أولى

هل يؤسّس القطاع العام شركات خاصة؟

طارق الأحمد*

قد يبدو هذا العنوان مفاجئاً لمن يتمترس عقله عند التقسيمات التي صنّفت الاقتصاد بين قطاعين عام وخاص مع اشتقاقاته المبتدعة كالقطاع المشترك منذ عقود طويلة…

لكنّ كلّ ذلك كان سببه عدم وجود نظرية اقتصادية أصلاً أو نهج واضح يسير عليه الاقتصاد، بحيث يبدو الحديث عن الاشتراكية والرأسمالية، عند مقارنة قوانين الضريبة بين سورية وأكثر الدول رأسمالية، صادماً إذا ما خلصنا إلى نتيجة تفيد بأنّ قوانينهم أكثر عدالة في قبض الضرائب من الأغنياء وبالغي الثراء ومُكدِّسي الثروات، بينما تريح أصحاب الدخل المحدود وصغار الكسبة (كما كان المصطلح شائعاً)، وهنا أعني بنية القوانين والتشريعات وتطبيقها وليس شيئاً آخر…

إنّ الانطلاق لإصلاح الاقتصاد لا بدّ أن يبدأ من تشريح دقيق للواقع والتحديات لمرحلة ما بعد الحرب الكبرى التي شُنَّت على سورية وكانت الحرب الاقتصادية أحد أركان عناصرها الرئيسية، فكان الحصار وانسحاب شركات النفط تمهيداً لما شاهدناه من احتلال لحقول النفط وسرقة المصانع وتدميرها وتدمير محطات الطاقة الكهربائية، عدا عن تقطيع أوصال المناطق التي أصابت الحركة الاقتصادية بشلل كبير.

لكنّ قوة الإرادة لدى الكثير من المنتجين السوريين كانت العامل الأساسي الذي ساهم في عودة كثير من الصناعيين وأصحاب الأعمال إلى مشاريعهم تحت الحصار والصعوبات، وكثيرون منهم شغّلوا مصانعهم تحت خطر القصف في مناطق خطرة، بالأخص في دمشق وحلب.

إلا أنّ البيئة الاقتصادية المحلية تحوّلت في السنوات الأخيرة، ورغم استكمال تحرير معظم المناطق من الإرهاب، إلى بيئة طاردة للمنتجين، بخلاف ما كان قائماً طيلة سنوات الحرب، وذلك بنتيجة عوامل عديدة منها ما استجدّ ولم يكن قائماً طيلة سنوات الحرب القاسية حيث اعتمدت الإدارة الأميركية نهج الخنق الاقتصادي للدولة والضغط على كلّ السوريين أينما كانوا يسهمون في دوران العجلة الاقتصادية السورية وأوضح الأمثلة الصارخة كان القرار بضرب لبنان وشله اقتصادياً بشكل تامّ خوفاً من توحُّد بيئته الطبيعية مع عملية إعادة الإعمار في سورية، حتى ولو لم يظهر ذلك بشكل رسمي.

من العوامل الكبيرة أيضاً اضطراب البيئة الاستثمارية داخل البلد وتدهور سعر الصرف وشحّ الموارد الأساسية بشكل كبير، مترافقاً مع ضعف الأداء الاقتصادي الحكومي وتخبّط القرارات وعدم وجود رؤى تنموية اقتصادية خلاقة تستطيع تفعيل البنى الإنتاجية للدولة، وعلى العكس فإنّ عدداً كبيراً من المستثمرين خرجوا ولا يزالون رغم إصدار تشريع حديث لتشجيع الاستثمار، فأين الخلل؟

أولاً: يجب وضع رؤية تنموية للبلاد تأخذ بعين الاعتبار احتمال استمرار مرحلة الكباش الإقليمي والدولي لسنوات مقبلة وعدم انتظار حلول تأتي من الخارج لعلّها (تشيل الزير من البير) كما يقال في المثل الشعبي، أما احتمال حصول الانفراجات فهو سيصبح زيادة فعالية للخطط الموضوعة تتناسب طرداً مع حجم كلّ انفراج، سواء كان بتيسير الحلفاء أو حتى رفعاً للعقوبات والقطيعة المفروضة غربياً وعربياً أيضاً.

إنّ مثل هذا التفكير يدفع إلى ضرورة إجراء فحص عام وشامل للجسم الاقتصادي السوري بمختلف أجزائه أو قطاعاته وكشف وجود أمراض خطيرة ووضع بروتوكول علاج.

لكنّ المتابع الحصيف يدرك الآن أنّ السنتين الأخيرتين قد شهدتا تراجعاً كبيراً في البنية الإنتاجية في الوقت الذي يُحتّم ضرورة النمو لتعويض ما فقدناه في الحرب، ورغم وجود حاجات كبيرة في السوق، إضافة إلى وجود فرص كبرى حتى لإعادة إنهاض قطاع الإنتاج التصديري، بالأخص إلى العراق ودول عدة في العالم يمكن أن تشكل أسواقاً جيدة للمنتج السوري كما كان سابقاً، لكن لا القطاع العام ولا القطاع الخاص قادران بالصيغة التقليدية على القيام بخطوات فعلية مهما علت قوة التصريحات المشبعة بكلمات سوف وسوف. فكلّ ما قيل وصُرِّح به هو خارج إطار التنفيذ الفعلي لأسباب جوهرية، لا يشكل التغاضي عنها إلا إعراضاً عن كشف حقائق المرض وبالتالي زيادة تعرض المريض للخطر وأعني هنا البنية الاقتصادية للمجتمع السوري ككلّ والتي لم تصل، منذ عقود عدة، إلى درجة الخطر التي هي عليها اليوم.

إنّ غياب الثقة هو أكبر عوامل التردُّد في الاستثمار وهذا العامل لا يمكن علاجه بالتصريحات والوعود بل بالإجراءات العملية، أما الاستثمار فله حركة تشبه أسراب الطيور، فإذا ما حطّ طائر على بحيرة مياه وشرب وطاب له شرابه، رأيت الأسراب تلحق به وتشرب، وغير ذلك لا يُجدي نفعاً في عالم الأعمال حتى ولو أصدرت عشرات القوانين والتسهيلات النظرية، بل إنّ النتيجة قد تكون عكسية فسخاء التسهيلات للمستثمر الخارجي في بنية كهذه قد تعود على المستثمر الداخلي بالضرر في بعض الحالات إذا أتى من ينافس مصنعاً في الداخل وحسب أن يربح الإعفاءات الضريبية مقابل ما يتكبّده من في الداخل من أعباء.

هنا تبرُز فكرة طُبِّقت في الصين ببراعة ونجاح أبَهَرا العالم، وهذه الفكرة تقتضي قيام الدولة بتأسيس شركات خاصة لمشاريع ربحية مدروسة وهذه الشركات تكون شركات مساهمة لا تحتاج الدولة إلى زجّ كامل رأس المال فيه بل تتيح لشركاء آخرين استراتيجيين أو مشترين للأسهم في الشركة.

وللعارفين بالشأن المحلي السوري، فإنّ أول وأهم عقبة كأداء ستغدو زائلة وهي تقييم رواتب الإدارة والعمال وفق الواقع وليس وفقاً لقانون العاملين الموحَّد الذي دمّر ولا يزال يدمّر كلّ البيئة البيروقراطية للدولة بمعناه القانوني من خلال تدمير أهم بند في فكرة العمل المُنصف وهو الحقّ بقدر الإنتاج عدا عن قتل الإبداع، وهو يساوي بين من يعمل ويشقى ويسهر ويتفانى، وبين من يستهتر ويُهمل ويخرّب.

إنّ تأليف شركات بقوة الدولة يمكن أن يبدأ من أفكار تطرح لدراسات جدوى اقتصادية لا تبقى حبيسة اللجان المؤلفة داخل الوزارات والتي تضيع الوقت في الاجتماعات المتلاحقة ثم تأتي كلمة السر لصالح فلان أو غيره، ويمكن بتعديل عبارة أن تحرف مسار مشروع بأكمله ثم تخرج القرارات لصالح البعض، ويصبح المسؤول ضنيناً على الدفاع عن القرار الذي اتخذه وكأنه يدافع عن ولده ولو كان خاطئاً أو مخطئاً، لكي لا يُقال أنه تراجع ثم ينتظر الناس الأشهر والسنوات حتى تغييره أو عزله من المسؤولية التي كُلِّف بها.

إنّ مثل هذه الأفكار يمكن أن تقدم على هيئة مبادرات متنوعة، في حال فُتِح المجال لذلك من قبل الدولة، على أن تكون مدروسة من قبل متخصِّصين، سواء كانت زراعية أو صناعية أو سياحية أو خدمية إلخ… وهي لن تنتظر ذلك المستثمر الخيِّر بأمواله الطائلة ليأتي ويزجّ بها في البلاد ويغدق على العباد، فهذه الصورة هي غير موجودة أصلاً لمن يعلم بأنّ معظم الثروات، سواء في سورية أو غيرها، قد تشكلت في الماضي البعيد والقريب بأموال قروض الدولة نفسها أو العقود المميّزة جداً جداً مع الدولة وليس غيرها، والمطلعون يعلمون ذلك، مع أنّ الأنكى هو قيام هؤلاء الأثرياء أنفسهم بانتقاد الدولة أو تمنينها حين يقدمون عطية ما وأكثر من ذلك كثيراً، لا بل وقد تحوّل البعض ليصبح من أشدّ المعارضين حتى في السياسة، وهذا ليس موضوعنا الآن رغم أهميته، لأنني أفضل أن أكتب في الحلول أكثر من الحالة التي أخشى أن تتحول إلى نوع من جلد الذات بلا فائدة تذكر منها إلا في إطار أخذ العِبَر.

إذاً، وطالما أنّ المال داخلي وهو موجود لدى العديد من النقابات، بالإضافة إلى الأموال المودَعة في البنوك، حيث تقلصت قيمتها الشرائية بشكل يفوق الوصف، حيث أصرَّت بعض النقابات على (حماية) وتجميد وعدم المسّ بأموال المودعين (البنوك مثلاً)، وعلى سبيل المثال فإن كانت النقابة أو غرفة التجارة والصناعة تملك قبل عام 2011 مليار ليرة سورية وكانت تساوي حينها 20 مليون دولار، فقد أصبحت هذه الأموال (المحفوظة جيداً) نفسها تساوي 300 ألف دولار.

إنّ التخلص من عقل الشحّ المسيطر والذي سيشهق إن أخبرته أنّ شرط نجاح أي تجربة استثمارية الآن وبالواقع الحالي هو استقدام أو توظيف أمهر طاقم إداري مثبت المهارة برواتب شهرية لا تقلّ عن 10 ملايين ليرة سورية وذلك بعكس ما هو معمول به في قانون العاملين الموحّد، أما تشغيل مدير عام براتب لا يكفيه ليوم واحد فهو ما سيعني أنه إما سيكون جلّ تفكيره في سبيل تأمين ما يقوت به أسرته لباقي الشهر أو أن يعمل كسائق سيارة أجرة وهذا لا يمكن أن يتفق مع أداء لمدير ناجح.. طبعاً، أنا هنا أيضاً لا أنتقد لأطلب حلولاً سحرية من الحكومة، بل أضع لبّ المشكلة مع الحلّ الجزئي بتأسيس شركات إنتاجية مساهمة بشروط لا تتأثر بأمراضنا الداخلية، لعلها تكون قصص نجاح عديدة، وإن حصلت ستشكل نوبات تشكل قاطرات اقتصادية ناجحة تستطيع شدّ باقي عربات القطار المعطلة إليها شيئاً فشيئاً، وما أقوله يملك وجاهة العديد من الشواهد المضيئة في التاريخ السوري القريب مثل كلّ ما حدث مع الراحل خليل بهلول وشركة الإسكان العسكري التي لم تكن شركة ككل الشركات وحققت نجاحات تفوق التوقعات وأصبحت لها فروع داخل سورية وخارجها حتى أنها أنجزت المشاريع الخارجية في أفريقيا، لكننا هنا لا نعني أبداً تكرار التجربة بالنسخ واللصق بل بتحديثها مع بقاء الروح والغاية، إذ يمكن أن تكون مساهمة الدولة بـ 50% من رأس المال متضمناً الأراضي والتسهيلات التفضيلية ذات القيم العالية ويساهم القطاع الخاص ومشترو الأسهم بالباقي، كما ينتخب مجلس الإدارة ويعين المدراء بمسابقات عالمية معلنة وينتقي حتى المشاريع بشكل معلن كما هو الحال في شركات العالم وفق أعلى معايير الشفافية.

إنّ تأسيس مثل تلك الشركة القابضة لإعادة إحياء المصانع المتوقفة، وهي بالمئات، ودخول أصحابها كمساهمين طوعيين، أو تأسيس شركة تأخذ امتيازات لإعادة إعمار أكثر المناطق استراتيجية وجمع أصول شركات إنشائية من القطاع العام كأصول تحول إلى قيمة سهمية فيها ووجود إدارة فذة وتمويل حقيقي كفيل بوضع السكة لرؤية مشاريع عملاقة الآن تشغل آلاف الأيدي العاملة وتحقق الوفر الكبير والأهمّ أنها تضمن للدولة حقّ الأصول للمشاريع لكي لا يطمع بها المتربصون بالوطن وخيراته.

تلك كلها أمثلة فقط على ما يمكن أن يجري، ولا أعتقد أنّ في الأفق ما يستدعي الانتظار للبدء بالعمل على أسس جديدة وفذّة، فلا تنتظروا الاستثمار الخارجي فكله وهم كائنة من كانت الجهة التي سيأتي منها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عميد الاقتصاد في الحزب السوري القومي الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى