واشنطن دي سي… امرأة مجروحة بأنوثتها بفعل «الجنتل مان» الروسي ١

محمد احمد الروسان

صارت الولايات المتحدة الأميركية امرأة مجروحة الكبرياء بأنوثتها، تستشيط وتستشيط غضباً من «الجنتل مان» الروسي الصاعد بقوّة على عرش الساحة الدولية، لقد أهينت الأنوثة الأميركية من الرجل الروسي على الساحة السورية والإيرانية، فكان الانتقام الأميركي في أوكرانيا التي تمّ اختطافها الى المربعات العسكرية الغربية، فتموضعت جلّ الأزمة الأوكرانية وتحوصلت كملف استنزاف مشترك للروسي والأميركي معاً، وما العقوبات الاقتصادية على روسيّا بسبب كييف وأزمتها في شرقها وعلى الحدود مع الفدرالية الروسية، ما هي إلاّ عمل عدائي بامتياز أحادي الجانب وخارج الشرعية الدولية، كون أيّ عقوبات على أي دولة عضو في الأمم المتحدة، يجب أن تكون من خلال الأخيرة وعبر مجلس الأمن الدولي.

ومع كلّ ذلك وجد «الناتو» في هذه العقوبات شباكا وكباشا اقتصاديا لإلحاق الأذى الكبير بروسيّا عبر سلّة هذه الأعمال العدائية الأقتصادية المسماة بالعقوبات من جانب «الناتو».

لقد اعترف العندليب الأسمر باراك أوباما بأنّ بلاده لعبت دور الوسيط لتغيير الحكم في كييف، وأنّ سلّة العقوبات الاقتصادية على روسيّا هدفها اضعاف الاقتصاد الروسي، وقد تبعه نائبه جو بايدن حيث أكّد أنّ واشنطن دي سي لن تسمح لموسكو برسم خريطة أوروبا من جديد، فيما قالت الأنسة سوزان رايس مستشارة الأمن القومي الأميركي صراحةً: يجب تدفيع روسيّا ثمن تدخلها العسكري والسياسي في أوكرانيا.

انّ تصريحات الثلاثي الأميركي أوباما، بايدن، والأنسة رايس ما هو الا صدى جوهر مخطط البلدربيرغ الأميركي جنين الحكومة الأممية إزاء الفدرالية الروسية ومجالها الحيوي ومفاصل أمنها القومي المُراد استهدافه.

العاصمة الأميركية واشنطن دي سي من جهة ما باركت الجهود الروسية إزاء الملف السوري من فوق الطاولة، وفوّضت أطرافاً عربية إقليمية لإفشالها عبر مبادرات مماثلة من تحت ذات الطاولة، ومن جهة أخرى ترسل الرسائل العدائية لموسكو، والهدف من جلّ ذلك أنّ المباركة الأميركية لموسكو في الملف السوري شيء ولا تعني تبخّر الخلافات على طول الخطوط الروسية الأميركية، ولا تعني في ذات الوقت أنّها بوّابة لتقارب ما مع روسيّا، بل هي تكريس للقاعدة الأميركية في فصل الملفات عن بعضها البعض، مباركة هنا من فوق الطاولة وفعل سلبي من تحت الطاولة لذات الملف عبر أدواتها من أطراف عربية إقليمية، مع فصل ذلك كله عن ملف عدائها وتنافسها مع الروسي على الساحة الأممية.

أروقة صنع القرار في العاصمة الأميركية واشنطن دي سي، تسعى الى كسب حروب الولايات المتحدة الأميركية سواءً في سورية أو أوكرانيا، وفي صراعاتها مع الصين وروسيّا، وفي فنزويلا وجلّ آسيا وفي كوبا عبر عودة العلاقات، عبر مخططات هندسة توريط حلفائها وأدواتها، من خلال اجتراح هندسة أنواع جديدة من حروب وغزوات يخوضها الآخرون الأدوات ، بالنيابة عنها وعن المجمّع الصناعي الحربي وبلدربيرغه في الداخل الأميركي، فيما تقوم الولايات المتحدة الأميركية بالجلوس حول موقد نار حروبها، تلتقط الكستناء وبيض الحجل الطازج من بين ما أشعلته أيادي حلفائها وأدواتها وعملائها، بتوجيه وإيعاز من نواة إدارتها جنين الحكومة الأممية ، وعندّ الأزورار بالكستناء والبيض المشوي تحتسي النبيذ المعتّق حتّى لا تموت بازورارها.

أوكرانيا وتفاعلات ومفاعيل أزمتها الراهنة، انْ لجهة الرأسي وانْ لجهة العرضي، ودور العامل الخارجي في تمفصلاتها وتحوصلاتها، جعلت منها مكسراً ومطحنة لعظام نتاجات الكباش الروسي الأميركي في أكثر من ملف في الشرق الأوسط. الأميركي قدّم تنازلات في الملف الإيراني والسوري وحزب الله والملف العراقي والملف اللبناني، وكان يحتاج الى تغطية لجلّ ما تنازل عنه حتّى لا يجرح في كبريائه، فذهب الى فتح الملف الأوكراني لتخريب الساحة الروسية، وإثارة دخّان آخر للتغطية على تنازلاته في الشرق الأوسط، رغم حاجته الى ستاتيكو في الأخير للتفرّغ لعدوّه القادم روسيّا والصين، والأخيرة تتعملق اقتصاديّاً والاقتصاد الأميركي صار مرهوناً الآن للأقتصاد الصيني، وبنت بكين جيشاً حديثاً ومتطوراً، والجيش الروسي بقي قويّاً ومتماسكاً والشعور القومي الروسي تنامى وتنامى عبر بوتين وسياساته، ومجتمع المخابرات الروسي توسّع في مجاله الجيوبولتيكي وصارت له أدواته الناعمة، والتي من شأنها أن تقود الى تغيّرات مثيرة في خرائط مجاله الحيوي، وكما هو الحال في تغيّر البنى السوسيولوجية والاستراتيجية لأوروبا، انْ تمادت الأخيرة في تساوقها مع واشنطن، في استهدافاتها للداخل الروسي والخارج الروسي، في مجالاته الحيوية ذات الجزئية الأهمّ في الأمن القومي الروسي، لذلك قد تكون المبادرة الفرنسية الألمانية لحلّ الأزمة الأوكرانية تأتي في سياقات ذلك، بل آخر فرصة أمام أوروبا قبل أن تصبح أوكرانيا دولة قويّة عسكرياً وأداة متقدمة لأميركا عبر تسليحها أميركيّاّ من جديد، كون أوكرانيا قويّة يعني زعزعة استقرار هياكل الأمن والاقتصاد الأوروبي، وخاصة الاقتصاد الألماني أقوى اقتصاديات الدول الأوروبية.

فالعاصمة الأميركية واشنطن دي سي، وفي معرض مسارات دعمها لسلطات الانقلاب في كييف، المحفوف بالمخاطر على جلّ استقرار القارة الأوروبية العجوز، فهي تشرعن كلّ أنواع مواجهات هذه السلطات الانقلابية مع المعارضين في شرق أوكرانيا وجنوب شرقها. الكاوبوي الأميركي معروف عنه تاريخيّاً التشدّد والمرونة في السياسات وتنفيذها، حيث هناك في مفاصل الدولة الأميركية فريق يسعى الى مزيد من التصعيد مع الروسي، في فرض مزيد من عقوبات مشدّدة وتقديم مساعدات عسكرية لسلطات كييف الجديدة الانقلابيون النازيون الفاشست ، وهذا الفريق فريق العصا الأميركية الغليظة، بسببهم صارت أميركا الشرطي الأول في العالم، وفريق آخر يظهر شيء من الحكمة والواقعية السياسية والميدانية، وقد يكون الأقدر على فهم متغيّرات الزمن، يسعى وبصعوبة نتيجة الصراع والخلاف مع الفريق الآخر، في جعل الباب مفتوحاً بقدر يسير للغاية للوصول الى تقاربات ثمّ تفاهمات، للوصول الى الحلّ الديبلوماسي لهذه الأزمة مع الروسي.

هذا الفريق الأميركي فريق الإطفاء الديبلوماسي للنار التي أشعلتها واشنطن عبر حلفائها وأدواتها في الداخل الأوكراني، ممكن وصفه بالتيّار المعتدل أو أنّه يظهر الاعتدال وينادي بالتريّث وتبريد سخونة الأجواء، ويعلن أنّه ليس من الحكمة بمكان حشر روسيّا بالزاوية ورفع سقوف التشنّج معها، وفي ظلّ وجود ملفات مشتركة مهمة على طول وعمق خطوط العلاقات الأميركية الروسية. فتحتاج واشنطن إلى موسكو كثيراً وأكثر من حاجة الثانية للدي سي في الملف السوري، والملف الأفغاني، والملف الباكستاني، والملف الإيراني، وملف كوريا الشمالية، وملف الصراع العربي «الإسرائيلي»، وملف تايوان، وفي ذلك رسالة مشفّرة إلى موسكو، نواة الأخيرة فكّت الشيفرة، وهي لتقديم تنازلات محدودة في ملفات أخرى حتّى في تايوان، وأرسلت الجواب عبر اجتماعات متكرّرة لمجلس الأمن القومي الروسي واستدعاء الاحتياط من قبل الزعيم فلاديمير بوتين، وزيارة الرئيس بوتين الى القرم وعبر العروض العسكرية والمناورات، وفي ذلك رسالة أيضاً لليمين الأوكراني المتطرف النازي الفاشستي وسلطات انقلابه في كييف.

هذا وبحسب قراءات مجتمع المخابرات والاستخبارات الروسية، أنّه وفي ظلّ الاصطفافات الدولية بسبب الأزمة السورية ونتاجها الطبيعي الأزمة الأوكرانية، تسعى واشنطن وحلفاؤها ودولة الكيان الصهيوني الدولة المسخ «إسرائيل»، إلى تسخين النزاع بين روسيّا واليابان حول جزر كوريل المتنازع عليها بين طوكيو وموسكو، والأخيرة تنسّق مع بكين حول ذلك.

كما أنّ الفدرالية الروسية تعي أنّ فريق الأطفاء الديبلوماسي للنار الأميركية في كييف، لا يعني ولا يشي بأنّ أميركا تقرّ بوجود شريك روسي لها، وأنّ هناك قوّة أخرى صاعدة أعادت إنتاج نفسها من جديد، فصعدت بقوة وثبات وكان الصعود خطوة خطوة وليس صعوداً صاروخيّاً، كون المعادلة الكونية تقول: إنّ من يصعد بشكل صاروخي سريع يسقط بمثل وشكل ما صعد، وهذا ينطبق على الدول وعلى الجماعات وعلى الأفراد النخب السياسية والاقتصادية في المجتمعات والدول.

انّ أي نزاع عسكري في أوكرانيا مع الروس من قبل «الناتو» والأميركان سيغيّر هياكل أمن القارة الأوروبية ويقود الى حالة عدم الاستقرار في أوروبا كلّها، خاصة أنّ المعلومات تتحدث عن تواجد عسكري لـ»الناتو» هذا الأوان في مناطق أوروبا الشرقية، وهذا ما تمّ رصده وأكّده تصريح غير مسبوق لقائد قوّات «الناتو» في شرق أوروبا الجنرال فيليب، والذي سبق أن زار دول الجوار السوري منذ بدء الحدث السوري وفي أكثر من زيارة معلنة وغير معلنة ومنها بلادنا الأردن.

العملية العسكرية الجارية الآن على مناطق شرق وجنوب أوكرانيا من قبل الجيش الأوكراني، جاءت بضوء أخضر أميركي بعد زيارة لجون برينان مدير «سي أي آي» ومعه ثلّة من ضبّاط «الموساد الإسرائيلي»، تهدف في ما تستهدفه إلى حشر الفدرالية الروسية أمام خيارين: الأول الإذعان لهجوم الجيش الأوكراني والتخلي عن الحلفاء، وبالتالي تخسر موسكو كلّ ما حقّقته حتّى اللحظة في أزمة القرم وتعود الى دولة رقم اثنين أو ثلاثة، وحتّى تخسر في ساحتها الأوراسية كمجال حيوي للأمن القومي الروسي، وفي هذه الحالة يكون الغرب قد رسم سقفاً لتنامي القوّة الروسية، وفرض معادلة جديدة ورسم سقفاً لقنوات ومظاهر التعبير عن القوّة الروسية المتصاعدة، وهذا يتطلب حسماً عسكريّاً سريعاً من قبل واشنطن و»الناتو» والحلفاء والأدوات في الداخل الأوكراني.

الخيار الثاني يتموضع في التالي: أن تتورّط روسيّا عسكريّاً لصدّ ومنع هجوم الجيش الأوكراني اذا ظهر تراخ من قبل أدوات الدولة الروسية الناعمة في الشرق الأوكراني، وبالتالي قد تتطوّر الأمور الى حرب إقليمية كبرى يكون «الناتو» ووجه المدني الاتحاد الأوروبي أحد أطرافها، والهدف هنا هو ضرب الاقتصاد الألماني كأقوى اقتصاديات أوروبا وهو يعتمد بشكل كلي على الغاز الروسي الطبيعي، كاقتصاد منتج من الدرجة الأولى وذو النظام الإداري النوعي والكمي في نفس الوقت.

محام، عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية الأردنية

www.roussanlegal.0pi.com

mohd ahamd2003 yahoo.com

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى