أولى

عبثاً تحاولون…

‭}‬ زياد زكريا

تعقيباً على مقال الدكتور عصام نعمان في عدد “البناء” الصادر بتاريخ 25 فبراير/ شباط 2024، أرجو أن يتسع صدر الدكتور لما يخالف الفكرة التي طرحها من الأساس، مع فهمنا لخلفيته التي تنطلق من أسس قانونية وتفترض تطبيق القوانين على الجميع الملزمين باحترام القانون وتطبيق بنوده ولكن، ومع الأسف، أنّ الواقع يختلف تماماً وأنّ ما يسود العالم حالياً هو شريعة الغاب وليست شرعة القانون.
وبالتالي فالوضع القائم لا يؤدي إلى النجاح بإحباط أميركا وإيقافها عند حدّها في التعدي على شعوب العالم وعلى المستضعفين بشكل عام نظراً لأسباب عديدة، منها:
1 ـ أن الهيئات الدولية قد صُنعت لحماية مصالح الدول العظمى، وبالذات تلك المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وتنظيم تلك المصالح بما يسمح لها باستغلال المستضعفين تحت مظلة القانون، حيث إنّ معظم تصرفاتها تندرج ضمن ما يسمح به ميثاق الأمم المتحدة ومفهوم تلك الدول لما يرونه صحيحاً من القانون، أيّ أنهم في نظرهم يعملون ضمن القانون ولا يهمّهم حجم الضرر على الآخرين لأنهم يطبّقون القوانين ويعملون ضمن الأحكام والصلاحيات التي منحهم إياها القانون ممثلاً في مجلس الأمن والفيتو في حالة الولايات المتحدة وأنهم يطبقونها حرفياً ولا يسيئون استخدامها، وأتمنى لو كان في قانون تلك المنظمات ما يشابه بنود القانون المدني بشأن “إساءة استخدام الحق”.
2 ـ تقع ضمن مصالح الدول العظمى حماية أنظمة مارقة ودول خارجة عن القانون على شاكلة الكيان الصهيوني وأذكر أنّ الاستعمار في أفريقيا تحديداً كان موجوداً في ظلّ الأمم المتحدة ومنظماتها ولم يحرّكوا ساكناً إلى أن استطاعت حركات التحرّر بناء عزمها الذاتي والانطلاق في مقاومة المستعمر حتى مع الانتكاسات التي لا زالت تحصل، وإلا فكيف تفسّر طرح موضوع الاغتصاب أمام مجلس الأمن الذي أصبح أصغر من محكمة أحداث في قرية صغيرة.
3 ـ أن صوت الشارع ليس له وزن لدى القائمين على الأمر في الدول المستكبرة إلا في مراحل الانتخابات وتجميع الأصوات في ديمقراطياتهم الهزيلة ثم ينتهي كل شيء ويقومون بعمل ما يريدون وارتكاب موبقات بحق المستضعفين تحت صفة أنهم ينفذون إرادة ناخبيهم وأنهم غير مضطرين لتطبيق ما يطلبه معارضوهم.
4 ـ إنّ إصلاح الأمم المتحدة وتعديل قوانينها وأنظمتها يتطلب موافقة الدول العظمى المشار إليها. وهذا بعيد المنال لأنهم لن يوافقوا على ما يقوّض أو حتى يخفف من صلاحياتهم إلا في حالة انهيار الأمم المتحدة وبناء نظام جديد بعد حصول حدث عظيم، كما حدث مع عصبة الأمم التي تأسسّت لاحقاً لاندلاع الحرب العالمية الأولى وإنهارت باندلاع الحرب العالمية الثانية.
5 ـ في ظلّ الوضع القائم يُعتبر الفيتو سلاحاً ذا حدين ولك أن تتصوّر ما كان يمكن أن يحصل في سورية بمساعدة الأقربين لو لم تشهر روسيا والصين سلاح الفيتو في حينه، ستكون ليبيا عبارة عن بروفة للدمار حينها. أيّ أننا نحتاج للفيتو حتى لو أنه لا يفيدنا كما يفيد أعداءنا.
6 ـ لن يقف تغيير أنظمة الأمم المتحدة عائقاً أمام التصرفات المارقة للدول المستكبرة حيث قامت الولايات المتحدة بتنظيم “حلف الراغبين” مستخدمة نفوذها لغزو العراق دون الحصول على تفويض من الأمم المتحدة وبقوات أميركية وبريطانية في الدرجة الأولى، رغماً عن إرادة الملايين من الشعوب التي عارضت الحرب، كما غزت أميركا كوريا تحت مظلة المجتمع الدولي وتسبّبت بمقتل عدة ملايين وحاصرت كوبا وغزت غرينادا المسالمة لا لشيء سوى لأنهم لم يرضخوا للهيمنة والاستكبار.
7 ـ إنّ نفوذ الدول العظمى لدى الدول الأصغر كبير جداً فحتى لو تغيّر نظام الأمم المتحدة فلن تتغيّر أطماع الدول الرأسمالية ولن يتغيّر تأثيرها على القرارات، وحتى لو تمّ تطبيق اقتراحكم بأن تكون قرارات مجلس الأمن بأكثرية عشرة أعضاء فمن يضمن أنّ الولايات المتحدة لن تضغط على الدول الأصغر وعلى الدول المدينة لصندوق النقد الدولي لتبني ما تريده الولايات المتحدة تماماً، وخاصة بعد خروج دول حلف وارسو من جبهة مقاومة الطغيان وانضمامها للدول الطاغية.
8 ـ تخضع جميع منظمات الأمم المتحدة دون استثناء لنفوذ الولايات المتحدة أيضاً والأمثلة على ذلك كثيرة في مجلس حقوق الإنسان واليونسكو ومنظمة الصحة العالمية وغيرها تجاه سورية وروسيا وما يجري بالنسبة لغزة حالياً هو أوضح الأمثلة على هزالة الأمم المتحدة ومنظماتها حتى لتبدو كأننا جالسون في سيرك يحتوي على حيوانات ومهرّجين فقط مع فشلهم في إيقاف الذبح المنهجي المستمر في غزة.
9 ـ حتى بافتراض انضمام دول أخرى إلى العضوية الدائمة لمجلس الأمن فهل تثق بالنظام الطائفي صديق “إسرائيل” في الهند مثلاً؟ وهل تضمن عدم انقلاب البرازيل على نهج الرئيس لولا دي سيلفا بعد ولايته كما حصل سابقاً؟ لم تبق دول عقائدية في العالم سوى إيران وكوبا وأتمنى أن تكونا عضوين دائمين في مجلس الأمن لكانتا قد وقفتا مع المستضعفين في أنحاء العالم وكبحتا جماح الاستكبار وهذا غير متوقّع حالياً.
10 ـ أؤيّد الفكرة التي طرحتها بشأن نقل المواجهة الشعبية ضد الولايات المتحدة و”إسرائيل” إلى قلب الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولكن أين الأسلوب والميكانيكية لتنفيذ ذلك؟ قد يكون من الأسهل بكثير تعطيل الأمم المتحدة كلياً من خلال فيتوات متواصلة من قبل روسيا والصين أو انسحاب جماعي لدول كثيرة في وقت واحد من محاولة إصلاح الأمم المتحدة. وهذا أيضاً غير متوقّع ضمن المعطيات الحالية.
لذلك، كلّ ما لديّ لأقوله أمام الهيئات الدولية هي بضع كلمات؛
ـ الخزي والعار للأمم المتحدة ومجلس أمنها ومنظماتها.
ـ الخزي والعار للاتحاد الأوروبي وبرلمانه ومنظماته.
ـ الخزي والعار لمجلس حقوق الإنسان.
ـ الخزي والعار لمنظمة الصحة العالمية.
ـ الخزي والعار لمنظمة اليونيسيف.
ـ الخزي والعار لمحكمة العدل الدولية وللقانون الدولي.
ـ الخزي والعار للمحكمة الجنائية الدولية.
وأقول أيضاً إن من يعوّل ويراهن على الحصول على حقّ ما من خلال المنظمات الأممية فقد باء بالخسران قبل أن يبدأ المعركة حتى مع قناعتي التامة بأنّ وجودنا في المجالس الدولية ضروريّ في هذه المرحلة إلى أن تتآزر الدول الحرة لتنفيذ عمل جماعيّ يعاكس الهيمنة والاستكبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى