أولى

اللقاء السوري التركي وخريطة الطريق

أكد التمسك السوري بالثوابت الواضحة أنه مثال عمليّ على كيفية جمع المبادئ بالدبلوماسية والتكتيكات السياسية، وسورية أكدت لحليفيها الكبيرين في روسيا وإيران، أنها تشترك معهم في الرؤية التي تقول بأهمية احتواء تركيا وتشجيعها على المضي قدماً في الابتعاد عن السياسات الأميركية، لكنها تؤكد أن تقديم جوائز من السيادة السورية لإغراء تركيا يعني ثلاثة أخطاء قاتلة؛ الأول هو تشجيع تركيا على اللعب والمناورة والخداع والكذب والنكول بالتفاهمات وتبني الإرهاب والرهان على ضمّ أجزاء من سورية، والثاني هو إسقاط نموذج العلاقات الدولية الجديد الذي تبشّر به روسيا وإيران عبر المثال السوري، عندما تسقط فكرة دولة الاستقلال الوطني ومفهوم السيادة والقانون الدولي ويظهر عدم الوفاء للحلفاء، وهذه هي العناصر الحاكمة في المآخذ على السياسات الأميركية وفي ما تَعِد روسيا وإيران بأنها ستفعل عكسه، والخطأ الثالث هو ان عدم الالتزام التركي بالانسحاب من الأراضي السورية يعني تقديم غطاء مجاني لبقاء القوات الأميركية، وعدم معاملة القوات التركية كقوات احتلال يعني فعل الشيء نفسه مع القوات الأميركية، وأن إيجاد أعذار لاقتطاع جزء من سورية وإقامة كانتون للإرهابيين فيه في إدلب يعني تغطية ما يجري في شرق سورية. وما قدمته سورية هو استبدال حقها بالمطالبة بالانسحاب من أراضيها كشرط للمصالحة مع تركيا الى اعتبار الالتزام بهذا الانسحاب ضمن جدول زمني هو شرط الحد الأدنى لإعادة العلاقات التنسيقية ومن ضمنها تنسيق الانسحاب.
سقطت رهانات الكثيرين على تصدّع حلف سورية مع روسيا وإيران بسبب هذا الموقف، وسقطت الأوهام حول تغير في العلاقة الروسية السورية والإيرانية السورية، وكلام الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد بعد لقاءاته بكل من الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والإيراني السيد ابراهيم رئيسي، وما تضمنه من تأكيد على الالتزام التركي بالانسحاب من سورية كشرط للمصالحة، تأكيد على نجاحه بإقناع حليفيه باعتباراته ومقاربته، وهو تأكيد لنجاح مفهوم التمسك بالسيادة في كل مقاربة لفكرة الدولة الوطنية المستقلة الذي تجسّده سورية، فتقاتل أعداءها دفاعاً عنه، وتتمسك به معياراً لعلاقتها بالحلفاء.
خلال تسلسل اللقاءات من نواب وزراء الخارجية إلى وزراء الدفاع ورؤساء الأركان والمخابرات وصولاً للقاء وزراء الخارجية ضمن الرباعية الروسية الإيرانية التركية السورية، بطلب تركي، تسليم بأحقية المقاربة السورية، وتعبير عن شعور تركيا بالحاجة للتقدّم لملاقاة الموقف السوري، وفي اجتماع وزراء الخارجية كان البيان الوحيد الذي يصدر بصورة مشتركة عن المجتمعين، وفيه تأكيد على التوافق على اجتماع جديد على مستوى نواب وزراء الخارجية لوضع خريطة طريق للمصالحة، ومعلوم ومؤكد أن التوافق تمّ على تضمين خريطة الطريق ثلاثة محاور للتعاون بالتوازن في مسارات التقدم فيها، مسار السيادة السورية، ومسار وحدة سورية، ومسار عودة النازحين. ومسار سيادة سورية يعني التعاون في تفكيك الجماعات الإرهابية، وجدولة انسحاب القوات الأجنبية والمعني هنا الجيش التركي وتسليم السيطرة للجيش السوري وبسط سيادته على أراضيه، ومسار وحدة سورية يعني إنهاء الكانتونات شمال شرق وشمال غرب سورية، وفقاً لجدول زمني مواز لجدول بسط السيادة والانسحاب. ومسار عودة النازحين، يتضمن جداول عملية للعودة من ضمنها تعاون في إعمار البنى اللازمة لاستيعاب العودة، من ضمن مناقشة الرباعية والتزام أطرافها.
مرة أخرى تنجح سورية بتأكيد القدرة على الجمع ببراعة بين مفهوم الدولة الوطنية ومقتضيات البراغماتية والواقعية السياسية، وهما مفردتان تعنيان عند الذين يروّجون لفلسفة الضعف، الاستسلام والتخاذل والتراجع.

التعليق السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى