أخيرةكتاب بناء

العفو العام…
بين ما طار وما بقيَ

 

  غدير حمية

ليست سابقة أن تُصدر الدول قوانين وقرارات بالعفو العام عن سجناء ومحكومين ومطلوبين للعدالة، فمعظم الدول إنْ لم نقل كلها، تعفو عن مواطنيها، لكنها تستخدم عبارةيُستثنى من العفوالمجرمين الخطرين جداً، ومرتكبي فعل الخيانة العظمى، وهذا ينطبق على كلّ عميل دسّ الدسائس لدى العدو وساعده على فوز قواته.

الخميس الماضي عقد مجلس النواب جلسة عامة لإقرار مجموعة من اقتراحات القوانين ومن ضمنها اقتراح قانون العفو العام، غير أنّ هذا الاقتراح فُخّخ بالمادة الثامنة التي تشمل بالعفو العملاء الذين فرّوا إلى فلسطين المحتلة قبل عشرين عاماً! وبمواد أخرى قد تشمل الذين نفذوا تفجيرات إرهابية في لبنان وضدّ الجيش اللبناني وضباطه وعناصره

المفارقة، أنّ بعض المسؤولين في لبنان ووسائل إعلامية بدأت حملة استباقية لتمرير العفو عن العملاء ضمن العفو العام، بإطلاق صفة المبعدين على العملاء الفارّين، وهذا ما مسّ في الصميم مشاعر غالبية اللبنانيين لا سيما عائلات الشهداء والأسرى والجرحى.

لقد تكفلت المادة الثامنة المذكورة، ومعها بعض وسائل الإعلام بتظهير مشهدية لبنانية أظهرت انقساماً واضحاً على أمر يفترض أن يحمل صفة الوطنية بامتياز. وعوض أن تتفق وسائل الإعلام كافة على ملف غير قابل للصرف لبنانياً، خصوصاً أنّ جروحه لم تختم بعد، بدا الواقع مغايراً بعدما تصدّرت المشهد حرب المفاهيم والمصطلحات بين من تعاطف مع الفارّين ووصفهم بالمبعدين قسراً، وبين تأكيد أنّ دماء الشهداء والجرحى ومعاناة الأسرى لن يمحوها الزمن.

هذا الإنقسام عكس حجم الشرخ السياسي والشعبي في لبنان، والذي يظهر عادة عند كلّ أزمة أو ملف يُطرح على طاولة النقاش. لكن المستغرب هنا، أنّ الموضوع لا يجب أن يكون مدار بحث أو مساءلة أو حتى حوار، ولا يجب أن يُختلف عليه، إذ إنّ اللبنانيين برمّتهم عانوا مرارة العدوانالاسرائيليوقسوته. وأيّ وصف لأيّ شخص غادر دياره إلى أرض العدو وتعامل معه، خارج إطار العمالة يعتبر تسخيفاً للتهمة ومساساً بالأمن والانتماء الوطنيين.

طار العفووجميل أنه طار لأنه كان سيشمل العملاء. ولكن الأمر الذي ينطوي على قبح كبير، هو الظلامة التي لحقت بسجناء ومطلوبين يستحقون العفو، وهي ظلامة واضحة نتيجة إقحام ملف حساس يؤرق الوحدة الوطنية، خصوصاً وقد تزامن طرحه مع عيد المقاومة والتحرير.

والسؤال، لمَ تصوير العملاء على أنهم أبرياء من دم اللبنانيين والسعي إلى منحهم جائزة ترضية بعد كلّ هذا الزمن؟

لا شك أنّ ملفاً بهذه الحساسية العالية، فيه تهديد للوحدة الوطنية والسلم الأهلي والأمن العام. فمن خان وطنه وأهله لا يجب أن يعود بدون عقاب طالما أنه ارتضى على نفسه الخيانة وفرّ مع مشغليه.

عودة الفارّين مع الاحتلال يجب أن تسلك مسارها القضائي الطبيعي ونقطة على السطر. أما العفو العام فهو مطلب محق، على قاعدة استثناء العملاء والإرهابيين.

عيب على كلّ لبناني أن يتعاطف مع من انخرط طوعاً في صفوف العدو. هذا ما أجمعت عليه غالبية منصات التواصل الاجتماعي التي أكدت أنّ مصطلح مبعد قسري من أخطر المصطلحات التي تمّ استخدامها، لأنها تمنح البراءة لكلّ من تعامل مع “إسرائيل”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق