الوطن

الحياد مستحيل بين معتدٍ ومعتدى عليه

} يوسف المسمار*

كتب لي أحد الأصدقاء في بداية الحرب الكونية على سورية يطلب مني اعتماد الرأي الحر والمستقل والحيادي في كتاباتي بدلاً عن اتخاذ موقف قوي انحيازي ضدّ أعراب الجاهلية والخونة والمتهوّدين والمتصهينين والانتهازيين والصهاينة والمستعمرين، فأجبته بمقال تحت عنوان: «الرأي الحر والمستقل والحيادي»، وفي هذه الأيام تروّج بضاعة النأي بالنفس المستوردة من مصانع التضليل الصهيو ـ أميركية ومخازنها لتسميم عقول ونفوس أبناء أمتنا وتخديرهم لتسهيل طرق الغزو الثقافي البغيض الذي لم تحصد منه أمتنا إلا الخراب والدمار المادي والنفسي.

أضيف على ما كتبت سابقاً عن الحياد تعليقاً على النأي بالنفس الذي تفحّ به أنفاس المتآمرين والخائنين والجبناء والمتقاعسين والمخمولين، فالنأي بالنفس هو جرثومة السرطان الفكري المنتجة في مختبرات التضليل الباهرة في دول العدوان والتعدي على وجودات الأمم الكريمة المظلومة ومصالحها ومصائرها.

فترويج  كلمة  «النأي بالنفس» ليس إلا من أجل انتشار سرطان الجبن وتكاثر الجبناء. وعدم تحديد معنى هذه العبارة ليس إلا التضليل المقصود وإخفاء الغاية من تسويق النأي بالنفس التي هي الاستسلام والخضوع وترسيخ التخاذل والخمول في كلّ مجتمع يتصدّى ويقاوم مكائد ومخططات الإرادات العدوانية الصهيو ـ أميركية.

مروّجو هذا المصطلح ببغائيون مأمورون جبناء لا يهمّهم من الأمر إلا الحصول على براءة ذمة من مشغليهم لقاء حفنة من الدولارات الملطخة بدماء آبائهم وأمهاتهم، وأخوتهم وأخواتهم وأبناء أمتهم.

والذين يطلبون ويطالبون بالنأي بالنفس فاتهم أنّ كلمة النأي بالنفس هي من أسوأ الكلمات الجرثومية التي أدخلت على اللغة لسرطنتها وسرطنة نفوس وعقول المتكلمين بها. ففعل نأى يعني من حيث اللغة ابتعد وذهب بعيداً عن شيء أو وضع أو حالة عن سابق تصميم وإصرار. والنائي هو البعيد البعيد المنزوي والمنعزل في دهاليز فرديته ولا يُنتظر منه خيراً لا لنفسه ولا لمجتمعه. وليس المقصود بالنأي بالنفس عند مروّجي ومسوقي هذه الدعوة، غير النأي عن نصرة الحق والعدل؟

والسؤال: هل يجوز أو يحق أن ينأى الإنسان عن نصرة الحق والعدل؟ وهل يصحّ أن ينأى أصحاب العقول النيّرة عن التصدي للباطل والظلم؟

يحاولون التلاعب في الكلام، ويقولون إنّ النأي هو عن الباطل والظلم، وقد فاتهم أنّ الواجب هو محاربة الباطل والظلم وسحقهما مهما كلف الأمر من تضحيات، ومهما استغرقت الحرب عليهما من وقت، حتى ولو استمرّت قروناً وعصوراً. فليس بين الحق والباطل هدنة، ولا بين العدل والظلم مصالحة ما دام الحق حقاً والباطل باطلاً، وما دام العدل عدلاً والظلم ظلماً، وما دام في هذا الوجود أهل حق وعدل يرفضون كلّ عدوان على حقوقهم وسيادتهم على أنفسهم وبلادهم.

إن استعمال وترويج مصطلحات هدفها التضليل والتعمية، وتشويه الحقائق، وتخدير العقول، وتوهين النفوس تساعد عدونا في اقتلاعنا من وطننا وجوداً وحضارةً وتاريخاً وحاضراً ومستقبلاً.

النأي بالنفس يعني بما لا يقبل الشك دفن الرأس في الرمال ليصطادنا عدونا بدون تعب ومن غير قتال، ويقنعنا بالاستسلام لمكائده فنقوم بقتل أنفسنا بأنفسنا من غير أن يكلّف الأعداء أنفسهم بإطلاق رصاصة واحدة علينا. وهذا يعني أن نقدّم مواردنا وكلّ تراثنا وثرواتنا طعاماً على طاولة أعدائنا. إننا نجزم أنّ النأي بالنفس ليس إلا الهروب من الحياة الكريمة إلى الانعزال والخمول في مقابر التاريخ.

إننا من دعاة وأصحاب الرأي الحر الواعي النافع،  والرأي المستقل عن الجهل والجاهلية والشر، والحياد العادل المنصف الذي لا يظلم أحداً ولا يتهاون بحقوق أحد. لا يوجد رأي حر في كلّ المجتمعات التي تدور في أفلاك الدول الاستعمارية الجائرة. فقبل أن يكون للمواطن رأي حر، ينبغي أن يكون مجتمعه حراً. ولا قيمة لرأي فرد مهما كان حراً الا اذا كان من مجتمع حراً ومتقدّماً.

الحياد يستحيل أن يقوم بين معتدٍ ومعتدى عليه. لقد أقامت دول الاستعمار الغربي البربرية الهمجية دولة الكيان اليهودي الصهيوني بالعدوان على شعبنا ووطننا، ولم يكن نشوء ذلك الكيان حصيلة حق وعدل، ولذلك لا مجال للحيادية في هذا الشأن، والحيادية الوحيدة المقبولة حقاً وعدلاً هي الانحياز إلى جانب حقنا، وهذا ما يرتّب علينا واجباً مقدساً ثابتاً وأبدياً، هو واجب الحرب، أي الدفاع عن حقنا الى أن ينتهي العدوان ويُسلـّم أعداؤنا بحقنا.

أما إذا بقيت الدول الاستعمارية المتغطرسة ممعنة ومستمرة في دعم العدوان ومساندته بكلّ الأساليب والوسائل والموارد، فإنها حتماً عدوة لنا، وعلينا أن ندافع عن أنفسنا بكلّ إمكانياتنا، وعلينا أن نبقى في استنفار دائم وفي حرب مستمرة معها إلى أن توقف مساعداتها لعدونا وتعترف بحقوقنا وتحترمها، وهذا يتطلب منا أن لا نبقى في حالة دفاع بل علينا أن نطور دفاعنا عن أنفسنا حتى يصبح هجوماً، لأنّ حالة التصدي المُثلى والمُجدية للباطل والعدوان هي المهاجمة. ولا يجوز ولا يحق أن يكون هناك سلام ما دام الاعتداء قائم، حتى لو استمرت الحرب إلى يوم القيامة ونهاية البشر. واللقاء الوحيد بيننا وبين الأعداء هو لقاء النار بالنار، والحديد بالحديد حتى ولو بلغ شهداؤنا أجيالاً وأجيال. فالحق في صراع مع الباطل إلى أن يسحق أحدهما الآخر، ولا يمكن أن تكون نتيجة الصراع إلا انتصار الحق وسحق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً.

كل رأي لا تكون وجهته تحرير أرضنا، وترسيخ حرية شعبنا، والتصدي لأعدائنا، ليس برأي حر مهما تفنن صاحبه بالجدل والنقاش والمنطق والبراعة في الحديث. وكل رأي لا تكون غايته من أجل التخلص من هيمنة المستبدّين وفي سبيل الاستقلال الروحي والفكري، لا يمكن أن يكون رأياً مستقلاً مهما اصطبغ بالـدعايات والوشايات والأكاذيب.

انّ الـرأي الحـر والمستقل هو الذي يفجّر روحية الأمة فتنهض وتثور على مغتصبي أرضها، وسارقي مواردها، ومستعبدي أبنائها فتطلق فيهم قيم الحق والخير والجمال والعدالة والعزة والكرامة. أما الحياد فلا يمكن أن يكون إلا بعد أن ننال حقنا ونصيبنا العادل من الحرية والاستقلال والعزة، عندها يمكننا أن نتحدث عن الرأي الحر والرأي المستقل والحياد الذي لا نُظلم فيه ولا نظلم الآخرين.

اليوم نرى بعض الكتّاب يتراجعون عن كتاباتهم السابقة، فليس لأنهم أصحاب رأي حر ومستقلّ وحياديين، بل لأنهم لم يكونوا يوماً أصحاب فكر سديد، ونظرة فاهمة، وإرادة حرة، ونفس عزيزة.

إنّ الرأي الحر هو نتيجة لا سبب، وما دام يـوجد في الحياة الإنسانية نـوعان من المجتمعات: مجتمع متـوحش ومجتمع حضاري، الأول يقوم على شريعة الغاب والغرائز، والثاني يقوم على شريعة القانون والأخلاق، فإنّ الرأي الحر هو أيضاً نوعان: رأي حر همجي عدواني، ورأي حر حضاري مناقبي، وفي كلتا الحالتين هو رأي منحاز إما إلى الحضارة وإما إلى الهمجية. وشتان ما بين رأي حر همجي يقوم على العدوان، ورأي حر حضاري يرتكز إلى المناقب والأخلاق العالية.

وقد صار من المؤكد بكل وضوح أن جهلة الأعراب، وهمج الدول الغـربية العـدوانية، ووحوش اليهود اللصوص جميعهم لن يستطيعوا الثبات في مواجهة مواكب الحضارة التي تطارد الجهل والهمجية والتوحش، مهما توفر لهم من وسائل الفتن، وتكنولوجيات الدمار والقراصنة والمرتزقة والمجرمين.

إنّ أجمل شيء هو السير على جادة الصواب والانطلاق من العقل الذي هو الشرع الأعلى والأساسي للإنسان الواعي الحضاري الحر المستقل. العقل السليم الذي يرفض كلّ حرية استذواقية فوضوية، وكل استقلال فردي انعزالي أناني، وكلّ حيادٍ يساوي بين العدالة والظلم، وكل نأي بالنفس يجلب الذلّ والعار والخراب على الأمة والوطن.

 

*مدير إعلام عصبة الأدب العربي المهجري في البرازيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى