ثقافة وفنون

المفارقة في (الأقصوصة) القصة القصيرة جداً

} صبحي فحماويالأردن

القصة القصيرة جداً، التي ترجم مصطلحها حديثاً عن اللغات الغربية (فري شورت ستوري) متجاهلة الأقصوصة في تراثنا الأدبي القديم، هي ليست بنت هذا العصر وليست منتمية إلى الأدب الغربي وحده لا شريك له، إذ إننا صرنا مسكونين بالانتماء إلى الغرب الذي شككَنا بكل شيء في كياننا العربي، حتى أن الجميع بات يدرك أن الغرب هو مصدر القصة القصيرة جداً،  بينما هي موجودة عندنا في الموروث الأدبي التقليدي والشعبي العربي، كما هي موجودة عندهم في التراث العالمي، وقد أتت عندنا في صورة الحكاية المروية، بقصد العبرة أو الطرفة الدارجة، للتندّر أو الفكاهة، مثل تلك التي في كثير من كتب التراث العربي.

وهي جنس فني يختلف عن «القصة القصيرة»، في كونه لا يهتم بتصوير المكان والزمان والملابس والديكورات والعلاقات العامة للشخصية، ولا لباقي المؤثرات السمعية والبصرية التي تعتبر من معالم القصة القصيرة، أو الرواية، ولكن الأقصوصة تركّز على «الحدث، والموقف منه». أو «الفعل ورد الفعل». وهي تحتفظ لنفسها من مواصفات الرواية والقصة بأنها تقدم تنويراً على قضية ما، أو تحمل فكرة ما، أو تطلق سخرية من موقف ما، وهي تتسم بلُغة بليغة، ومتينة مركزة، ذات شكل ومضمون متوازنين.

 وإذا كانت الرواية وليمة كبيرة، والقصة شطيرة طازجة، فإن الأقصوصة لقمة سائغة. وإذا كانت الرواية حديقة غناء، والقصة سلة زهور، فإن الأقصوصة وردة تتفتح.. وإذا كانت الرواية معركة مترامية الأطراف، والقصة موقعة مسلّحة، فإن الأقصوصة هي طلقة واحدة..

وهذا الفرق في التعبير الفني لا ينتقص من أي من هذه الإبداعات، أو أجناس الفنون الثلاثة، إن لم تكن أجناساً أدبية من عائلة واحداً.

وعلى القاص أن يهتم بالمعنى بالدرجة الأولى ويحسن تقديمه بأسلوب فني قليل الألفاظ، كثير المعاني، مما يحفز القارئ على الغوص في النص، وقراءة ما بين سطوره، وما وراء كلماته، بما يتضمن الخاتمة القويّة، التي تكون مفارقتها مفاجئة، ومتّسقة مع سياق القصة على نحو صادم، مما يجعل القارئ يُدهَش بالقراءة، ويتعظ بها، أو يتعلم منها مواجهة مثل هذه المواقف الصادمة.. وهي أمور نجدها في بعض طرائف الموروث الشعبي الشفهي والمكتوب.

وبعض النقاد يرون أن الأقصوصة هي نص سرديّ بالغ التكثيف إلى حد يجعله شفرة معقدة بالرمز الذي قد لا يفهمه سوى الخاصة، معللين ذلك بأن الرمزية هي أسلوب نخبويّ، يُثري الأقصوصة دلالياً، ويَحمل القارئ على الذهاب بعيداً في تأويلاته للنص، ورغم أن في هذا شيء من المدلول، إلا أنني أرى أن الرمزية في الأقصوصة، ليست الغاية منها إيقاع القارئ في حيرة غير مبررة، واختبار ذكائه وقدراته التحليليّة، وإنما توظيف الألفاظ كمفاتيح يكون على القارئ أن يفتح بها أبواب المعاني التي تقوده لما هو أوسع وأبعد من المعنى الحرفي أو الدارج للكلمات والعبارات، ومن جهة أخرى فهي تستثير خيالات القارئ، وتحفزه لاختراق عالم أوسع، أو فتح عوالم كانت مغلقة في ذهنه، في وقت قد لا يكون بوسع القاص أن يجهر بالأمر المبين.. فيستعين بالرمز، ليوصل رسالته كاملة.. أي أن الرمزية تُستخدم لتساعد القارئ على فهم رسالة تخترق الممنوع، إذ إن ما كل ما يُعرَف يُقال، أو أن «مقتل الرجل بين فكيه»، وكقول البعض: «لا تجعل لأفكارك لساناً». وليست كتابة الرمز مقصودة لتحدّي القارئ في فك الألغاز.

المفارقة في الأقصوصة

تعتبر «المفارقة» أو «عكس التوقع» من أهم مميزات الأقصوصة.. وكذلك «السخرية»، التي تتضح في رد الفعل.

ويقول جاسم خلف الياس: «تُعدّ المفارقة لعبة عقلية ذكية، إذ على الرغم من أنها استراتيجية في الإحباط واللامبالاة وخيبة الأمل؛ إلا إنها في الوقت نفسه تنطوي على جانب إيجابي، فهي سلاح هجوميّ فعّال، وهذا السلاح هو الضحك الذي يتولد عن التوتر الحاد وليس عن الكوميديا

 وإذا كانت المفارقة تعني في أبسط صورها القصصية جريان حدث بصورة عفويّة على حساب حدث آخر هو المقصود في النهاية، أو هي تصرّف الشخصية تصرف الجاهل بحقيقة ما يدور حوله من أمور متناقضة لوضعها الحقيقي، فهي تقانة قصصية يهدف القاص من وجودها النصي الخروج على السرد المباشر وهو خروج يبعث على الإثارة والتشويق.

ويقول محمد يوب:

 المفارقة هي فن قول شيء من دون قوله حقيقة؛ أي أننا في المفارقة نتوصل إلى فهم المعنى المقصود، ليس من خلال ما يدل عليه لفظاً؛ بل بما يكمن في اللفظ الذي قيل من معنى لم يدل عليه القول.

إنها تؤدي المعنى الدقيق وتُحدث أبلغ الأثر بأقل الوسائل تدبيراً، وذلك بخلق بنيات أو مسارات يحكمها التناقض والاختلاف؛ حيث يحيل الضدّ على ضده فيضيئه دلالياً، كما هي مفارقة الموت والحياة، والمر والحلاوة، والسواد والبياض.. أي أنها تتمثّل في أوجه التّناقض والتّضاد في علاقات وأطراف يجب أن تكون متوافقة، وكذلك فيما يظهر لنا عكس حقيقته، حيث نرى العبث في الجدّ، والزيف في الحقيقة، ولهذا تتّصل المفارقة في كثير من صورها بالتّهكم والسخرية والدهشة واﻷلم واﻹحساس بالفجيعة والمأساة، وحيث المفارقة تسير عكس أفق انتظار المتلقي، فتصدمه بقفلتها المدهشة؛ والقاص هنا ينتقي كلماته وعباراته في اتجاه تقابلي.

وترى الدكتورة نبيلة إبراهيم أن المفارقة تبرز في مستويين للمعنى، ضمن شريحة واحدة في التعبير؛ في مستوى سطحي يعبر عنه باللفظ، ومستوى عميق لم يعبر عنه، تجده يُلح على القارئ كي يستخرجه.. من خلال التعارض أو التناقض على المستوى الشكلي للنص..

 ويرى صلاح الدين سر الختم أن مصطلح المفارقة، هو أن تفهم لفظاً على عكس معناه، أو تكوِّن فكرة عن شيء على عكس حقيقته. ويعتبر المفارقة من أهم مقوّمات النص الإبداعي، خاصة في الأقصوصة. سواء كانت مفارقة في اللغة بين الدال والمدلول والدلالة؛ أقصد مرونة الدلالة بين اللفظ والمعنى. أو مفارقة في الموقف بين التصور أو المعرفة والفهم لعكس الحقيقة. أو مفارقة في الحركة بين الحركة الطبيعية للإنسان والحركة غير الطبيعية، سواء كانت آلية أو حيوانية أو معوقة (وهذه عادة توظف في الكوميديا).  صحيح أن كثيرين استسهلوا هذا الفن الأدبي، قراءة، وكتابة، إذ إن بعض الشباب والصبايا الذين لم يقرأوا فنون الأدب، ولم يعرفوا جذوره، ولا مواصفاته، ولا حتى قواعد اللغة، صاروا يستسهلون كتابة «الأقصوصة» ولكن الزمن كفيل بتنخيل الكتابات البسيطة، خاصة على وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة وبالمقابل، تعزيز فن الأقصوصة الأصيل.

 وفي كل الأحوال، لا شك في أن هناك جنساً أدبياً جميلاً يسمّى؛ «القصة القصيرة جداً» أو «الأقصوصة» أو «القصة»، أو ما سمّاه الملتقى الأدب الوجيز بالقصة الوجيزة، قد بدأ يترسخ وينتشر.

 

*صديق ملتقى الأدب الوجيز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى