ثقافة وفنون

«جنوب غرب طروادة»…
أحداث منسوخة لم تُحدث فرقاً!

} محمد رستم*

 

يعنون الرّوائي إبراهيم الكوني مرويَّتَه «جنوب غرب طروادة.. جنوب شرق قرطاجة»، وهنا ومنذ البداية نلحظُ كيف أنّ العنوَنةَ هنا ضاربةٌ في الضبابيّة، تأخذنا نحو بوّابة الأسئلة المُفخّخة، فهل الغايةُ منها مجرّد تحديد زمكاني لمُحيط الرواية أم أنّها إيحاء بإسقاطات تاريخيّة بما تعنيه «طروادة» و»قرطاجة»؟

ما إن نلج الرواية حتى يتبيّن لنا كيف جَيّرَ الكاتب الجغرافيا واستجار بالأسطورة وبالعراقة التاريخيّة حتى بدا ذلك لصقاً على جدار العمل.. هذا وقد جهد على امتداد سرديّته أن يحيل صوغ فضائه السرديّ إلى المرجعيّة المكانيّة، وهذه الجغرافيا بحكم موقعها فهي متورِّطة سلفاً بلعب دور البطولة المخفيّة في الخارطة العالميّة.

تتناول الرواية مرحلة نهوض الولايات المتحدة الأميركية كقوّة استعماريّة بداية القرن التاسع عشر فغدت البلاد العربية «تركة الرجل المريض» رقعة تكشُّ بيادقَها قرارات الدول العظمى، بلاد تناهشتها أنياب الحرب وجشع الأغراب وتفكّك الأسرة الحاكمة «أسرة القرمنلي» (تناحر الإخوة، الباشا قتل الأخ الأكبر حسن وأخوه يوسف طارد الأصغر أحمد) فبات الوطن مكشوف الظهر في عالم يحكمه قانون الغاب وتلاعب الدول العظمى وتجيير ذلك لمصالحها، حيث انخفض الباب العالي ولم يعُد عالياً (ولتحقيق ذلك تعمل الولايات المتّحدة على سحب البساط من تحت عرش الباشا يوسف واستبداله بشقيقه الطريد أحمد بك، وعندما تتحقّق مصالحها ترمي به كأداة غير قابلة للتدوير في خيانة واضحة لا لبس فيها).

الرواية تصور الهجمة الأميركية بواسطة المدمّرة الأسطورة «فيلادلفيا» ووقوعها في أسر زوارق الباشا ومحاولة تخليصها أو تفجيرها، وهنا يسوق الكاتب تشابهاً بينها وبين هيلانة حيناً وبين حصان طروادة حيناً آخر.

ودأب الكاتب لأن يُشعِل شموع روايته من مواقد هوميروس إذ نلحظ رغبة محمومة لديه في التعلق بالحلمي والأسطورة، ليمنح روايته فضاءها الخيالي فيجهد كي يُماهي بين قرطاجة وطروادة مع أن قرطاجة ليست في المدى المجدي لساحل ليبيا فنراه يورد الكثير من المشابهة والأقوال التي تماهي بين حكاية طروادة وغزو سواحل ليبيا وكذلك في الأسماء (اسم النقيب «ديكانور» مماثل لـ»هيكتور» في حصان طروادة وكذلك «أوبانون» يشابه «أجاممنون»، ويعود لتأكيد المشابهة فيقول (ص 243) : (كأننا قادة جيوش «آجاممنون» جئنا لغزو الشرق بضرب الحصار حول طروادة).

رحلة القارئ مع المرويّة مشبعة بالانكسارات، فالراوي من زاويته يُمرِّر منظاره على آه الوجع ليضع القارئ وجهاً لوجه أمام حقائق تاريخيّة مؤلمة، فالمجتمع ليس أكثر من ركام يغطّ في كفن الاستسلام، مُسجّل زوراً على قيد الحياة، مجتمع يفرش أرضه للعابرين، تفقأ عيونه مناقير العجز والباشا خليفة الله وظلّه على الأرض وهو كعبة الإيمان حتى وإن كان مهزوزاً آبقاً وعباءة روحه فضفاضة تتسع لكل الخطايا.. وحتى لو (شوّه وجهه بالوشم وتنّكر بلباس امرأة وذهب إلى بيت شقيقه لينزو على امرأته)!! أو كما فعل مرّة حيث بلغ به الهوس أن خلع ملابسه ورقص عارياً ولهشاشة فكره يعتمد على العرّافات في كشف الغيب..

تعرض الرواية الفساد في قصر الباشا (أمير المؤمنين) والمؤامرات والتفكّك، فأفراد الأسرة الحاكمة محافظ حبلى بالجشع ليس في أعماقهم إلا شهوة العرش، فهم يستحمّون بالرياء والدسيسة والقصر مكان للدعارة (فلعلّها أدخلت علجاً من علوج القصر إلى مخدعها.. ما هي إلا ثمرة المرأة مع أحد الخدم من سلالة البدو) وفي مكان آخر يقول الباشا (مومسات القصر)..

وتأتي القفلة كردّ التحيّة فتستيقظ السلطنة من سكرات الموت وتُستبدَل أسرة «القرمنلي» بوالٍ جديد، فما الولاة إلا كباش قابلة للتسمين.

بيئة الرواية تنزف قلقاً وحروباً حيث القذائف وتناثر الجثث على امتداد خطوط الطول والعرض فيها، ولتحقيق المصلحة توضع الشرائع جانباً (256): (عليكم ان تصدّقوا زوج ابنة الباشا هو الوغد الأيرلندي، دفعها الباشا إلى مخدعه دفعاً لقاء عبقريّته في الشؤون البحرية).

بينما تبقى النظرة الطائفيّة القاصرة حاضرة: (لا تخافي هؤلاء ليسوا رجالاً ولكنّهم نصارى)..

وواضح كيف قسّم الكاتب شرف البطولة على عدد من شخصيات الرواية فلم يمنحه لشخص بعينه، كما لم يكترث باستدعاء مفهوم ناصع للبطولة وتخليق الفضاء المحايث له كما في باقي الروايات فبات حضور الشخصيات النصّي يتفاوت بين فاعلة وسلبية ويتمدّد المنجز على سرير الرواية التاريخيّة، لكنه يخاتلنا فينحاز إلى الفانتازيا فمنطق الشخصيات في الحوارات (على المدمّرة فيلادلفيا) وداخل القصر كمثال يحيل المرويّة إلى الفانتازيا ويسحب البساط من تحت توثيقاتها التاريخيّة.

وإطلاق تسميات: (الشمس = سلطان الكواكب، اليهود = أمّة الشتات، العرّافة = سعلاة الدهور = حيزبون الأجيال ، الباشا = الأب الروحي لقرصنة الزمان، الغزاة = لصوص الأركان الأربعة، فيلادلفيا = أعجوبة البحار، الإله = شبح المسيسبي) تُخرج الرواية من واقعيتها التاريخية فتبدو كرواية تجريبيّة..

ولم يترك الكاتب للشخصية حريّة النمو والحركة والتعبير عن نفسها وفق منطقها وقاموسها اللغوي الخاص بل أسقط عليها فكره وولعه بالفلسفة والحكمة فجاءت المرويّة طافحة بالحكمة على لسان شخصيات غير مواتية (الضبّاط، الجنود، المدمّرة حاشية القصر، حتى الهندي الأحمر كان فيلسوفاً) فأنت أمام شخصيات تتكلم بالرمز حيناً وبالإيحاء حيناً آخر: (الموت حريّة، اللذّة هي الطريق إلى حقيقة الإنسان). وبذلك يكون الكاتب قد ابتعد عن قيود الحقيقة التاريخيّة والواقع الموضوعي إلى رحابة التشكيل الفني والخيالي، وفي الوقت ذاته لم يوفَّق من حيث المؤدّى الفني في هذا المزج فجاء المولود مسخاً كتجربة غير مكتملة البحث على الرغم من محاولة إقناعه لنا بواقعيّة وتاريخيّة أحداث مرويّته من خلال ذكْر الكثير من الأماكن والتسميات والمعارك الحقيقيّة (فيلادلفيا، الرئيس جيفرسون، بنيامين فرانكلن)..لكنه أجاد الكاتب حين صور الصراع «دينيّاً» من وجهة نظر البيئة الليبيّة المتخلّفة، فهي بمنظورهم بين مسلمين ونصارى بينما يراه الغرب صراع مصالح. وورد في الرواية (العصيان في زمن الجهاد ضد جيوش النصارى هو بمثابة خيانة لا تُغتَفر). يميل الكاتب إلى الشِّعر فيجعله رمزاً للصفاء ونقاء السريرة بعيداً عن قذارة السياسة، هذا وقد جاءت الرواية على لسان السارد العليم والذي جهد أن يكون حياديّاً فيبدو كمعلِّق على مباراة رياضيّة، واعتمد تقانات متنوّعة من سرد ووصف وحوار وتذكر كما تنوّعت الصراعات في الرواية بين الظاهر البسيط والنفسي والمعقّد مما أضفى على العمل ديناميكية درامية وإثارة نفسيّة تخبو وتتأجّج على مدار الأحداث.

ويقطّع الكاتب روايتة بعنونات تأتي على شكل عتبات فاصلة أو قفزات وذلك لإحداث تنقّلات وانعطافات في خط سير المرويّة، كان ذلك كله بلغة رشيقة تنحو جهة الشعرية (غاب المدى الأزرق المزروع بسيوف الشيب).

أخيراً أقول: كأن الكاتب يشير بطرف خفيّ إلى التشابه بين أسرة «القرمنلي» وحكم القذافي والمقدّمة تشي بمثل هذا التشابه (إلى شهداء ملحمة السابع عشر من فبراير نزيف يشهد كيف يُعيد التاريخ نفسه)، أخيراً نقول إن المروية لم تحقق الإرضاء الجمالي إذ أخفقت في فرض الإيهام الفني على القارئ أي سحب القارئ إلى حالة الإيهام بأن ما يقرؤه هو حقيقة واقعة.

* كاتب سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى