الوطن

السيسي ليس «محمد علي باشا»؟

} د. وفيق إبراهيم

تراجعت تهديدات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التي تواصل إطلاقها منذ أشهر باتجاه تركيا وإثيوبيا.

فبعد أن كان الرجل قاب قوسين او أدنى من إعلان الحرب على إثيوبيا عبر السودان او سواحل البحر الأحمر، ويحضّر تحالفاً من ألوية عسكرية مصرية مع قبائل ليبية لمهاجمة الأتراك المتوغلين في ليبيا بدعم من دولة فائز السراج، عاد الى التزام «صبره الاستراتيجي» مترقباً المزيد من المفاوضات مع تنفيذ أوامر أميركية جديدة ووساطات روسية.

هذا التوقف المصري المباغت يكشف عن أخطر كارثتين تضربان الدولة المصرية منذ قرون، بما يجوز اعتبارهما أخطر من هزيمة 1967 التي سيطرت فيها «إسرائيل» على صحراء سيناء.

فكيف لا تحوزان على هذه الأهميّة الكارثيّة وإحداهما تتعلق بخسارة مصر كمية كبيرة من المياه المتدفقة إليها تاريخياً من نهر النيل المصدر الوحيد لمياهها بمعدل تسعين في المئة، أما العشرة في المئة الباقية فمرهونة بمعدلات الأمطار التي تخضع لعوامل الطبيعة والابتهالات.

هنا يعتقد الاختصاصيون أن سد النهضة الإثيوبي ذاهب لالتهام ثلاثين بالمئة تقريباً من الحصة المصرية.

بما يؤدي إلى تدمير أكثر من خمس وعشرين في المئة من البنية الزراعية المصرية.

لجهة ليبيا، فإن سيطرة تركيا عليها عسكرياً او سياسياً واقتصادياً لا تعني إلا عودة خطر الإسلام السياسي الى مصر من بوابة التحالف بين حزب العدالة والتنمية التركي المنتمي الى الاخوان المسلمين، والذي يترأسه الرئيس التركي رجب اردوغان وبين الاخوان المسلمين المصريين الذين يشكلون أقوى قوة حزبية في مصر وثاني قوة فيها بعد الجيش.

لماذا جمّد السيسي إذاً حروبه الضرورية والاستراتيجية وهو أمام خطرين يزعزعان الدولة والمجتمع في آن معاً.

لجهة إثيوبيا، فليس لديها حدود مع مصر ويفصل بينهما السودان، بما يعني ان حربه عليها يجب أن يلتحق بها السودان المتضرر بدوره من سد النهضة الإثيوبي الذي خفض الحصة السودانية من مياه النيل الأزرق.

يبدو هنا ان الأميركيين الذين غطوا بناء السد مع الاسرائيليين بمشاركة عملياتية صينية وخطابات مصرية رافضة منذ 2013 وصراخ من السيسي منذ 2016، هؤلاء الاميركيين قدموا للسيسي وعداً بخفض الضرر وذلك بحصر الكميات المحجوزة. وهذا نوع من الطرق الاميركية للإمساك بالسياسة المصرية حسب حاجات الاميركيين والاسرائيليين والا فإن كميات المياه المحجوزة في سد النهضة لن ترحم الأمن الزراعي المصري.

وهكذا يصمت السيسي بوعود شفهية مقابل بنية تحتية مائية على النيل بوسعها في كل لحظة تدمير مصر التاريخية التي قال عنها هيرودت اليوناني ابو التاريخ إنها «هبة النيل» وذلك ما قبل ألفي عام قبل الاسلام.

بالنسبة الى ليبيا، اعتقد السيسي واهماً أن الدخول العسكري اليها يمنحه دوراً تاريخياً ورفداً اقتصادياً كبيراً طارداً في الوقت نفسه الخطر التركيالعثماني الاخواني ومعتقداً انه قد يتغطى بتأييد أميركي أو روسي وربما أوروبي، بالإضافة الى الدعم الطبيعي الحائز عليه من السعودية والإمارات اللتين تتنافسان مع تركيا على زعامة العالم الاسلامي والصراع بين الوهابية الخليجية والاخوان المسلمين المنتشرين في معظم البلدان الاسلامية.

هنا ايضاً وجد السيسي أن حرب الامم على ليبيا اكبر من حجمه السياسي وإمكانات نظامه، فالموضوع الليبي لن يقتصر على تقطيب حاجبين او نكتة لا يضحك لها إلا المحيطون به. وبات متأكداً ان اقتحام ليبيا رهن بتوافقات مع الأميركيين والروس والأوروبيين بما لا يسمح له الاكتفاء بتأييد المشير حفتر قائد دولة بنغازي وبعض القبائل الليبية المجاورة للحدود المصرية.

يتبين بالاستنتاج أن سياسة السيسي تستند الى وعد أميركي بلجم الإثيوبيين وتعهد اميركي روسي اوروبي بعدم السماح لتركيا باقتحام خط النفط والغاز الليبيين في سرت والجفرة.

فهل هذا ما كان عليه محمد علي باشا؟

الحقيقة أن محمد علي الالباني الأصل درس حاجات مصر مكتشفاً بأن النيل هو حياتها فاستدلّ اولاً على السودان محاولاً التقدم نحو منبع النيل عند بحيرة فكتوريا لكن الانجليز كدأبهم كانوا له بالمرصاد وردّوه نحو السودان، لأنهم استوعبوا أهدافه بتأمين مصر على المستوى الجيوسياسي والسيطرة على منبع النيل.

أليس هذا هو حال العراق وسورية اللذين يعتمدان كلياً على نهرين هما الفرات ودجلة ينبعان من تركيا؟

لذلك فإن جزءاً كبيراً من قوة تركيا في هذين البلدين يعتمد على مياه هذين النهرين العابرين للحدود. وهذا هو المرتقب عند بداية الحروب على المياه في الشرق الأوسط.

كما ان محمد علي باشا وضع مشروعاً للاستيلاء على كامل السلطنة العثمانية المتداعية منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، فاستغلّ هذا التراجع معلناً نفسه سلطاناً على مصر المستقلة ومسيطراً على كامل بلاد الشام. ومتجهاً الى قونية في قلب تركيا، هناك اكتشف محمد علي ان فرنسا التي كانت تدعمه، تخلّت عنه والتحقت بالمحور العثماني الروسي البريطاني. هؤلاء هزموا محمد علي في قونية 1832، فتراجع محتفظاً بمصر مملكة له ولأولاده.

يتبين الفارق الكبير بين السيسي الذي يحاول بأسلوب التنكيت والرقص الشرقي تقليد محمد علي، لكنه لم يتمكّن حتى من الوصول الى دهاء السادات وثعلبته.

مصر إلى أين؟

تتجه الى خسارة النيل وهذا يؤدي عملياً الى تفكيك الدولة المصرية ولن تدخل ليبيا إلا بموافقة إسرائيلية أميركية روسية، أوروبية ما يعني ان خط سرت الجفرة الليبي باق حتى انتهاء الانتخابات الأميركية واستقرار الرئيس الأميركي الجديد أو المجدد له بعد بضعة اشهر.

بذلك يخسر السيسي قسماً كبيراً من 55.8 مليار مكعب ترد بلاده من مياه النيل فاقداً دوراً إقليمياً لمصر والجزائر أكبر في الحفاظ عليه من بين أنياب أمم أوروبية أميركية وتركية تحاول اقتسامه لمصلحة شعوبها من طريق إفقار الليبيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى