مقالات وآراء

لن تفهموا المقاومة إنْ لم تفهموا حقيقة العدو…

د. عدنان نجيب الدين
لم تخطئ المقاومة على مدى عقود من الصراع مع العدو الصهيوني في تشخيص الداء وإيجاد الدواء، وأخطأ كثيرون في نظرتهم إلى العدو بنفس القدر الذي أخطأوا فيه بنظرتهم للمقاومة، كما أخطأوا في فهمهم حقيقة الصراع معه ولم يفهموا معنى السيادة وقيمة الشهداء دفاعاً عنها وعن تراب الوطن.
لا يختلف اثنان عاقلان على انّ “دويلة” الاحتلال قامت على أرض عاش عليها الشعب الفلسطيني منذ مئات بل منذ آلاف السنين، فغزاها في فترة الانتداب البريطاني وبدعم منه أعداد من اليهود الذين دفعت بهم الحركة الصهيونية العالمية إلى فلسطين وأقنعتهم بأنها “أرض الميعاد”، وكان بعض المسؤولين العرب متخاذلين أو متواطئين لأن ّكراسي الحكم عندهم كانت أغلى من أيّ وطن وأهمّ من أيّ شعب يتشاركون معه الانتماء القومي والديني وكذلك التاريخي والجغرافي إلخ…
ودون العودة إلى تاريخ نشوء الحركة الصهيونية التي أسّسها مستثمرون يهود في أوروبا استغلوا ما كان يعانيه هؤلاء اليهود في أوروبا من نظرة سلبية إليهم من شعوب تلك القارة لأسباب موضوعية خاصة بسلوك اليهود واتباعهم طرقاً ملتوية للحصول على الأموال، أو قد تكون عنصرية تجاه من لا يشاركهم الانتماء الديني نفسه وكذلك العادات والتقاليد.
وشكل المهاجرون اليهود عصابات للاستيلاء على القدس والأراضي الفلسطينية واللجوء إلى أعمال القتل وارتكاب المجازر بحق المواطنين الفلسطينيين الآمنين لإرهابهم وتهجيرهم من أرضهم، وتمّ خداعهم من قبل الأنظمة العربية التي دعتهم للخروج من فلسطين مؤقتاً حفاظاً على سلامتهم، وانّ القضاء على الصهاينة مسألة أيام يعود بعدها المهجرون الى ديارهم، وبقوا في الشتات منذ ذلك الوقت ولم يعودوا، وهكذا قامت الأنظمة تلك بمسرحية حرب 1948 ضدّ المستعمرين اليهود الغزاة، وسقط فيها آلاف الشهداء من الجنود العرب الذين كانوا يقاتلون ببسالة لكن من دون دعم حقيقي بالسلاح من قبل حكومات بلدانهم. وحصلت النكبة وصدر قرار من الأمم المتحدة بإنشاء دولتين لم تلتزم به الأطراف المتقاتلة كلّ لأسبابه. ونشأت “دولة إسرائيل” معترفاً بها من الأمم المتحدة لكن من دون حدود لها ولا دستور. وهذا يعني أنّ حدود هذه “الدولة” هي ما تستطيع أن تكتسبه من أراض عربية لاحقاً، أيّ أنها كيان توسعي، وكون هذه “الدولة” بلا دستور فهذا يعني أنها من دون ضوابط، لأنّ الدستور يحتم على السلطات الحاكمة الالتزام بالدفاع عن حدود قانونية معروفة، وبقيت الحدود مضمرة يؤشر إليها فقط الخطان الأزرقان في علم تلك الدويلة اللذان يرمزان إلى نهري الفرات والنيل. وهذا يعني – لمن لا يريد أن يرى – أنّ لبنان من ضمن مشروعها التوسعي. وكلّ الحروب التي أشعلها الكيان الغاصب ضد ما يسمّى بدول الطوق العربي كان الهدف منها الاستيلاء على مزيد من الأراضي كما حصل في حرب 1967، أو الهجمات التي يشنها بين الفينة والأخرى على السكان المدنيين في جنوب لبنان منذ العام 1948 – قبل نشوء ايّ مقاومة – والتي يتجاهلها بعض اللبنانيين المعادين لمبدأ مقاومة العدو، ويتناسون الاعتداء على مطار بيروت المدني عام 1968.
وكان إبقاء الجنوب في حالة تخلف اقتصادي منذ عهد الاستقلال إلى ما بعد الحرب الأهلية في لبنان يصبّ في خدمة الكيان الصهيوني الهادف إلى تهجير أهل الجنوب واحتلال أجزاء من لبنان تصل إلى ما بعد نهر الليطاني أيّ إلى نهر الأوّلي كمرحلة أولى في مشروع التوسع “الاسرائيلي”، على أن يتمّ احتلال ما تبقى من لبنان في مرحلة لاحقة عندما تسمح الظروف الدولية ليجري تهجير المسيحيين بعد خلق ظروف كتلك التي أدّت إلى تهجير مسيحيّي فلسطين سابقاً، ومسيحيّي العراق وسورية في حرب المنظمات الإرهابية عليهما بدعم أميركا والغرب، وكان الكيان الغاصب أوّل المخططين لها وأوّل الداعمين.
ما يؤكد هذه السردية الوثيقة التي قدمتها المنظمة الصهيونية لمؤتمر السلام في “فرساي” الذي عقد في باريس عام 1919 وطالبت فيها بضمّ الجنوب اللبناني إلى كيان العدو المزمع إنشاؤه في فلسطين وإنشاء كيان مسيحي يكون حليفاً له بانتظار أن تأتي الخطوة اللاحقة التي يجري فيها قضمه بعد تهجير أهله… ويكفي ان نطلع على ما نشرته مجلة “كيفونهيم” الناطقة باسم المنظمة الصهيونية عام 1982 عن مشروعها تقسيم مصر وكذلك تقسيم كامل المنطقة إلى دويلات، بهدف السيطرة عليها وضمّها إلى الكيان الغاصب. ولا بأس من إعطاء هذا التشبيه: فأنت لا تستطيع اكل قالب “الغاتو” دفعة واحدة، ولا بدّ لك من تقسيمه إلى قطع لكي يسهل التهامه بالكامل.
هنا علينا الاعتراف بأنّ ما أفشل، حتى الآن، خطة الصهاينة ضدّ وحدة الكيان اللبناني هو موافقة اللبنانيين في اتفاق الطائف على مقولة الإمام موسى الصدر بأنّ لبنان بكامل مساحته الجغرافية وبتنوّعه الطائفي “وطن نهائي لجميع أبنائه”. لكن، للأسف، هناك في لبنان من يتبرّع حالياً، ربما عن غير وعي، لتقديم خدمة لـ “إسرائيل” لتنفيذ مشروعها بتقسيم لبنان ثم قضمه وابتلاعه.
وبحكم الجغرافيا، تحمّل ويتحمّل الجنوب وأهله، نيابة عن كلّ اللبنانيين، الاعتداءات الصهيونية، ولا يزال الجنوب يدفع ثمن الدفاع عن كلّ لبنان بتقديم الآلاف من الشهداء والجرحى إضافة إلى الخسائر المادية الكبيرة.
وما كانت كلّ هذه التضحيات لتكون لولا أنّ القوى السياسية الحاكمة تضامنت مع شعبها لتحمّل مسؤولية الدفاع بالعمل على اتخاذ قرار حاسم وجريء بتسليح الجيش اللبناني الذي تصرّ الولايات المتحدة و”إسرائيل” على إبقائه من دون أسلحة رادعة لكي لا يستطيع مواجهة العدو عندما يقرّر الهجوم على لبنان، علماً بأنّ جيشنا الباسل لديه عقيدة قتالية واضحة بانّ “إسرائيل” هي العدو، وانّ مهمته هي الدفاع عن الوطن وعن الشعب،
ثم يأتيك من يسألك بلا خجل “لماذا لا يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية”، ونحن نسأله بدورنا: ألا تعلم أنّ ألف باء بناء الدولة هو إنشاء جيش قوي مسلح بأحدث الأسلحة ليخيف العدو ويردعه، فهل سعيت لذلك؟ أم كان كلّ همّك حصصك الطائفية؟ ولنفترض أنك تريد تسليح الجيش، فهل سمحت لك أميركا بتسليحه كما تسلح هي جيش العدو؟ ألم ترسل محققيها العسكريين لمساءلة حكومتنا عما اذا كانت الرصاصات التي أطلقها جيشنا على الجنود الإسرائيليين في العديسة ليست ببندقية أميركية. اما المقاومة فلم تنشأ إلا عندما عجزت الدولة عن صدّ جيش العدو ومنعه من احتلال لبنان. فتقاعس الدولة وعدم دعم الجيش هو الذي دفع بالشعب ليدافع عن نفسه وهو ليس بحاجة لقرار من حكومة لم تحم شعبها. ثم نسأله أيضاً: لماذا أنتم، كقوى سياسية معترضة على حق المقاومة في الدفاع عن شعبها تقاعستم عن مقاومة جيش العدو لمنعه من احتلال أجزاء من الـ 10452 كلم2 فيما البعض كان داعماً أو مرحباً بجيش العدو؟ وماذا فعلتم لاستعادة الـ 250 كلم2 الباقية في مزارع شبعا وكفرشوبا والنقاط الأخرى؟ فهل سيجري تحريرها بالصمت ام بالدبلوماسية أم بالمقاومة؟ أم أنها ليست موجودة في ما تسمّونه “مناطقكم”؟
فلا تبرّروا تخاذلكم عن تحرير تراب وطنكم بتحميل المقاومة مسؤولية تقصيركم في بناء الدولة والدفاع عن لبنان.
على الجميع ان يعلم بأن العدو الصهيوني العنصري يؤمن بعقيدة واحدة وهي انه “شعب الله المختار” أما بقية الناس فهم كما ورد في كتابهم (التلمود) “حيوانات خلقهم الله على صورة بشر حتى يليق بهم خدمة اليهود”. فهل يريد هذا البعض من الزعماء والسياسيين أن يجدوا أنفسهم ومواطنيهم، ذات يوم، مجرد حيوانات او عبيد عند الصهاينة؟ أم يبقون اخواناً مواطنين أعزاء وأحراراً سادة مع شركائهم في الوطن الواحد يبنونه معاً ويدافعون عنه معا؟
والعاقل يتعلم من أخطائه، انّ ما يقوم به العدو الصهيوني في غزة من قتل للأطفال وتدمير المستشفيات والمدارس والمساكن على رؤوس ساكنيها وإبادة جماعية وتهجير قسري لشعبها، يجب أن يفهم كلّ اللبنانيين أنّ المقاومة اليوم هي التي تحمي لبنان وكلّ اللبنانيين، حتى الذين يجحدون دورها وتضحياتها، نعم انها تحمينا جميعاً من شر هذا الوحش المتربص القابع على حدودنا الجنوبية لكنه اليوم جريح ومردوع بقوة هذه المقاومة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى