أولى

رسالة السنوار والمرحلة الثالثة من الحرب

‭}‬ سعادة مصطفى أرشيد*
حددت رسالة قائد المقاومة في غزة الشيخ يحيى السنوار التي أعلن عنها يوم الأحد الماضي ملامح المرحلة الثالثة من حرب تشرين الثانية، رسالة ذات أهمية في الشكل والمضمون. من حيث الشكل كانت الرسالة الأولى المعلنة والتي أوصلها للإعلام بهدف نشرها وتعميمها، وهذا يعني أن المرسل إليه ليس قيادة حركة حماس في الخارج فقط، وإنما الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة ولمحوري الأصدقاء والأعداء على حد سواء، ثم للوسطاء ما بين المقاومة وحكومة الاحتلال الذين قطعت الرسالة خط التفاوض ودعت ممثلي المقاومة لمغادرة القاهرة للمرة الأولى دون اتفاق أو الوعد بدراسة المقترحات. أما من حيث المضمون فقد كشفت عن أرقام خسائر «الإسرائيلي» بالعساكر والآليّات، وأكدت أن المعركة مستمرّة وماضية حتى نهاياتها، وأن المقاومة لا زالت تملك مخزوناً من العزيمة والإصرار والأدوات الأخرى القتالية بما يكفيها، وأن شروطها هي التي يجب على الاحتلال أن يقبلها ومنها أن لا تبادل أسرى إلا بعد انتهاء القتال وبمعادلة الكل مقابل الكل. وفي إشارة أخرى يقول إن قيادة المقاومة في غزة هي مَن يتواجد على الأرض ومَن يعرف تفاصيل ودقائق المعركة وهي الأقدر على اتخاذ أي قرار بشأنها وهي الأقدر أيضاً على ضبط إيقاعها.
تنسجم رسالة الشيخ يحيى السنوار مع المزاج العام لأهل غزة الذين يؤيدون المقاومة تأييداً عالياً وغير مسبوق لا بل ويطالبونها بالاستمرار بالقتال وبضرب العمق «الإسرائيلي». هكذا نراهم ويراهم غيرنا على شاشات الفضائيات، رجالاً ونساء وأطفالاً وعجائز وكأنّهم على يسار المقاومة وقيادتها، لا بل إنهم يفوقونها رغبة في الاستمرار بخوض هذه الحرب. ومن البديهي القول إن روح القتال موجودة أصلاً والالتفاف حول المقاومة قائم، ولكن أسباباً أخرى دفعتهم الى ذلك الموقف الأكثر قوة وجذريّة، السبب الأول هو الحصار المضروب على غزة منذ أكثر من عقد ونصف والذي أزهق من الأرواح ربما مثل ما ازهقت آلة الحرب «الإسرائيلية» إن لم يكن المزيد فعشرات الآلاف من مرضى سرطان والكلى والامراض السارية الذين لم يجدوا العلاج ولم يستطيعوا السفر للخارج قضوا نحبهم شهداء لكن بسبب ذلك الحصار. والسبب الثاني هو في اغلاق المعابر أثناء الحرب وبذرائع واهية لا يقبلها حتى العقل البسيط. وهذا يعني أن الحرب التي أزهق فيها «الاسرائيلي» حتى الآن ما يتجاوز الـ 21000 شهيد وقرابة الستين ألف جريح لكن الحصار الذي حكم بالإعدام على كثير من الجرحى بسبب إغلاق المعابر الذي حال دون سفرهم للخارج لمواصلة العلاج، او بسبب عدم ادخال المواد الطبية والسولار الضروري لعمل المستشفيات، ووصل الأمر بالأطباء لإجراء العمليات الجراحية مستعينين بأضواء الهواتف النقالة، كما يحكم بالإعدام على مليونين وثلاثمئة ألف مواطن غزاويّ.
سدّدت حرب تشرين الثانية ضربة لسيطرة الجغرافيا على غزة فما دامت المعابر المصرية مغلقة فإن نفوذ صاحبها آخذ بالضعف، أما السبب الثالث فهو في خطط الحكومة «الإسرائيلية» الحربية ونصائح المستشارين الأميركيين، وإن ادّعى الأميركي أنه مع تخفيف توجيه النار باتجاه المدنيين وكأنه يقول بدلاً من ارتكاب مجزرة يذهب جراءها 100,000 شهيد فليكونوا تسعة وتسعين ألفاً، اعتمدت هذه الحرب أسلوب الأرض المحروقة والمستوحى من تجارب المعلم الأول الأميركي في الفلّوجة وكوسوفو وأفغانستان، مع فارق مهمّ عن غزة وهو ضيق مساحة الأرض وكثافة السكان. هذه الطريقة العنيفة والدموية التي هدمت البيوت وقطعت الكهرباء والماء ودمّرت شبكات الصرف الصحي ومنعت الغذاء والدواء والإسعاف وهدمت المستشفيات والمدارس ودور العبادة من كنائس ومساجد، لم يعد من مشهد في غزة إلا للأطلال والأكفان والأشلاء والثكالى واليتامى. وإن كان ثمة من كان يقول عند عقد الهدنة السابقة إنّ هناك فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فقد أسقطت هذه الفرضية بواسطة دموية وعنف الاحتلال، خاصة في الأسبوع الأخير، إذ لم يتبقَّ شيء في غزة يمكن إنقاذه. وبعبارة أخرى فقد قضمت «إسرائيل» كامل صندوق الجزر الذي قد يمثل إغراء، ولم تبقِ من عرض تقدّمه لغزة مقاومة ومواطنين إلا مزيداً من القتل والهدم، إلا البندقية والنار والهراوة.
تبدّت ملامح المرحلة الثالثة من الحرب. فالحكومة «الإسرائيلية» لا تستطيع الانسحاب وإعلان الهزيمة طوعاً ولا تستطيع إلا أن تستمر بالهروب الى الأمام، بالمقابل قطعت رسالة الشيخ السنوار قول كل خطيب ورأي كل مفاوض، نحن أقوياء، مستمرون بالقتال، ثقتنا عالية، ولا يملك «الإسرائيلي» الا القبول بشروطنا.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى