أولى

كيف تواجه المقاومة خطة بومبيو لتنقذ لبنان؟

 العميد د. أمين محمد حطيط _

بعد ان تأكد لأميركا انّ عدوانها على سورية ومحور المقاومة فشل في تحقيق أهدافه بعد حرب كونية اعتمدت «استراتيجية القوة العمياء» التي تقوم على الإرهاب والتدمير، انقلبت في العام ٢٠١٨ الى العدوان الانتقامي الإجرامي بالحرب الاقتصادية التي عوّلت عليها لمنع مكونات محور المقاومة من استثمار الانتصار وإطلاق عملية إعادة البناء لا بل وترمي الى التجويع والتركيع وتفجير المجتمعات من الداخل لتحيل الانتصار الذي تحقق الى جثة لا روح فيها. وبذلك تنتقم أميركا ومن معها في الإقليم ممن منعها من النجاح والانتصار وألحق بها هزيمة استراتيجية ستتوالى ارتداداتها السلبية على أميركا وموقعها وعلاقتها الدولية لزمن ليس بالقصير.

وفي إطار العدوان الأميركي بالصيغة الجديدة اعتمدت أميركا «قانون قيصر» لتحاصر سورية في إطار ما تسمّيه «عقوبات” أميركية ضدّها، أما لبنان فقد وضعت لتدميره وإسقاط مقاومته ما أسمي «خطة بومبيو» ذات المراحل الخمسة التي تبدأ بالفراغ السياسي وتنتهي بعدوان «إسرائيلي» ضدّ المقاومة يعوّل عليه لتفكيك هذه المقاومة ونزع سلاحها في حرب تكون مسبوقة بدفع لبنان الى الانهيارات الثلاثة المالي والاقتصادي والأمني.

كان الاطمئنان الأميركي لنجاح خطة تدمير لبنان الخماسية المراحل شبه تامّ خاصة أنها اتكلت في تنفيذها على لبنانيين يتولون مقاليد الدولة العميقة في كلّ مفاصلها السياسية والإدارية والمالية والاقتصادية والدينية، وهي تملك سيف إرهابهم بفرض العقوبات عليهم ومصادرة أموالهم التي نهبوها من خلال توليهم السلطة والهيمنة في تلك الدولة.

وبالفعل كان لأميركا ما تريد عندما وضعت «خطة بومبيو» موضع التنفيذ في ربيع العام ٢٠١٩ عندما جاء وزير خارجيتها آنذاك جورج بومبيو الى لبنان لإطلاقها والتقى تباعاً بكلّ «الأشخاص اللبنانيين القياديين» الموكل إليهم أمر تنفيذها، وفي هذا الإطار كانت استقالة سعد الحريري في خريف العام ٢٠١٩ إثر «ثورة الست سنتات على الواتس أب» وما تبعها من إغلاق المصارف وحبس أموال المودعين وتتالي الانهيارات التي أكدت أنّ المراحل الثلاث الأولى من خطة بومبيو تتحقق بنجاح.

امام هذا الواقع أدركت المقاومة انها تتعرّض لحرب من نوع جديد وأنها امام تهديد جدي، او بشكل أدقّ أمام حرب شاملة عليها وعلى بيئتها وكلّ من يرى فيها سيفاً للدفاع عن لبنان وحقوقه، تهديد لا يتعلق بموقع او ملف عابر، بل تهديد وجودي يتصل بأصل وجودها واستمرارها تهديد يتمثل في هجوم تنخرط فيه مواقع دينية وسياسية واقتصادية ومالية وإعلامية وفكرية، تهديد يكاد يكون في صيغته وحجمه وتعدّد عناوينه غير مسبوق منذ ان نشأت.

هذا التهديد ألزم المقاومة بوضع خطة دفاع متكاملة ومتدرّجة تعتمد مبادئ الاحتواء والتعطيل حينا وقواعد إطلاق البدائل حينا اخر والبقاء على أتمّ الجهوزية العسكرية والميدانية في كلّ المراحل والحالات، ومن هنا كان موقف المقاومة حيال الفراغ السياسي حيث انها تمسكت بحكومة سعد الحريري في خريف ٢٠١٩ ورفضت استقالتها لكنها لم تستطع الإبقاء عليها لأنّ الحريري كان ينفذ خطة موضوعة ويقوم بما طلب منه في إطارها. كما أنها رفضت استقالة حسان دياب وتمسكت به فلم تستطع إبقاءه أمام الضغوط التي فرضت عليه، وقدّمت كلّ التسهيلات في سبيل إنجاح مصطفى أديب ثم سعد الحريري ثم نجيب ميقاتي في تشكيل الحكومة لكنها لم توفق حتى الآن في مسعاها لأن القرار الأميركي بالفراغ الأمني كمرحلة مفتاحية من مراحل خطة بومبيو لا يزال ساري المفعول وسيبقى تشكيل الحكومة الجديدة متعذراً طالما انّ القرار هذا مستمرّ، وطالما انّ أميركا تدرك بأنّ تشكيل الحكومة يعني نقضاً للفراغ السياسي والشروع بوقف أو إفشال خطة بومبيو.

بيد انّ المقاومة التي ليس بيدها أمر التشكيل ولا يعود اليها القرار به تجد نفسها من غير اقتدار على معالجته، فإنها في الوقت عينه تجد نفسها قادرة على إفشال الخطة الأميركية من أبواب أخرى. منها الأمن والاقتصاد، وطبعاً التصدي لـ «إسرائيل».

وفي حين قام المولجون بتنفيذ خطة بومبيو بأكثر من استفزاز وتحرّش لإحداث التفجير الأمني في أكثر من مكان وموقع على الأرض اللبنانية، لم يكن آخرها حوادث الجية وخلدة وشويا، فإنّ المقاومة تعاملت مع الأحداث تلك بصبر وروية مع إحالة الأمر لصاحب الصلاحية القانونية في المعالجة أيّ الدولة، وتمسكت بشعار أنّ الأمن مسؤولية الدولة مع الإبقاء على جهوزية تمكن من الحسم إذا وصلت الامور الى محلّ لا يبقى متاحاً للدفاع عن النفس إلا طريق واحد هو الفعل الشخصي.

اما على الصعيد الاقتصادي والمالي فقد وقفت المقاومة على حقيقة مرّة هي انّ اللبنانيين بأنفسهم وفي ظلّ منظومة الاحتكار والسيطرة والهيمنة والفساد والوكالات الحصرية هم من قاد البلاد الى الانهيارين المالي والاقتصادي وأنتج بيئة العوز والفقر والجوع، وبادرت الى فعل من شأنه أن يخط شعار كسر الحصار الأميركي ويفتح أبواباً للبنان لا تستسيغ ولا تتقبّل أميركا فتحها لما فيها من انقلاب استراتيجي على صعيد الاقتصاد اللبناني.

لقد كان قرار المقاومة باستيراد النفط الإيراني رغم ما تفرضه أميركا عدواناً على إيران بما تسمّيه العقوبات، كان هذا القرار فعل تحدّ وشجاعة وقوّة يُفهم أميركا ومن معها بأنّ هناك بدائل للطرق التي تقطعها، ويكون وظيفة قرار المقاومة بشأن النفط واستيراده من إيران ليس تأمين كلّ احتياجات لبنان من النفط، وهو أمر يفوق طاقات المقاومة ويبقى في الأساس مسؤولية الدولة، والمقاومة لم تدّع يوماً بأنها ستحلّ محلّ الدولة، بل يكون القرار كسراً لحصار أميركي وإفهام أميركا انّ المقاومة القادرة في الميدان عسكرياً للدفاع عن لبنان وعن نفسها هي قادرة على إيجاد البدائل التي تعطل مفاعيل حصارها.

وهكذا تكون المقاومة التي تفلتت حتى الآن من محاولات جرّها الى الفوضى والانهيار الأمني، والتي تبادر لكسر الحصار والتخفيف من سلبيات الانهيار المالي والاقتصادي ومع البقاء في أعلى جهوزيتها وقوتها العسكرية تكون قد أرسلت رسالة قوية لكلّ من يعنيه أمر خطة بومبيو تخطيطاً وتنفيذاً ونتائج، مفادها انّ الخطة فاشلة وستضيف الى الفشل الأميركي في الحرب الكونية على المقاومة فشلاً آخر لأنها لن تصل الى تحقيق مبتغاها بشأن المقاومة ولن تفتح الطريق أمام «إسرائيل» لشنّ عدوانها وتفكيك المقاومة خاصة بعد ان تلقت الرسالة من مزارع شبعا بتثبيت قواعد الاشتباك التي تحمي لبنان ومقاومته.

ومع هذه الحقيقة الإيجابية تبقى هناك سلبيات تتصل بمعاناة الشعب اللبناني الذي لا تعبأ أميركا به بل فرضت عليه الوقوف بطوابير الذلّ أمام محطات المحروقات والصيدليات الخ… والأكثر إيلاماً في هذا المشهد انّ من ينفذه على أرض الواقع هم لبنانيون ممّن ارتهنتم أميركا وهدّدتهم بنفوذهم وأموالهم ومصالحهم فانقلبوا الى ذئاب ينهشون مواطنيهم ويحتكرون الدواء والبنزين والمازوت والغاز وقد يحتكرون غداً الرغيف مع السلع الغذائية… كلّ ذلك لتحصيل المال الحرام لجيوب العملاء وإرضاء أميركا في تنفيذ خطة تدمير لبنان من أجل تدمير المقاومة التي أثبتت قوّتها وأكدت أنها عصية على ذلك.

وعليه نقول إنّ المواجهة على أرض لبنان حتى الآن بين أميركا ومن معها من أدوات محلية او أجنبية من جهة وبين المقاومة ومحورها من جهة أخرى لم تلحق الضرر بالمقاومة ولا يبدو أنها قادرة على النيل منها في ظلّ إبداعات المقاومة في الأداء الدفاعي، لكنها أدّت الى إنزال الفظائع والمآسي بالشعب اللبناني الذي جعلته أميركا طريدة مباشرة لإرهابها الاقتصادي وضحية للفراغ السياسي وهدّدته في أمنه وماله وعيشه، وضع أنتجه الفكر الأميركي الشرير وصنعه بأيد لبنانية عملية. وضع لن يتوقف كما يبدو إلا عندما تقتنع أميركا بأنّ عدوانها لن يحقق أهدافه، أو أن يتراجع اللبنانيون الذين تتخذهم أميركا أدوات تنفيذية عن لعب هذا الدور الخسيس.

* أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى