الكلمة الفصلكتاب بناء

لإعلان التعبئة العامة القضائيّة في مواجهة زلزال إطلاق العميل

الكلمة الفصل

 معن حميّة _

قرار إطلاق سراح العميل الصهيوني عامر الفاخوري أشبه بزلزال شديد الوطأة عصف بلبنان، ويُحمّل الجهة القضائية التي اتخذت القرار كلّ التبعات، بوصفها المحرّك لهذا الزلزال، ولمخالفتها قواعد ومبادئ أخلاقية وإنسانية وقانونية، ذلك أنّ الشخص الذي صدر القرار بشأنه، ارتكب جرائم تعذيب في معتقل الخيام باسم العدو الصهيوني، وهذه الجرائم، «لا يمكن توصيفها إلاّ بالجرائم ضدّ الإنسانية، وجرائم الحرب الواقعة على الأسرى اللبنانيين لدى العدو، وهي الأفعال التي جرّمتها اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية التابعة لها والمعقودة في العام 1948 والتي انضمّ إليها لبنان، وتعتبر بالنسبة له جزءاً لا يتجزأ من المنظومة التشريعية عملاً بنص المادة 2 من قانون أصول المحاكمات المدنية». وهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وذلك بحسب ما أكّده قاضي الأمور المستعجلة في النبطية أحمد مزهر في قراره الذي يمنع بموجبه سفر العميل الفاخوري.

أمّا قانون العقوبات اللبناني، فيحدّد جرائم الخيانة بجرائم حمل السلاح مع العدو، ودسّ الدسائس لديه، والإضرار بوسائل الدفاع الوطني، والاعتداء على الأرض اللبنانية، وهذا ما نصّت عليه المواد 273، 274، 275، 276، 277 و 278 من قانون العقوبات، مضافةً إليها المادة 279 التي تفرض العقوبات نفسها، في حال وقع الفعل الجرميّ نفسه على دولة تربطها بلبنان معاهدة تحالف.‏ وهذه جرائم يعاقب عليها بالإعدام والأشغال الشاقة، ولا توجد مادة ربطاً بالمواد المشار اليها، تتحدّث عن عامل «مرور الزمن» على جرائم كهذه.

أما قانون تنظيم القضاء العسكري، فإنه لم يلحظ عامل مرور الزمن على جرائم العمالة للعدو، لا بل إنّ المادة 115 نصّت على أنه «لا يمرّ الزمن على دعوى الحق العام ولا على العقوبة المقضى بها في الأحوال المبيّنة في الفقرة الأولى من المادة 113 وهي مادة تتحدّث فقط عن الفارّين العسكريين «إذا صدر حكم غيابي على الفارّ إلى العدو أو على الفارّ أمام العدو، أو على الفارّ أو المتخلّف الذي التحق ببلاد أجنبيّة وبقي فيها إبان الحرب». إلا أنّ المادة 101 من قانون القضاء العسكري تقول في فقرتها الثانية: «وفي الجرائم التي خصّصت في هذا القانون بالعسكريّين فقط والتي يمكن أن يرتكبها أشخاص مدنيّون فتسري أحكام هذا القانون على هؤلاء المدنيين»، ما يعني أنه في هذه الحال، لا يمرّ الزمن أبداً على دعوى الحق العام ولا على العقوبات المقضى بها، وبالتالي يفترض أنه ما من مسوّغ قانونياً لقرار إطلاق العميل الفاخوري.

وبالعودة إلى ما تضمّنه قرار قاضي الأمور المستعجلة في النبطية بمنع سفر العميل الفاخوري، وهو الأساس، فإنّه يشير إلى أنّ «المبدأ المعمول به في القانون الدوليّ الإنسانيّ هو عدم خضوع هذا النوع من الجرائم للتقادم المسقط المعمول به في القوانين الوطنية وهو ما نصت عليه المادة الأولى من اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضدّ الإنسانية للعام 1968، وهو ما عادت وأكدت عليه المادة 29 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية للعام 1998 والتي نصّت على أنّ «الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص المحكمة لا تسقط بالتقادم أياً كانت أحكامه». كما أنّ الجرائم المنسوبة للعميل الفاخوري بحسب قرار القاضي مزهر «على درجة عالية من الخطورة ومسّت بكرامة وأرواح الأسرى اللبنانيين المستدعين ورفاقهم في معتقل الخيام، وأخلّت بالأمن القومي للجمهورية اللبنانية وهي لا تسقط بمرور الزمن وفقاً للقواعد القانونية الدولية».

بناء على ما تقدّم، فإنّ قرار إطلاق سراح العميل الفاخوري، لا سند قانونياً له، وبالتالي نحن أمام خرق خطير لقواعد ومبادئ القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني. وهذا الخرق يستدعي وعلى وجه السرعة إعلان حالة «طوارئ» قضائيّة، لإعادة الثقة بمؤسّسة القضاء، بعدما ثبت في أكثر من محطة، بأنها غير محصّنة بوجه الضغوط السياسية الطائفية والمذهبية، وليست منيعة بوجه التدخلات والتأثيرات الخارجية، لا سيما أنّ الولايات المتحدة الأميركية لم تُخْفِ تدخلها في هذه القضية وقد مارست عبر مسؤوليها وسفرائها كلّ أشكال الضغوط لإطلاق العميل الفاخوري على خلفية أنه يحمل الجنسية الأميركية. في وقت كان حريّاً بالقضاء اللبناني رفض الضغوط لكون العميل الفاخوري يحمل وثيقة سفر صادرة عن العدو الصهيونيّ.

ما هو مؤكد أنّ قرار إطلاق العميل الفاخوري، هو قرار منفصل عن كلّ السياقات القانونية والأخلاقية والإنسانية، وهو بمثابة زلزال، لا بدّ أن تنتج عنه هزّات ارتدادية تمسّ معنى الانتماء الوطني ومفهوم السيادة الوطنية، وتسيء الى تضحيات الشهداء والجرحى والأسرى الذين قاوموا الاحتلال الصهيونيّ، وتستهدف تحويل جرائم الخيانة والعمالة إلى وجهة نظر.

قرار إطلاق سراح عميل وقاتل وجزار لن يمرّ، وما هو مطلوب في هذه القضية أن تتحدّد المسؤوليات عن هذا الخرق وهذا الزلزال. وكلّ من يثبت تورّطه سياسياً وقضائياً أو عن طريق الإذعان للضغط والتهويل والابتزاز من قبل قوى خارجية، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية يجب أن يخضع للحَجْر الوطني.

والمطلوب أيضاً إعلان التعبئة العامة قضائياً، لمواجهة وباء العمالة للعدو ولضمان عدم إفلات العملاء المجرمين من العقاب، تماماً كما يفعل لبنان بمواجهة وباء كورونا المستجدّ. صحيح أنّ صحة الناس وحياتهم أولوية، ولكن الصحيح أيضاً أنّ كرامة الإنسان والأوطان هي أولوية الأولوياتوالكرامة الوطنية تتقدّم على ما سواها.

إنّ في مؤسسة القضاء، قضاة وطنيّين يحكمون بالعدل، ولكن هناك قضاة يجب أن يُحكم عليهم بالعزل، ووظيفة «الطوارئ» القضائية ترتيب البيت القضائي، على قواعد احترام السيادة والدستور والقوانين، وبما يؤدّي إلى إبطال أحكام شابتها أخطاء وآثام، بدءاً بالحكم الجائر الذي أصدره المجلس العدلي في العام 2017 بحق رموز مقاومة الاحتلال وعملائه، وصولاً إلى قرار المحكمة العسكرية بإطلاق العميل الصهيوني عامر الفاخوري الذي ارتكب جرائم تعذيب وقتل وخطف وإخفاء بحق مئات اللبنانيين في معتقل الخيام.

إنّ قضاءً لبنانياً يطلق عميلاً صهيونياً، لا يقبل اللبنانيون أن يكون بمثابة قدر يُفرض عليهملقد آن الآوان لقضاء وطنيّ بامتياز يتمتع بالاستقلاليّة ويحكم بالعدل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عميد الإعلام في الحزب السوري القومي الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق