أولى

التطبيع «الإسرائيليّ» الإماراتيّ: من المساكنة إلى الزواج!

 د. عدنان منصور*

 

 هل كان علينا نحن العرب، ومعنا العالم أن ننتظر الإعلان الرسمي من قبل العراب الأميركي دونالد ترامب، ليبث إلينا «الخبر التاريخي العظيم» عن قرار العدو الصهيوني وحليفه في أبو ظبي، لتطبيع العلاقات بينهما، وليقوم من يقوم في عالمنا العربي، بردود فعل غاضبة لا تُسمن القضية ولا تغني الشعب الفلسطيني من جوع؟! ألم نتعوّد على هذه الردود العقيمة منذ النكبة الكبرى عام 1948، والنكبة الثانية المتمثلة باتفاقية كامب ديفيد، وفيما بعد باتفاق أوسلو ووادي عربة، الذي جمع العدو الإسرائيلي مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينيّة !

 منذ ذلك الوقت تطلّ علينا من حين الى آخر، وفي المناسبات القوميّة، تصريحات وتنديدات، وتظاهرات وتخوين وحرق أعلام، وخطب، وندوات، وقصائد وأشعار، ومقالات وتحليلات، وبعد ذلك يعود كلّ شيء إلى مكانه، بعد أن تكون أمواج الردود العاتية قد اصطدمت بأنظمة ومواقف حكام، وقراراتهم، وتحوّلت زبداً.

العلاقات الإسرائيلية الإماراتية ليست وليدة الساعة، وإنما تعود الى سنوات، حيث كان الجميع من شقيق وصديق وعدو يعلم بها وبتفاصيلها، ويعلمون كيف نسجت خيوطها. لقد كانت الاتصالات واللقاءات تتقاطع، وتتمّ علناً على قدم وساق. ألم يوجّه عام 2009، كلّ من سفير الإمارات العربيّة المتحدة، وسفير «إسرائيل» في واشنطن، نداء مشتركاً الى الولايات المتحدة من أجل تبني موقف حازم ضدّ إيران؟! ألم يحضر وزير إسرائيلي عام 2010، مؤتمراً للطاقة المتجددة في أبو ظبي؟! ألم يلتق رئيس وزراء الكيان نتنياهو بوزير الخارجية الإماراتي في نيويورك عام 2012؟! ألم تفتح «إسرائيل» بعثة رسمية في أبو ظبي تتعلق بالوكالة الدولية للطاقة المتجددة عام 2015؟! ألم يعلن نتنياهو في كلمة له خلال مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية في 16 شباط 2020 في القدس، من انّ «إسرائيل» تقيم علاقات «سرية» مع دول عربية وإسلامية، ثم يؤكد على تطوّر العلاقات مع دول عربية وإسلامية، تتعزز باستمرار، باستثناء دولة واحدة او دولتين او ثلاث منها فقط لا تقيم معنا علاقات. وأكد على أن ما يقوله ليس إلا 10 في المئة فقط مما يحدث من علاقات سرية تجمع «إسرائيل» بدول عربية في المنطقة!

لقد حصلت في السنوات الأخيرة لقاءات إسرائيلية ـ إماراتية على أكثر من صعيد، منها في قبرص حيث ركزت على التعاون ضدّ إيران، وأيضاً زيارة وزير الطاقة الإسرائيلي للإمارات، وتفقده موقع الوكالة الدولية للطاقة المتجددة عام 2016. وفي عام 2017، اجتمع نتنياهو مع سفيري الإمارات والبحرين في واشنطن، ناقشوا أثناءه موضوع إيران. وفي العام نفسه شارك سفير الإمارات العتيبة، وسفير «إسرائيل» ديرمر، في العشاء السنوي للمعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي. وفي العام الماضي، وجهت الإمارات دعوة رسمية لـ «إسرائيل» للمشاركة في معرض دبي للابتكار Expo 2020  وفي شهر حزيران من هذا العام هبطت أول طائرة إماراتية في مطار بن غوريون الدولي.

لم يقتصر الأمر على اللقاءات والزيارات، وإنما تشعّب ليشمل مشاركة الإمارات عام 2016، في التدريبات العسكرية الجوية مع «إسرائيل» وباكستان وأسبانيا، التي جرت في الولايات المتحدة. كما شاركت الإمارات عام 2017، بمناورات مشتركة مع اليونان وإيطاليا و»إسرائيل» والولايات المتحدة جرت في اليونان.

وفي شهر تموز من هذا العام تعاقدت شركتان «إسرائيليتان»، منها رفاييل مع شركة «مجموعة 42» الإماراتية لمكافحة جائحة كورونا.

المساكنة بين الإمارات والكيان الإسرائيلي التي كانت مكتومة لحدّ ما، كشفها على الملأ العراب الأميركي، ليعطيه الصفة الشرعية العلنية، وليضع الجميع أمام حقيقة الأمر، وليؤكد بشكل واضح ما كان يردّده نتنياهو من وقت الى آخر، من انّ هناك علاقات قوية تربط «إسرائيل» بدول عربية من دون أن يتردّد عن تسميتها .

 طابور التطبيع مع العدو الصهيوني، أسقط أوراق التوت نهائياً. بالأمس كانت مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، واليوم الإمارات، وغداً البحرين، وبعد غد عُمان، ويليها السودان، وبعده كلّ الذين أغرقوا فلسطين وقضيتها، بعشقهم المزيّف لها، وحرصهم المخادع عليها، وعلى شعبها، والدفاع الوهم عن أمتهم. هؤلاء ما كانوا يوماً إلا أداة طيّعة بيد سيدهم العراب الأكبر. لقد كشف بعض زعماء العرب أخيراً عن وجوههم، ونزعوا أقنعتهم المثقوبة أمام العدو علناً، من دون خجل، ضاربين عرض الحائط كرامة شعوب الأمة، وحقوقها، ومقدساتها، وتاريخها، ناكثين بالمواثيق، والقرارات، والمبادرات العربية والقوانين الدولية، وأكثر من ذلك طاعنين بقضية الشعب الفلسطيني وحقوقه في قدسه، وأرضه، ودولته، وحقه في العودة الى دياره

إعلان ترامب ومن أجل تخفيف وطأة الاتفاق على الفلسطينيين، جاء ليبشّرهم بجائزة الترضية التي ستعطيها «إسرائيل» للفلسطينيين وهي، تأجيل العدو في ضمّ أراض في الضفة وغور الأردن إليه! حتى إذا ما امتصت «إسرائيل» اثر ووقع التطبيع في ما بعد، انقضت مجدداً لقضم ما تبقى من الأرض وما عليها.

 إنّ الفلسطينيين اليوم، أمام الاختبار الكبير، وهم أصحاب القضية الحقيقيون، فماذا هم فاعلون! عليهم الآن قبل غيرهم، إعادة حساباتهم من جديد، وان يدركوا جيداً، من يجب الاعتماد والرهان عليه، ويعرفوا مَن يقف بجانبهم ومن يخذلهم ويبيعهم ويتاجر بقضيتهم في سوق العمالة والخيانة الدولية!

 على القيادات الفلسطينية كلها، ان تقوم بفرز الشقيق عن العدو، والصديق الداعم عن المتواطئ الغادر، الحليف الفعلي عن الحليف المزيف المتآمر

على طريق تحرير فلسطين، لا مجال امام الفلسطينيين للمهادنة أو أخذهم الى الفخاخ المدمّرة، ولا الى المراوغة، او الحلول المخزية، والمواقف المخدرة، والوعود الكاذبة.

لا بدّ من إعادة النظر وتقييم مواقف وسياسات زعماء ودول تآمرت وغرزت نصالها وخناجرها في جسد الشعب الفلسطيني وقضية الأمة المركزية، وخذلت في الصميم نضال الشعب الفلسطيني والعربي على مدار عقود، ومنذ النكبة التي حلّت به عام 1948 وحتى اليوم.

 طابور المهرولين من أعراب الأمة باتجاه العدو، وتقديم أوراق اعتماد تطبيعهم معه، وخنوعهم لسيدهم العراب الأميركي، لم يتركوا عاراً إلا وارتكبوه بحق أمتهم، وحق شعوبها وقضاياها القوميّة المصيريّةمَن يظنّ انّ تطبيع العرب مع العدو سيجلب لهم الاستقرار والأمان والقوة والسلام واهم. انّ الذئب الإسرائيلي يستدرج نعاج العرب الواحد تلو الآخر إلى حظيرته، مصوّراً حبه لهم، وغيرته وحرصه عليهم، من دون أن يعلم المغفلون انّ هذا الذئب الذي أنقضّ على أرض عربية وافترس شعبها، سينقضّ عليهم يوماً، طال أم قصر «حبه وغرامه» لهم.

انّ التطبيع مع «إسرائيل» صفحة سوداء في تاريخ الأمة، حيث نشهد طعنة الشقيق للشقيق، فعلى يده تنحر القضية وتغتال أمة بأكملها.

إنها مسؤولية الشعب الفلسطيني، ليقف وقفته بكلّ قوة وحزم، للاعتماد على نفسه أولاً في الداخل، من أجل تطهير مقاومته من كلّ عميل وخائن ومتخاذل ومتآمر، وفي الخارج مدعو للتعاطي بحزم حيال كلّ من يريد أن يبيع القضية الفلسطينية، ويقضي على آمال الشعب الفلسطيني.

فلا مجال أمام المقاومة الفلسطينية للمساومة، أو المهادنة او الركون للوعود الزائفة، التي لم تجلب إليهم منذ أوسلو وحتى اليوم، الا السراب والمزيد من التراجع والنكسات والويلات، لا سيما في ظلّ الانقسام الفلسطيني الذي تريده «اسرائيل»، ومعها واشنطن وحلفاؤها في المنطقة ان يستمر. لأنّ الانقسام سيشجّع العدو ومن يقف بجانبه، على التمادي في سياساته كي يستكمل إجراءات القضم والضمّ، تحت مظلة زعماء وعملاء في الأمة، يلقى منهم الدعم الكامل لدفن القضية الفلسطينية على أيديهم نهائياً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق