الوطنكتاب بناء

رسائل سياسية في أحداث طرابلس…

} محمد حميّة

عادت طرابلس الى الواجهة من بوابة الانفجار الاجتماعي بعد استفحال الأزمات المعيشية والاقتصادية التي خلفتها السياسات المالية والاقتصادية للحكومات المتعاقبة والطبقة السياسية الحاكمة منذ ثلاثة عقود، زاد من وطأتها انتشار وباء الكورونا الذي أخّر التحركات في الشارع لبعض الوقت.

ما يجري في طرابلس نموذج مما قد يجري في مختلف المناطق اللبنانية. فلهيب الأسعار وجنون الدولار وتداعيات قرار التعبئة العامة والحرمان المزمن الذي عانت منه المدينة، دفع بالمواطنين للنزول الى الشارع كملجأ أخير يقيهم الظلم بعدما صمّت الحكومات آذانها عن صرخاتهم من خلف جدران المنازل.

«الناس» كفرت بكل شيء و»الفيحاء» وجوارها باتا شبه منكوبين بعد الكورونا. هكذا تصف مصادر طرابلسية إسلامية فاعلة على صلة وتماس مع الشارع حال المدينة، فالبطالة والجوع وإقفال المصالح والمحال التجارية وتخلي «زعماء» المدينة والاستغلال السياسي والانتخابي قضى على كل شيء.

فتجمعت عناصر الانفجار في عاصمة الشمال. لكن تساؤلات تحوم حول ما يجري من أحداث أمنية واشتباكات متنقلة تخفي في طياتها رسائل سياسية من أرادت أطراف سياسية توجيهها من طرابلس الى بيروت لكون المدينة تتحول في الأزمات الى صندوق بريد. فما هي الرسائل؟

 فوسائل التعبير عن الغضب الشعبي لا سيما الاعتداء المنظم والممنهج على الجيش اللبناني وحرق آلياته العسكرية وجنوده وضباطه وتحطيم الأملاك العامة والخاصة يؤكد الدخول السياسي على خط الشارع والاستثمار فيه، وتكفي الاشارة الى لسان حال بعض المتظاهرين الذين يطالبون بإسقاط الحكومة وعودة الرئيس سعد الحريري للدلالة على ذلك. وما يعزّز الاعتقاد الغارات المتكررة التي يشنها المتظاهرون على محيط منزل النائب فيصل كرامي، فيما لم ينطق المتظاهرون ببنت شفا حول ما يسمّونهم في المدينة «حيتان المال» كالرئيس نجيب ميقاتي والوزير السابق محمد الصفدي واللواء أشرف ريفي وغيرهم ممن اغتنوا من السلطة ولم ينظروا برمق واحد الى أبناء مدينتهم ولم يرفّ لهم جفن إزاء الازمات والكوارث التي تعصف بطرابلس منذ عشرات السنين.

فالعجب كيف أن المتظاهرين يستهدفون منزل كرامي فيما لم يقربوا البتة منازل طغاة المال والسياسة في المدينة! فهل تاه الجوع بهم الى تضييع «بوصلة الفساد» فهل بات كرامي هو المسؤول عن الفساد وحال الطرابلسيين الاجتماعية، فيما يلوذ آخرون كانو جزءًا أساسياً من السلطة بالأمان؟ فيما الربط واضح بين التهجم على كرامي وبين القرار الذي اتخذه وزير الاتصالات طلال حواط باسترداد قطاع الاتصالات الى الدولة! ما استفزّ تيار المستقبل والحريرية السياسية، بحسب ما تقول مصادر طرابلسية لـ»البناء»، بينما يظهر التوقيت المريب للتصعيد في الشارع في عدد من المناطق وبين اندفاعة الحكومة بإدراج جدول أعمال دسم يتضمن مشاريع قوانين لمكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة على جلساتها!

واللافت بحسب المصادر أن اندلاع أحداث طرابلس جاء عقب اجتماعات وتصعيد وبيانات سياسية تخفي كلاماً طائفياً لرؤساء الحكومات السابقين ما شكّل ضوءاً أخضر لبعض الخلايا الاستخبارية في المدينة لإشعال الوضع الأمني.

فالرسالة الأولى يوجهها الحريري بحسب مصادر متابعة الى الرئيس حسان دياب بأن المستقبل وميقاتي وريفي قادرون على إشعال طرابلس بكبسة زر في وجه الحكومة ويمكننا إسقاط الحكومة من عاصمة الشمال وليس من بيروت فقط، ورسالة ثانية الى دياب ايضاً كرد على زيارته الى وزارة الدفاع فالهدف هو إسقاط هيبة المؤسسة العسكرية التي يتكئ عليها رئيسا الجمهورية والحكومة لضبط الوضع الأمني والاجتماعي، وهنا المثير للاستغراب تحوّل الجيش الى عدو للمتظاهرين، فيما الجيش هو جزء من الشعب الذين لا تكفيهم رواتبهم لآخر الشهر وتآكلت الى حدود قصوى مع ارتفاع سعر صرف الدولار.

أما الرسالة الثالثة فلحزب الله مفادها بأن أحزاب وقوى المعارضة قادرة على تسعير اللعبة الطائفية والمذهبية من طرابلس، وانتقالاً الى خطوط التماس في صيدا وبيروت والبقاع والجبل اذا استمر الحزب بدعم دياب والعهد في مسار الإصلاح ومكافحة الفساد. وهنا تشير مصادر مطلعة لـ»البناء» إلى أن حزب الله لن ينجر الى لعبة الشوارع والمذهبية مهما عملوا على استدراجه ولن يضيع انتصاراته وإنجازاته في لبنان والإقليم على «إسرائيل» والتنظيمات الارهابية وعلى المشاريع الاميركية الاسرائيلية في المنطقة لن يضيعها في زواريب الساحة اللبنانية. اما عملية مكافحة الفساد والاصلاح فهذا ملف تتولاه الحكومه ويتطلب عملية حكومية تشريعية قضائية طويلة لن يقف الحزب في وجهها كرمى لأحد، بل سيدعمها الى النهاية. مذكرة بكلام أحد اتباع الأميركيين في لبنان نقلاً عن واشنطن بأن على اللبنانيين الاختيار بين سلاح المقاومة وبين الدولار.

  فما يجري في طرابلس مخطط موجّه للضغط على الحكومة تمهيداً لاسقاطها في الشارع، وهذا ما حذّر منه الرئيس دياب أمس بقوله إن ما يجري يؤشر إلى «وجود نوايا خبيثة خلف الكواليس لهز الاستقرار الأمني، وهذا لعب بالنار، وسيحرق أصابع أولئك الذين يريدون الاستثمار بدماء الناس لمصالحهم». فهل بدأت المواجهة الطويلة بين الحكومة والمعارضة من طرابلس حتى نهاية العهد الحالي؟ وهل ستتوسّع رقعتها لتشمل مناطق أخرى ستدخل لبنان كله في المجهول؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق