مقالات وآراء

رئيس الحزب… النائب في الأردن الأمين مصطفى أرشيد

ولأن في التاريخ بدايات المستقبل

تُخصّصُ هذه الصفحة صبيحة كل يوم سبت، لتحتضنَ محطات لامعات من تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي، صنعها قوميون اجتماعيون في مراحل صعبة من مسار الحزب، فأضافوا عبرها إلى تراث حزبهم وتاريخه التماعات نضالية هي خطوات راسخات على طريق النصر العظيم.

وحتى يبقى المستقبل في دائرة رؤيتنا، يجب أن لا يسقط من تاريخنا تفصيل واحد، ذلك أننا كأمّة، استمرار مادي روحي راح يتدفق منذ ما قبل التاريخ الجلي، وبالتالي فإن إبراز محطات الحزب النضالية، هو في الوقت عينه تأكيد وحدة الوجود القومي منذ انبثاقه وإلى أن تنطفئ الشمس.

كتابة تاريخنا مهمة بحجم الأمة.

 

إعداد: الأمين لبيب ناصيف

 

 

 

رئيس الحزب… النائب في الأردن الأمين مصطفى أرشيد

 

 

من الرفقاء الأوائل، مؤسّسي العمل القومي الاجتماعي في فلسطين، نتحدّث عن الرفيق مصطفى أرشيد، الأمين، رئيس الحزب، والنائب في البرلمان الأردني.

انتماؤه إلى الحزب

انتمى الأمين مصطفى في الفترة 1934-1935 عندما كان الحزب سرياً، وقد أورد الأمين جبران جريج في الجزء الأول من مجلد «من الجعبة» صفحة 384 ما يلي:

« .. أما من جهة الجامعة الأميركية فقد تخرّج كلّ من تيموتي معلوف من المتن، وسهيل الحلبي ومنير الحلبي من يافا، وانتقلوا بداعي العمل إلى الجنوب السوري. الأول إلى القدس حيث باشر عمله التبشيري والاثنان الآخران إلى يافا، بلدتهما، حيث باشرا أيضاً عملهما التبشيري، فكان أن دخل الحزب السري المحامي الناشئ مصطفى أرشيد من الكفير ـ جنين وعبد الرزاق عرفات القدوة من يافا».

مسؤولياته الحزبية

عيّن مفوضاً مركزياً للأردن في الفترة الممتدة بين 1952-1954 ثم رئيساً للشعبة السياسية الأردنية، ثم منح رتبة الأمانة عام 1954 وانتخب إلى المجلس الأعلى بالإجماع. انتخب رئيساً للحزب السوري القومي الاجتماعي في 15 آب 1956 وأعفي في شباط 1957 بسبب مرضه الشديد.

نبذة عن جهاده القومي

كان الأمين أرشيد عضواً بارزاً في مؤتمر الأحزاب والهيئات الوطنية الذي تمّ انعقاده في فلسطين، وكان له الأثر الفعّال في توجيه هذا المؤتمر توجيهاً قومياً صحيحاً. اشترك في وضع المذكرة القومية الاجتماعية التي أرسلت إلى الجامعة العربية عام 1943 وفيها إظهار سوريّة المسألة الفلسطينية، كما كان عضواً منتدباً عن الجانب الفلسطيني في لجنة التحقيق الملكية التي أوفدت إلى القدس وبيّن للجنة حق بلاده القومي في فلسطين، واشترك اشتراكاً فعلياً وتوجيهياً في جميع الحركات الثورية التي حدثت في فلسطين ضدّ اليهود مطلقاً الأسس القومية الصحيحة وملحاً على ضرورة العمل الثوري بما يتوافق والمصلحة القومية.

تمثيله الحزب في المجلس الأردني

مثل الأمين مصطفى أرشيد الحزب في المجلس الأردني مدة سنتين حيث انتخب نائباً عن منطقة جنين عام 1954.

كان الأمين أرشيد قويّ التعبير عن العقيدة واضح النهج، فقد كان يقف في المجلس الأردني ويعلن أنّ الأردن جزء من الوطن السوري الطبيعي، وأنّ الحلّ هو في الوحدة القومية، وحين كان يناقش مناهج الحكومة كان يشير إلى افتقارها إلى أسس الإصلاح القومي الاجتماعي.

مرضــه

في كانون الثاني 1957 أصيب الأمين أرشيد بالداء العضال، أيّ بعد أشهر قليلة من انتخابه رئيساً للحزب، فأعفي في شباط من الرئاسة، واستمرّ يصارع المرض مدة ثلاثة أشهر، أبلى بعدها إبلالة مؤقتة لم تدم أكثر من شهرين ونصف قضاها في العمل القومي الاجتماعي ثم عاوده المرض العضال وكانت له الغلبة هذه المرّة على الجسد المرهق المتعب، فوافته المنية بعد آلام استمرت ستة أشهر طويلة.

جريدة الزوابع(1) التي نشرت صورة الأمين أرشيد في الصفحة الأولى من عددها الصادر يوم السبت 24 آب 1957 نعته بالقول: «اختطف الموت هذا الأسبوع من بين الصفوف القومية الاجتماعية أميناً مناضلاً ورفيقاً عاملاً هو الأمين مصطفى أرشيد، الرئيس السابق للحزب القومي الاجتماعي. ثم نشرت في الصفحتين الداخليتين 6 و7 وصفاً للمأتم الحاشد الذي أقيم للفقيد الكبير».

مأتم قومي كبير

ما إن انتشر نبأ نعي الأمين مصطفى أرشيد حتى احتشدت وفود كبيرة من كلّ أنحاء الأردن ووفود رمزية من أنحاء الوطن. وقد قدّرت جريدة «فلسطين» الأردنية عدد الحشود بعشرة آلاف مواطن، وكان على رأس تلك الوفود وزير البلاط السيد سليمان طوقان، الوزير السيد هاشم الجيوسي، محافظ نابلس اللواء بهجت طبارة، متصرف نابلس وقائد منطقتها، قائد مقاطعة جنين، متصرّف الخليل، وقائمقام جنين. وقد أبت وفود المناطق إلا أن تناوبت على حمل النعش الذي تهادى وسط صفين من القوميين الاجتماعيين أدوا التحية لرفيقهم الراحل، وفي المأتم توالى على الكلام كلّ من الأمين مصطفى سليمان(2) والرفيق حيدر عيسى(3) الذي ألقى كلمة الضفة الشرقية، والرفيق إسماعيل جمعة(4) كذلك خطب مواطن من النازحين الجنوبيين وآخر من أعيان المنطقة.

انتدَب رئيس الحزب آنذاك الأمين أسد الأشقر عميد الإذاعة الأمين إنعام رعد على رأس وفد مركزي ضمّ وكيل عميد الداخلية الأمين مصطفى عز الدين، والأمين عيسى سلامة إلا أنّ الوفد وصل بلدة «الكفير»، مساء يوم الدفن فقدّم التعزية إلى عائلة الأمين الراحل، ثم توّجه إلى الضريح حيث وضع ضمّة من الزهر بإسم رئاسة الحزب وألقى عميد الإذاعة الأمين رعد كلمة في المناسبة.

منحه رتبة الأمانة وانتخابه لعضوية المجلس الأعلى

يقول الأمين عبدالله قبرصي إنه «عام 1953 وكان عضواً في المجلس الأعلى توجه إلى الأردن في زيارة خاصة، وتمّ الاجتماع في عمّان بحضور عدد كبير من الرفقاء. منهم سمع الأمين قبرصي الكثير عن النائب مصطفى أرشيد، وكيف أنه كان يدخل على الملك عبدالله ويحيّيه بـ «تحيا سورية»، فرغب أن يلتقي به ويتعرّف إليه، وقد تمّ ذلك في «أوتيل عودة» في مدينة رام الله، حيث أمضيا ليلة، ثم دعاني لزيارة بلدته الكفير حيث وجدت أنه يملك قصراً موروثاً من الآباء. وبعد أن أمضينا ليلة ـ وكانت زوجتي معي ـ جال بنا في سيارته وقد انضمّ إلينا ابن أخيه، الرفيق سليمان، إلى قرى عديدة في الضفة الغربية.

«في هذه اللقاءات اكتشفت أن الرفيق المحامي مصطفى أرشيد رجل موهوب وأنّ إيمانه بالعقيدة القومية الاجتماعية مطلق، وأنه رجل أخلاق يتميّز بسعة الاطلاع وبالجرأة وبالحجة القوية، كما بوعيه الشامل والعميق للعقيدة، فقد درس كلّ العقيدة على نفسه، وكان يحفظ كلمات الزعيم غيباً، وعن ظهر قلب، واسع الاطلاع على التاريخ، عميق جداً، وولاؤه للحزب لا حدود له.

«وعلمت أنه محبوب ومحترم في منطقة جنين، شهير بعمله وأخلاقه وجرأته وصدقه.

«عدت إلى لبنان وأنا معجب بالرفيق مصطفى، لذا لم أتباطأ واقترحته لنيل رتبة الأمانة، فمُنحت له عام 1954 وانتُخب فوراً إلى عضوية المجلس الأعلى».

ويضيف الأمين قبرصي: «إنّ الأمين أرشيد خلق جواً من النظامية في فترة رئاسته للحزب، وكان دقيقاً جداً في المحاسبة على الأخطاء والتجاوزات».

وعنه يقول الأمين رامز اليازجي: «كان الأمين أرشيد يتمتع بعمق عقائدي مميّز، بشخصية رصينة رزينة، بعقل راجح، بأخلاقية لا يبزّه بها إنسان، وكان إيمانه بالحزب كاملاً والتزامه مطلقاً فلا شيء بالنسبة إليه يأتي قبل الحزب، ولا شك أنّ حظ الحزب كان سيكون كبيراً لو استمرّت رئاسة الأمين أرشيد أكثر.

الأمين مصطفى عز الدين، بدوره، له رأي مماثل لرأي الأمين اليازجي، إذ كان عرف الأمين أرشيد عن قرب حين توليه مسؤولية وكيل عميد الداخلية أثناء رئاسة الأمين أرشيد للحزب.

ويضيف: «كان هادئ الطباع، متأنّ في حديثه، محاور ناجح ومحدث لبق».

* **

نبذة شخصية

ـ ولد الأمين مصطفى أرشيد في بلدة الكفير ـ جنين (فلسطين).

ـ درس في الجامعة الأميركية في بيروت وفيها انتمى.

ـ تابع دراسته في معهد الحقوق الحكومي في القدس، حيث تخرج محامياً.

ـ كان الأمين أرشيد يحيّي جميع مواطنيه، حتى الملوك والرؤساء وكبار الرسميين، بـ»تحيا سورية»، وكان يركز أبحاثه على العقيدة السورية القومية الاجتماعية.

ـ حين أصيب الأمين أرشيد بأولى نوبات الداء واشتدّ عليه المرض كان يبادر أطباءه بأنه لن يموت وأنّ له إيماناً قوياً بالحياة والقدرة على الحياة. وكان شديد الاهتمام بتتبّع أخبار الحركة أثناء اشتداد المرض عليه.

أما حين عاوده المرض في المرة الثانية فقد قال لمن حوله، إنه يشعر بأنّ النهاية قد اقتربت ولكنه لا يمانع في أن يقوم الأطباء بأداء واجبهم المهني والإنساني رغم يقينه بأن لا فائدة من العلاج.

ـ كان نقل إلى المستشفى الأهلي الواقع بين بيت لحم وبيت جالا في الضفة الغربية، وفيه لفظ أنفاسه الأخيرة.

 

 هوامش

(1) جريدة قومية اجتماعية كانت تصدر أسبوعية.

(2) قائد فرقة «الزوبعة» عام 1948 في منطقة اللد ـ الرملة، تولى مسؤوليات حزبية محلية ومركزية منها منفذ عام الطلبة أواخر الأربعينات ـ ناموس الزعيم ـ منح رتبة الأمانة عام 1954.

(3) هو الأمين حيدر الحاج إسماعيل (عُرف أيضاً بـ عبود عبود) تولى مسؤوليات حزبية محلية ومركزية في الوطن وعبر الحدود، وكان عضواً في المجلس الأعلى، أستاذ جامعي في بيروت.

(4) من مدينة حماة، تولى مسؤوليات محلية ومركزية، وهو من الرفقاء الواعين النشيطين.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى