أولى

مَن يوقف الكارثة قبل وقوعها؟

– منذ عشرين سنة كان بمستطاع أي مدقق حسابات أن يتوقع الانهيار المالي للبنان، ما لم يتم تغيير السياسة المالية القائمة على المقامرة بانتظار معجزة، حيث تتم عملية تثبيت سعر الصرف عبر إنفاق مدخرات المودعين بضخ دولاراتهم إلى السوق لتغطية الطلب الذي تفرضه المستوردات المتضخمة، بعدما حصلت عليها المصارف وأودعتها بفوائد مرتفعة مفتعلة، فليس ممكناً تفادي بلوغ لحظة لا يبقى فيها دولارات لفعل ذلك، ويبدأ تهاوي سعر الصرف ويتجه الناس لطلب ودائعهم فيجدون أنها تبخّرت.

– خلال عشرين عاماً أغمض اللبنانيون عيونهم عن معرفة داخلية عميقة لديهم بأن يوم الانهيار الكبير آت، لكنهم قادة وشعب تغافلوا عمداً، لأنهم تمتعوا بعائدات الحلم الجميل للإنفاق على سعر صرف منخفض لمداخيل مرتفعة يتقاضونها بالليرات اللبنانية، فأنفق السياسيون على إنتاج زعاماتهم عبر العبث بإنفاق موازنات الدولة الفوضوية، لتعيين عشوائي ومشاريع غير مدروسة، واستفاد الفاسدون بالعمولات الهائلة، وأنفق المواطنون سفراً وسياحة وسهراً واستجماماً وشراء سيارات، ولم ينتبهوا إلى أنهم لا يفعلون ذلك بواسطة دخولهم الشهرية بل بالودائع التي تشكل ودائعهم بعضاً منها.

– بالأمس حدث شيء مشابه تحت عنوان، لن يجرؤ على التحدث عنه أحد قبل أن تقع بسببه كارثة كبرى، فالغوغاء اللبنانية إرهاب فكري دائم بوجه كل حقيقة، وهي كانت هكذا بوجه كل من كان يقول إن الانهيار آتٍ لأن عبقرية رياض سلامة صانع الحلم اللبناني الجميل كانت هي الجواب على سؤال، كيف يتم تثبيت سعر الصرف والاستدانة بفوائد مرتفعة في بلد يتراجع إنتاجه وتزيد مستورداته؟ واليوم لن يتقبل أحد القول إن ما يجري في قضية انتخاب المغتربين يشبه قضية سعر الصرف.

– صنعت مقولة مزيّفة تتحدث عن الاغتراب كأغنية تشبه أغنية سعر الصرف. فالمنتشرون الذين نهبت ودائعهم، تم تحويلهم الى أيقونة سياسية كتعويض عن سرقة أموالهم، وخطأ تحويلهم الى ايقونة سياسية، لا يقل خطورة عن جريمة سرقة أموالهم.

– انتخاب المغتربين مخالف للدستور لأن حرية الترشيح والانتخاب والرقابة عليها، ليست تحت سيطرة الدولة اللبنانية كي تمنحها وتكفلها، ودول العالم ليست جمعيات خيرية كي تؤمنها بدلاً من الدولة اللبنانية، والدليل أن حزباً لبنانياً ينال أعلى الأصوات في لبنان مصنف على لوائح الإرهاب في أغلب الدول التي ينتخب فيها المغتربون، وممنوع على مرشحيه دخولها، ويخشى المقترعون فيها انتخابهم، ومثلما أخطأ حزب الله بقبول التهاون مع العقوبات المصرفيّة التي لحقت به تحت شعار أنه لا يريد تحميل لبنان تبعات سياساته، أخطأ مجدداً عندما قبل بتسهيل انتخابات المغتربين كما جرت ويبدو أنها ستجري، حيث يمكن رفع عدد حاملي الجنسية من المتحدرين من أصول لبنانية الى عدد يساوي عدد المقيمين بدلاً من 850 ألفاً حالياً، اذا قررت الدول الفاعلة عالميا ان لها مصلحة بذلك، وسنشهد ارتفاع عدد المسجلين للاقتراع وارتفاعاً في نسبة المقترعين دورة بعد دورة، حتى يصبح مستقبل لبنان يقرره التصويت الذي يتم تحت وصاية حكومات العالم التي لا حول لنا ولا قدرة على ضمان حيادها.

– ما جرى في هذه الانتخابات عيّنة صغيرة عما سيجري بعد عشرين سنة، كما كان تذبذب سعر الصرف ببضعة قروش عام 1999 عيّنة صغيرة عما جرى عام 2019، فقد أثبتت لعبة نقل قرار صناعة السياسة، من منصة البرلمان المنتخب من أيدي اللبنانيين المقيمين الى أيد لا زالت اليوم أيدي لبنانيّة تريد الخير للبنان، لكنها غداً ستصبح أيدي غير لبنانية، ومَن يتوقف أمام تفاصيل التسهيل والتعطيل والتوجيه والتدخل في وجهة التصويت الاغترابي، والتجربة التي تم إجراؤها عليه كبالون اختبار لما هو آت.

– من يجرؤ مثلا على الدعوة لحصر الترشيح والانتخاب بين المقيمين وغير المقيمين بالذين لا يحملون أية جنسية ثانية غير الجنسية اللبنانية؟

– لا زالت دعوة النائب جبران باسيل بأن يحصر حق المغتربين بالانتخاب باختيار عدد من النواب يمثلونهم أهون الشرور، قبل وقوع الكارثة، وهي مقبلة كما كانت كارثة الانهيار الماليّ مقبلة منذ عشرين سنة وأردنا أن نستفيق عليها متأخرين، ثم قلنا إنها وقعت فجأة.

– قيل في الماضي إن الفرق كبير بين مَن يعدل الحمل المائل وبين مَن يمنعه أصلا أن يميل!

التعليق السياسي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى