على شاكلة القائمقاميتين والمتصرفية ومجلس المبعوثان ودولة لبنان الكبير.

لقد بدا رئيس المجلس النيابي نبيه بري في الجلسات التشريعية الاخيرة في الأونيسكو وكعهده دائماً واسع الإمكانات شديد التدبّر، وحريصاً على صون الخطوط الأخيرة الرابطة بين اللبنانيين.

لكنه اصطدم بتفلّت الداخل على رعاياته الخارجية نتيجة لارتفاع حدة الصراع الأميركي الإيراني، فذهب الى استعمال اساليب «المونة والعرف» ولمعات الأذكياء للتضييق بين التناقضات والتباينات. فما كاد ينجح بإقناع طاووس سياسي حتى يغضب ديك آخر.

ويستنفر «صوص ثالث» بالحدس لاكتشافه تفاهماً حول تعيين ما او تحاصص في صفقة أخرى، لم يطاوله، هذا هو لبنان السياسي المتفلت حتى من صيغة 1943 والمتراجع الى مرحلة ما قبل تأسيس لبنان الكبير في 1921.

فإلى اين يذهب لبنان اذاً؟

يقفل عائداً الى بدايات القرن التاسع عشر معلناً فشل صيغة 1943 الطائفية التي حاولت تجميع المذاهب في اطار سياسي فدرالي في الدستور واندماجي على الارض بزعامة مارونية تراجعت رسمياً منذ 1992.

لكنها نجحت في المحافظة على قسم من أدوارها التشاركية والتحاصصية.

هذه المارونية اعتقدت بإمكانية استعادة قيادتها اللبنانية بعد ازدياد حدة الصراع السنيّ الشيعيّ المفبرك بين الخليج وإيران وأميركا وإيران.

هذه المرحلة تجسّدت في عهد الرئيس الحالي ميشال عون الذي اعتقد ان الفرصة سانحة لإعادة تأسيس الاستحواذ الماروني على لبنان باستعادة ما أمسك به رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري الذي استفاد في حركة صعوده في التسعينيات من تأييد أميركي سعودي سوري فتح له أبواب السيطرة على معظم لبنان السياسي والاقتصادي والطوائفي.

هناك إذاً ثلاثة مشاريع وأحلام شعبية كانت في الجلسات النيابية الأخيرة في الأونيسكو، أولاً المشروع الماروني الباسيلي الذي يريد الثأر لخسائر طائفته في المرحلة الأخيرة مؤسساً لنفسه نفوذاً يعينه على قيادة الطائفة المسيحية ويساعده على الرئاسة المقبلة للجمهورية.

الثاني هو الحريرية السياسية التي تبذل ما لديها من إمكانات للمحافظة على ما تبقى لها من أرصدة في الإدارات والسياسة. أما المشروع الثالث فهو المقاومة التي تعمل في مناطق غالبيتها الشيعية لأسباب جغرافية لكن خصومها يعتبرونها محاولة للقضاء على الغبن التاريخي الذي أصاب الشيعة منذ مرحلة المماليك الى العثمانيين فالفرنسيين حتى صيغة 1943.

هذا لا ينفي قط ان هذه المقاومة هي التي حرّرت لبنان في 2000 وردعت عدواناً اسرائيلياً كبيراً في 2006 وشاركت في هزيمة الإرهاب في سورية والجبال الشرقية للبنان. وهذا وحده كافٍ لإدراجها اول مقاومة عربية تحرر أرضاً تحتلها «اسرائيل» بالقوة المسلحة وليس بالتنازلات والاستسلام.

لجهة الاحلام الشعبية فلم يظهر لها أي أثر على مجلس النواب وبدت وكأنها في المحيط المتجمد الشمالي.

لذلك فإن جلسات الأونيسكو اعلنت تفجير صيغة 1943 من دون أي ضغط شعبي. وبما ان هذا الانفجار لا يمتلك قوة دفع أماميّة، فإن صيغة 1943 التي جرى تأسيسها لتنظيم تنسيق طوائفي انفجرت وتدفع باتجاه العودة الى الوراء.

هذا «الوراء» هو ما قبل 1920 المعروف بدولة لبنان الكبير والسبب ان ادوات التنسيق المذهبي والطائفي انقطعت، وانتفاضة اللبنانيين تشبه شعر سعيد عقل في وصف أحلام غير قابلة للتطبيق او اختراع تاريخ فبركة أقلام شديدة المذهبية، تختلق ابطالاً لروايات يتبين أنهم اقزام لا يرتقون لمستوى الرجال العاديين.

لا بد هنا من الإشارة الى ان الرئيس بري ينتمي الى فئة الحريصين على ابتداع تسويات عند وصول المرحلة الى الدرك الأسفل، ونجاحه على هذا المستوى لن يكون أكثر من حل مؤقت لأزمة بنيوية لن يطول أوان انفجارها الا بحل وطني فعلي طرحه الرئيس بري قبل شهر تقريباً. وعاد المفتي الجعفري أحمد قبلان التأكيد عليه ان لبنان المدني الذي يحافظ أيضاً على خصوصياته الطائفية التاريخية بتأسيس مجلس شيوخ ملائم.

هذا من الأمنيات اما الواقع حالياً فهناك صراع ثلاثي يصبح رباعياً وخماسياً مع نمو الأدوار الدرزية والكاثوليكية والارثوذكسية بالالتحاق بالمشاريع الاساسية. فهل لبنان نحو كونفدراليات فعلية تشبه ما كان موجوداً في القرن التاسع عشر على شاكلة القائمقاميتين الدرزية والمسيحية او المتصرفية الطائفية «ومجلس مبعوثان» قريب من صيغة 1943؟

هذا يستلزم لجوء الطبقة السياسيّة الى تموين كميات كبيرة من الطرابيش والشراويل للزوم العودة الى الوراء مع ثياب أوروبية نموذج القرن التاسع عشر. فهذا ضروري جداً لملائمة المراحل.

لقد انطبع في ذاكرة اللبناني ان الشروال لباس لبنانيّ سريانيّ قديم لكنه لن يتأخر باكتشاف أن الشروال لباس تركي ارتداه حتى أبناء الساحل المصري في الاسكندرية وليس فقط في بلاد الشام.

للمزيد من الدقة يجب التأكيد أن لبنان على مشارف انفجار صيغة 1943 لتطور النزاعات الطائفية الداخلية نحو احتقان إضافي وغياب قدرة أي مذهب على قيادة البلاد وسط انهيار اقتصادي مخيف يدفع البلاد نحو الانفجار والقيادات السياسية نحو الفرار من تحمل المسؤولية.

اما الخارج اللاعب لدور التغطية فيحاول الاستفادة من هذا الانهيار لتحقيق إرادته السياسية الكاملة على المقاومة اللبنانية. وهذا واضح في طلبات أميركية بإقفال اي علاقة اقتصادية او سياسية مع سورية وإصرارها على تفعيل عمل القوات الدولية عند حدود لبنان الجنوبية بالسماح لها بالتفتيش داخل القرى المجاورة لها ضمن مدى كبير بما يؤكد أن الأميركيين يريدون إغاثة لبنان اقتصادياً عبر صندوق النقد الدولي، إنما بعد إقفال طريق حزب الله الى سورية وإبعاده عن القرى اللبنانية الغربية من حدود فلسطين المحتلة مسافات تجعل «إسرائيل» أكثر أمناً في داخلها وأكثر فتكاً بلبنان.

هنا يرى الأميركيون أيضاً أن ضرب ادوار حزب الله في الإقليم والجنوب له انعكاسات على سلامة العدو الإسرائيلي وتراجع دور المقاومة في الداخل اللبناني أيضاً.

لذلك بدت جلسات الأونيسكو وكأن هناك أفرقاء لبنانيين يعملون ضمن هذا المشروع الأميركي ويأتمرون بطلباته ولا يعرف أنهم ذاهبون الى وضعية ضعيفة تشبه ما كانت عليه العلاقات في القرن التاسع عشر.

وتبقى الآمال كبيرة على قدرات الرئيس بري ورشاقة حزب الله في العثور على مسكّنات تطيل صيغة 1943 ولا تلقي بالبلاد في قعر التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى