نقاط على الحروف

خطاب نصرالله الداخليّ وتوجّه جديد لحزب الله

 ناصر قنديل

 

سيطرت الافتراضات المشيطنة على الرائج والمتداول عن نظرة حزب الله للوضع الداخلي، وكيفية مقاربته لمفهوم الدولة، فمن جهة يتم التسويق لتبنّي حزب الله لمفهوم الدولة الضعيفة تحت شعار المصلحة ببقاء الظروف التي تتيح لسلاح المقاومة التحرّك بحرية، ومن جهة موازية يتم الحديث عن سعي حزب الله لتغيير صيغة النظام السياسي، اما عبر تعديل التركيبة الطائفية من المناصفة إلى المثالثة، أي بجعل حصة المسيحيين من مراكز الدولة السياسية الثلث بدلاً من النصف، ويضع هؤلاء دعوة الحزب السابقة الى مؤتمر تأسيسي في هذا الإطاروبسبب هذا الرائج يفوت الكثيرين التعرف عن كثب على حقيقة نظرة الحزب، ومقاربته.

قد يمرّ كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله خلال احتفال أربعينية حزب الله، دون أن ينتبه الكثيرون الى ما تضمنه من إشارات موجزة حول نظرة الحزب لمفهوم الدولة، تعكس مقاربة تستحق النقاش والاطلاع والتعرف على الأقل، طالما أننا نتحدث عن أكبر حزب لبناني شعبياً، كما تقول نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة وعدد الأصوات التفضيلية التي نالها مرشحوه بالمقارنة مع الأحزاب الأخرى الحليفة والمناوئة. وهو الحزب الذي يملك واحدة من أضخم الترسانات عسكرية في المنطقة، والتي ينشغل العالم بكيفية احتواء مخاطر تأثيرها على الأمن الإسرائيلي، وتجعل لبنان وجهة اهتمام دولية واقليمية لهذا الاعتبار.

عشية اتفاق الطائف شكلت المناقشات والاطروحات التي حملها المفاوضون وتبناها المتخاصمون الأساس في ولادة النصوص التي تضمنها الاتفاق، وقد كان حزب الله خارج نطاق الذين شاركوا بالتفاوض الذي أنتج الاتفاق، ويعلم الذين واكبوا تلك المفاوضاتوقد كانت لي فرصة أن أكون قريباً جداً مما يتم تداولهأن العنوانين الكبيرين اللذين انقسمت حولهما المواقف، كانا موضوعي الهوية والطائفية، بين فريق يتمسك بهوية لبنانية كيانية وفريق يطالب بعروبة لبنان، من جهة، ومن جهة موازية، بين فريق يسعى لإلغاء الطائفية السياسية ويضع جدولاً زمنياً للإلغاء، وفريق يتمسك بالصيغة الطائفية ويحاول حمايتها عبر تعديلها، نحو المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وتعزيز حضور الطوائف التي كانت تعتبر خارج النظام الطائفي كحال الشيعة والدروز، لضمان الاستقرار والتوازن للصيغة الطائفية.

ولد اتفاق الطائف تعبيراً عن التوازن بين هذه الطروحات، فأقر هوية لبنان العربية من جهة وأكد التمسك بلبنان وطن نهائيّ من جهة مقابلة، وقام بتعديل الصيغة الطائفية نحو التوازن من جهة، ودعا الى تشكيل هيئة لإلغاء الطائفية من جهة موازية، لكن الاتفاق لم يعر اهتماماً لقضية السيادة، ولا للهوية الاقتصادية للنظام الجديد، بل يمكن القول إن الاتفاق قام ضمناً على تسليم بإدارة متوازنة إقليمياً ودولياً للمرجعية الخارجية للدولة أمنياً وسياسياً، عبر ثلاثية سورية سعودية أميركية، ربطت الانسحاب الإسرائيلي بمشروع المفاوضات الذي انطلق من عملية مدريد للسلام، وربطت الأمن بالدور السوري، وبالتوازي قام الاتفاق اقتصادياً على معادلة الرهان على التمويل الخارجي، والسعودي خصوصاً، ربطت الاقتصاد بمفهوم ريعي قدمه نموذج الإعمار الذي جاء به الرئيس رفيق الحريري كترجمة للاتفاق الذي كان من أبرز صناع الصيغة الداخلية فيه.

كلام السيد نصرالله يُعيد النقاش من بوابة غير تلك التي يتهمه بها الخصوم، فيبدو واضحاً أن إلغاء الطائفية ليس شرطا لازماً لتطوير الدولة وفق مفهوم حزب الله، والدعوة لإلغاء الطائفية غابت عن خطاب الحزب ومقارباته، وعن خطاب السيد نصرالله في توصيف الدولة العادلة والقادرة التي دعا لقيامها، ومثلها غابت مسألة الهوية، و حزب الله يمتلك مقاربة تقول إن الفساد والمحاصصة هما جوهر أزمة النظام، بما في ذلك أزمة الصيغة الطائفية، وأنه لا مشكلة لدى حزب الله في أن تلغى الطائفية بتوافق لبنانيّ، أو تبقى بتوزيعها الراهن القائم على المناصفة، وتطبق كضامن للاستقرار والتوازن بين الجماعات المكونة للدولة والمجتمع، شرط أن تبتعد عن الفساد والمحاصصة عبر آليات تضمن تحقيق التوزيع الطائفي، أسوة بتوزيع قومي أو مناطقي تعتمده أنظمة حكم كثيرة، لكن خارج إطار المحاصصة والفساد، كما أن حزب الله الذي يؤمن بالعروبة، لا يعتقد بأن هوية العروبة كافية لحسم التنوع اللبناني التاريخي، ولا هي قادرة على احتواء الهويات المتعددة لبنانياً، ولا يرغب بالمشاركة في الاستقطاب بين ضفتين كيانية وقومية، بل يقارب مسألة الهوية بالدعوة للتطلع الى المصير المشترك الذي يجمع اللبنانيين لتأسيسها، وتقبل التباينات في النظر للتاريخ والماضي وتقديمه بلا حرج باعتباره تاريخ لبنان وانقساماته ومخاض ولادته، شرط اعتماد الرواية المنصفة للوقائع، ولو بعيون مختلفة.

يدعو حزب الله لاعتبار مسألتي السيادة الوطنية والنظام الاقتصادي أولويتي الحوار الوطني بدلاً من الهوية والطائفية، وفي مسألة السيادة يثق حزب الله إن أي مقاربة صادقة ستجد أن بناء جيش قوي قادر سيفرض الحاجة الى وجود مقاومة قوية وقادرة، إذا تحرر اللبنانيون من أوهام وأكاذيب الحماية الخارجية، وفي أي دولة سيدة المدخل هو التحرر من وصفات السفراء وتدخلاتهم، والانطلاق من مفهوم المصلحة الوطنية وحدها في رسم السياسات والتحالفات، ولا يرى الحزب أن علاقته مع إيران تصطدم مع نظام المصلحة الوطنية اللبنانية لأي دولة سيدة وقادرة، وأولويات الدولة السيدة والقادرة هي تحرير ما تبقى من أرض محتلة، وحماية لبنان من كل الاعتداءات والانتهاكات البرية والبحرية والجوية، وتحرير الثروات البحرية وحمايتها، وبالتوازي في النظام الاقتصادي، دولة الرعاية بدلاً من دولة الريع، دولة المؤسسات بدلاً من دولة المزارع، دولة القضاء بدلاً من دولةالقدر”.

هل من يناقش نظرة حزب الله بعيداً عن الموقف المسبق؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى