نقاط على الحروف

من الآخر…!‏

 ناصر قنديل

يدور خطاب الأطراف المناوئة للمقاومة في لبنان حول عنوان ربط مفتعل يريد تحميل المقاومة مسؤولية الأزمة الاقتصادية والمالية، وهو منطق يقول به الأميركيون علناً، ويدعون بعض الداخل اللبناني لخوض معركة سياسية تحت هذا العنوان، وتجد هذه الدعوة أصداءها لدى فريق يضمّ سياسيين وإعلاميين، تصعب عليهم إقامة الصلة السببية بين المقاومة والانهيار المالي، في ظل وضوح الصلة بين مَن تولوا الحكم ورسم السياسات المالية، وبين الانهيار، بمسؤوليتهم عن الاستدانة المفتوحة بفوائد مرتفعة وعن الفساد وعن الفوضى في التوظيف في مؤسسات الدولة وعن نظام المحاصصة وكلفته المرتفعة، وعن تدمير القطاعات الإنتاجية، وربط لبنان بتمويل ترتفع كلفته من سنة إلى سنة بينما يضمر الإنتاج من سنة إلى سنة، وصولاً إلى الانفجار، فيلجأ أصحاب منطق العداء للمقاومة، لصياغة خطاب محوره أن الحصول على الأموال اللازمة له وجهة واحدة هي حكومات الغرب والعرب، والقادرون منها يشترطون لتقديم هذا المال، سحب سلاح المقاومة أو على الأقل تقييد هذا السلاح وإضعاف فعالية حزب الله السياسية.

يدور النقاش حول هذا العنوان هذه الأيام، ويعلم طرفا النقاش، المطالبان بتقييد السلاح ووصولا لنزعه، والمدافعون عنه، أن لا نهاية لهذا النقاش ولا جدوى ترتجى منه، والكل واقف عند موقف لا رجعة عنه، وليست الحجة التي ستدفع كل فريق لتغيير تموضعه، لذلك يبدو من المفيد أخذ النقاش من الآخر مع أصحاب منطق استرضاء الخارج الغربي والعربي طلباً للمال، بالنيل من المقاومة وسلاحها. ومن الآخر، يجب أن يكون مفهوماً أن الجهد والوقت المستهلكين في هذه الدعوات محاولة لن تجدي في دفع جمهور عريض مؤيد للمقاومة وسلاحها لتغيير قناعاته ومواقفه، ولن تؤثر في قوة المقاومة وحضورها، ولذلك فهما جهد ووقت ضائعان، ولن يجلب استهلاكهما سوى رفع منسوب التوتر السياسي والإعلامي، الذي سرعان ما يصير طائفياً ومذهبياً، وربما ينتقل إلى الشارع ويؤسس لما لا تحمد عقباه. فإن كان الغرض هو الإنقاذ، فالوسيلة المتبعة ستنتج عكس الهدف المطلوب، لأن لا إنقاذ ولا مال ولا سياسة عندما يصبح البلد غارقاً في الفوضى الطائفيّة والمذهبيّة، منقسم الشوارع المتحاربة، بالحجارة والعصي أو بالسلاح.

الطريق الآخر والممكن، هو أن يقتنع هؤلاء بلا جدوى مسعاهم، ويؤمنون بأن بلورة خطاب لبناني موحّد، لا يستثمر على محاولة جني مكاسب سياسية فئوية في قضايا الخلاف المزمنة، من ثنايا الأزمة المالية، ولا يتبع ببغائياً تحريض الخارج وروزنامته، أمر ممكن ومجدٍ، وقادر على تحقيق منسوب مقبول لمواجهة الأزمة، ويرفع من صدقية القدرة على مخاطبة أكثر من خارج، وليس خارجاً بعينه، ضمن منطق أولوية المصلحة اللبنانيّة بدلاً من الانقسام على ضفاف متقابلة، فالعلاقة بالعراق مثال قابل للنقاش، وهي محور رئيسي في أي توجّه مستقبلي اقتصادياً، ولا تقع في لعبة محاور وتجاذبات، وحتى العلاقة بسورية تجب مناقشتها بعقلانية المصلحة، فماذا سيقول جماعة «واشنطن والخليج لن يساهما مالياً إلا إذا انقلب اللبنانيون على حزب الله»، إذا خرجت معادلة موازية قوامها «سورية ستقفل الحدود التجارية مع لبنان ولن تفتحها إلا إذا انقلب اللبنانيون على الذين قالوا وفعلوا ضد سورية بأكثر مما قال وفعل حزب الله ضد أميركا وحكومات الخليج»؟

مصلحة لبنان واللبنانيين هي من الآخر، بالقول للأميركي والخليجي، ولكل خارج، أن ما يحق للدول المحاسبة عليه هو مواقف الدولة اللبنانية، والدولة اللبنانية فقط، والدولة اللبنانية التي يتهم حزب الله بأنه جاء برئيس جمهوريتها ورئيس حكومتها، هي دولة لم يزُر رئيس جمهوريتها لا سورية ولا إيران، وكانت أول زيارة له للسعودية، وبقي رئيس حكومتها ممتنعاً عن أي زيارة للخارج بانتظار موعد لم يأت لزيارة السعودية، ورغم ذلك تقول الدولة السورية إنها ترحب بأي رغبة جدية للتعاون تلقاها من الدولة اللبنانية، متجاهلة الأذى الذي لحقها من أطراف سياسية كان منهم رئيس الحكومة السابق، وكانت الدعوات للتعاون قائمة خلال رئاسته للحكومة، بينما تلقى طلبات الدولة تجاهلاً من حكومات الخليج والغرب بداعي الغضب من فريق لبناني، والذين يعتقدون أن لبنان بحاجة لدول الخليج والغرب أكثر من حاجته لحدود مفتوحة مع سورية، هم أغبى الأغبياء في علم الاقتصاد والتاريخ، وليقلبوا الصفحات عما كان عليه الحال يوم كانت سورية تقفل الحدود منذ الخمسينيات، وكيف كان يختنق لبنان؟

إذا لم يرد اللبنانيون التصرف كمجرد عملاء ينفذون إرادات خارج تربطهم به علاقة، في ظل خصومة مع طرف لبناني مقابل، وأرادوا التصرف بوطنية، بمعناها العلمي وموجباتها العمليّة، فعليهم توحيد خطاب يحصر حق الدول برسم سياساتها تجاه لبنان، بما يصدر عن الدولة اللبنانية، وأن يضعوا لمواقف الدولة سقوفاً موحدة، تعبر عن مصلحة جامعة، عنوانها انفتاح متوازن على كل جهات الأرض بمنطق أولوية المصلحة اللبنانية، وسيكتشفون أن ما يظنونه أبواباً موصدة كان وهماً يتغذى من رهان الخارج على استعمال اللبنانيين في مواجهة بعضهم البعض لا أكثر ولا أقل، وطالما أن لا جدوى من اتباع وصفة هذا الخارج الذي يدلنا على طريق تنتهي بالاحتراب الداخلي، فلم لا نختبر جدوى الطريق المعاكس، إذا كان القرار بيد اللبنانيين كما يزعمون بالحديث عن الاستقلال والسيادة والقرار الوطني الحر؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى