أولى

سورية… لا بواكي لها

‭}‬ سعاده مصطفى أرشيد*
كانت بلادنا على موعدها المئوي مع الزلزال الذي ضربنا بلا سابق إنذار، ولم تعترف الطبيعة الجيولوجية بنتائج الإتفاقية الأنغلوفرنسية التي منحت الشمال السوري لتركيا عام 1916 ثم إتفاقية سان ريمو اللاحقة عام 1920، كما لم تعترف بسلخ لواء الإسكندرون عام 1939، فضربت الطبيعة ضربتها دون الاكتراث للحدود المصطنعة، فأصابت المناطق السورية التي تقع داخل الحدود الدولية التركية، والتي كانت أنقرة قد حشدت بها جماعات التكفير من النصرة وداعش وغيرها، كما ضربت مناطق داخل الحدود الدولية لسورية، والتي تخضع لاحتلال الجيش التركي وتقيم بها الحكومة التركية إدارات تابعة لها.
المواطن السوري نزيل بيته في حلب أم خيمته في إدلب، وكأنه لم تكفِه الحرب الكونية على بلاده منذ اثني عشر عاما، وما ترافق معها من قتل ودمار وتهجير واحتلال، فجاء الزلزال ليفاقم من مأساته وآلامه، مشاهد الدمار وأشلاء القتلى ينفطر لها القلب، فيما تزداد أعدادها طردياً مع كلّ نشرة أخبار وحسب جهود فرق الإنقاذ العاملة في ظروف جوية ماطرة وباردة.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن عن حالة الطوارئ لثلاثة شهور في أحد عشر ولاية، وهو نظريا مسؤول عن إغاثة ملايين السوريين الذين استضافهم في تركيا لأسباب تركية لا إنسانية، فاستخدمهم ضدّ بلادهم ودولتهم من جانب، ثم استخدمهم مرة ثانية لتهديد أوروبا بإطلاقهم للهجرة إليها، وعن ملايين آخرين في المناطق التي احتلها في الشمال السوري، وحسب ما تقول منظمات الإغاثة الدولية إنّ ثلاثة وعشرين مليون مواطن في سورية وتركيا قد أصبحوا في أمسّ الحاجة للإغاثة العاجلة.
انتفض العالم المنافق والذي يعرف أردوغان كيف يتعامل معه بفوقية واعتداد، وانطلقت الجسور الجوية والقوافل البرية لنقل الإغاثات الطبية والغذائية، ومعها فرق الدفاع المدني إلى المناطق التركية، وتنتشر صور الطائرات المزدحمة في السماء التركي فيما تعيش سماؤنا أجواء الحصار الظالم، فالسوري لا بواكي له، لا من جسور جوية حقيقية ولا قوافل إلا من روسيا وإيران وبعض الدول العربية ومن بعض أبناء أمته، أما العالم الغربي وعقوباته والذي طالما أرسل لسورية أدوات القتل والدمار، فإنه وكما أثبتته هذه الكارثة يستنكف عن إرسال المواد الإغاثية، فهو لا يعترف لا بالدولة السورية وحقوقها ولا حتى بإنسانية المواطن السوري.
على ما أحدثت هذه الكارثة من دمار وأذى في الأرواح والماديات ما لا يمكن علاجه بالإغاثة العاجلة فقط على ضرورتها الملحة، وإنما يستدعي التفكير بورشة إعمار وإعادة بناء طويلة ومكلفة، ولكن وبشكل ملحّ تحتاج سورية لكل أبناءها للعمل السريع على ثلاثة ملفات :
أولا: تطوير الحملة الشعبية ـ القومية التي انطلقت لتعمّ سائر المدن في الكيانات السورية حتى لو أدّت إلى تحطيم الحدود المصطنعة التي أثبتت الطبيعة تهافتها وبطلانها.
ثانيا: حملة شعبية على المستوى العالمي لرفع الحصار المجرم عن سورية وفضحه وكشف نفاق من يحاصرنا، ذلك بالتظاهر أمام سفارات بلادهم، وبتوقيع العرائض التي يشارك بها الأفراد من سياسيين ومثقفيين وأكاديميين، وإجراء الإتصالات مع جهات غربية مؤيدة لنا لعمل ذات الإجراء في المدن الأوروبية والأميركية.
ثالثاً: وهو الأهمّ الطلب الرسمي والشعبي على الحلفاء في طهران وموسكو، وذلك من أجل القيام بوساطة مزدوجة، الجزء الأول منها ما بين الدولة السورية والأتراك، بحيث يدرك أردوغان أمام ضرورات ما أحدثه الزلزال أنّ مصلحته كما من مصلحة الدولة السورية انسحابه من الشمال السوري (إدلب وجوارها)، وتفرّغه لإغاثة محفظاته الإحدى عشر وأنّ عودة الدولة السورية لفرض سيادتها على أرضها ليس فقط حقاً من حقوقها، وإنما هو مصلحة تركية أيضاً، ووساطة أخرى ما بين الدولة السورية والمعارضات غير المتورّطة في الإرهاب والتكفير وفتح مجال العودة لهم إلى حظيرة وطنهم.
سورية تحتاج اليوم إلى من يحبها وينتمى إليها.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى